تنظيم المقاومة بأولاد بوعلي النواجة (بني مسكين)
عبد الله شفعاوي:
فيما يخص تنظيم المقاومة بأولاد بوعلي النواجة حسب عدة شهود عيان، أذكر منهم شهادة المقاوم أبو رضوان الجيلالي والمقاوم خليل عبد القادر، وحسب ابن عمي سي محمد نصر الله الذي عايش التنظيم منذ بدايته وهو في صغر عمره، فإن هذا التنظيم انطلق من الدار البيضاء وبالضبط من مخبزة الحلويات التي كان يمتلكها عمه، لمعلم صالح بن الشافعي شفعاوي، وهذه المخبزة كانت كائنة بزنقة سان لوران بدرب الكبير..
كانت ثلة من المقاومين يجتمعون بها تقريبا في أوائل 1952 تحت تنظيم أحمد الطويل بتزكية لمعلم صالح الشفعاوي وأخوه الجيلالي بن الشافعي الشفعاوي (نصر الله) وبمشاركة أحمد تريسيان والمندلسي وأحمد الصحراوي الداحوس.. و أبي بوعزة بن عبدالسلام بن بوعزة بن عبدالسلام شفعاوي و المزداد بدوار ادحامنة ، جماعة اولاد بوعلي النواجة، المزداد تقريبا سنة 1930 و الحامل لكتاب الله، كان يعمل بهذه المخبزة التي كانت في ملك ابن عمه لمعلم صالح شفعاوي..
ولما بدأ التنظيم يأخذ طريقه الصحيح؟ كلفوا أبي بالرجوع إلى بني مسكين والشروع في تنظيم خلية للمقاومة بأولاد بوعلي النواجة والتنسيق مع المقاومين الآخرين في بني مسكين الغربية والشرقية وعلى رأسهم السيد أبو القبيلة الجيلالي..
وأول من اتصل به، عند رجوعه، هو السيد الجيلالي بن ناصر أبو رضوان، الذي كانت تربطه به صداقة حميمية وقرابة عائلية وسكنية حسب شهادة هذا الأخير، حيت أصبحوا يجتمعون في منزلنا الذي كان يتقاسمه أبي مع عمه الحاج الجيلالي بن بوعزة بن علال وعمه الآخر أحمد بن بوعزة بن علال شفعاوي..
ولتوسيع النضال، ربطوا الاتصال ببعض الشبان بالدواوير المجاورة، أذكر منهم عبد القادر خليل من دوار اولاد العوني بأولاد إيلول، وبنداود العبي من دوار ادحامنة، و الجيلالي أبو فارس من أولاد فارس، ولمعلم احمد بن البصري من لبلان..
كما كلفوا أبي بالاتصال بلزرق من اثنين بني خلوك ببني مسكين الغربية و سي الجيلالي أبو القبيلة عند الحاجة..
ولتبليغ المعلومات التي كانت تأتيهم من التنظيم بالدار البيضاء، كان أبي الذي كانت له بنية صحة قوية و كانت له إرادة و شجاعة قويتين و عمره لا يتعدى اثنى و عشرين سنة (22)، حيت كان يشق الحقول ليلا ليصل إلى الدواوير خفية و يتصل بخلايا تنظيمات المقاومة التي كانت في طور التنظيم، و كانت أمي رحمة الله عليها تحضر له الأكل و يأخذ الماء الشروب في (شكوة) نظرا لانعدام القارورات آن ذاك..
سبب مرض أبي وسبب موته:
توصل أبي بمعلومات من تنظيم المقاومة بشمال المغرب عن طريق الحاج الجيلالي بن الشافعي نصر الله (شفعاوي) الذي أخبره بان تنظيم المقاومة سيشرع في إرسال المسدسات والذخيرة إلى خلايا المقاومة ببني مسكين وطلب من أبي الاتصال بالمنخرطين في المقاومة ويخبرهم بهذا ويطلب منهم أن يبدؤوا في جمع المال لتغطية شراء السلاح..
وحسب شهادة الوالدة وجدتي اللتين حكتا لي أن أبي توجه ليلا إلى اثنين بني خلوك ببني مسكين الغربية عند لزرق ومن معه، حسب ما حكا لهم وعند رجوعه ليلا وسط الحقول حيت اضاع الطريق والليل كان دامسا، وعلى ما يبدو أصابه العطش والجوع، وهو ما أرعبه كثيرا وزاد في تعبه بعد ما ضل طريقه..
وحسب ما حكت إلى أمي وجدتي لقد رجع إلى الدار فجرا متعبا ومنهكا و سقط مريضا حيت أصيب بحمى التيفوئيد..
و من قبله لاحقت قوى الاستعمار و بعض العملاء كل من شكوا في انتمائهم للتنظيم و منهم من سجن، أذكر منهم السي الجيلالي أبو رضوان و سي بنداود العبي و الشافعي بن احمد بن الشافعي و أخوه سي عبدالعزيز بن أحمد بن الشافعي شفعاوي و سي عباس بن بوزكري بن علال شفعاوي و عبدالقادر خليل و اخرون من اولاد بوعلي النواجة،
وعند التحقيق والبحث، اوشى سجين من الذين سجنوا أن أبي هو من بحوزته لائحة المنخرطين، وهو من يقوم بالتنسيق مع الخلايا الأخرى وهو من له صلة بالمجموعة الموجودة بالدار البيضاء..
وهذه الوشاية كانت فرصة ثمينة للشيخ علال شيخ اولاد بوعلي واولاد فارس الحلة ليصفي حساباته مع عائلة اولاد بوعزة بن علال بن الشافعي الشفعاوي الذين كانوا دائما حجرة عثراء أمام هذا الشيخ الذي كان يحكم القبيلة بيد من حديد وبمنطق (ديكتاتوري)، كما سبق وأن كان له مع أبي نزاع وتشابك بالأيدي في سوق الأربعاء اولاد بوعلي سجن على إثره أبي شهرا كاملا..
بعد الوشاية سالفة الذكر, ركب الشيخ علال صهوة بغله بصحبة إثنين من رجال القوات المساعدة (كانت تسمى آن ذاك بالكوم) و اتجهوا من قيادة البروج إلى منزلنا بدوار ادحامنة جماعة اولاد بوعلي النواجة، حيت دخلوا بدون إذن و بحثوا إلى أن وجدوا أبي ملقي على فراشه و هو في حالة يرثى لها بالمرض وأمروه بالتوجه معهم إلا أنه لم يستطع الركوب العادي على الحمار ليتوجه معهم إلى البروج لذلك، فقد هيأت له جدتي و عمته بما كانت تسمى « سكينة » إن لم تخني الذاكرة لهذا الاسم فهي مصنوعة من عروش الأشجار ومشبكة بالحبال كانت تستعمل في نقل الغمر بعد حصاد المحصول الزراعي و ملئها بالتبن و وضعوا عليها غطاء (بطانية) ،و أمر الشيخ علال أن لا يصاحبه أحد حيث أجهز رجال القوات المساعدة على جدتي التي تشبثت بمصاحبته..
وعند وصولهم إلى قيادة البروج، قدموه إلى المستعمر الذي أمر بسجنه والشروع في استنطاقه والتركيز بالخصوص عن لائحة المنخرطين وعن التنظيمات التي له علاقة بها.
وعذبوه وأهانوه واستعملوا ضده كل وساءل الاستنطاق وعندما لم يصرح لهم بأي معلومة يضعون في فمه قماش (جفاف) مملوء بمادة التجفيف آن ذاك كان (كريزين) وبعد يومين أو ثلاثة سقط في غيبوبة وأمر الطبيب أن يرحلوه إلى داره، وبعدما أرجعوه إلى الدار بيومين توفى رحمه الله واسكنه فسيح جناته..
الحمد لله الذي أهابني ذكرى لم أنساها وهي رغم صغر سني سنتين ونصف لا زلت أتذكر لحظة موته حيث كان يقرأ بصوت باهت آية الكرسي مع الطلبة الذين بحوله ويردد الشهادة وعندما اشتد به الحال، رحلوه إلى قبة جدي التي توفى فيها بعد مدة قليلة..
لا بد من ذكر هذه الطريفة، والتي تمثل إلي حلقة تاريخية للذاكرة، و هو أنه بعد اعتقال أبي و الذهاب به إلى معقل الاعتقال بالبروج الذي كانوا يسمونه (بالسيلون) قامت أمي التي كانت تبلغ ما يقرب عن عشرين (20) سنة، بتعاون مع جدتي (أم أبي) وبمعية عمة أبي بإحراق الوثائق و الصور التي كانت بحوزة أبي خشية أن يرجع المستعمر للتفتيش ويعثر عليها و تصبح حجة عليها، كانوا يعلمون أن أبي سوف لا يبوح بذلك نظرا لما كانوا يعرفون عن أبي من التزام وصرامة وقدرة في تحمل التعذيب..
ومع مرور الوقت أتلفوا بالضبط المكان الذي دفنوا فيه هاته الوثائق وبهذا ضاعت الذكريات وضاعت الوثائق التاريخية كما ضاع تاريخ ازديادنا أنا وأختي، ولما وصلت سن عشرة (10) سنين أشاروا إلى للمكان الذي دفنوا فيه هذه الوثائق وقمت بالحفر إلا أنني لم أعثر على أي شيء…
الحاج جيلالي بن بوعزة بن علال شفعاوي:
لا بد أن نعطي لسيزار ما هو لسيزار ،و إلى عم أبي و أبي الروحي بالحضانة، الحاج الجيلالي بن بوعزة بن علال شفعاوي الذي كان يتقاسم السكن مع إخوته الثلاثة منهم جدي عبدالسلام بن بوعزة بن علال و مع احمد بن بوعزة بن علال حيث كانوا يتقاسمون الأدوار فيما بينهم ،فهو من كان يتكلف بالمدخول و المصروف و ما هو إداري و جدي كان يتكلف بالعلاقة مع الجماعة و القبيلة و المواسم و الضيوف و تدبير الممتلكات من أغنام و أبقار و جمال و أخوهم احمد بن بوعزة بن علال كان يتكلف بالحرث و المحصول الزراعي و من العمال كالرعاة و من كانوا يقومون بالحرث..
وبالرجوع إلى الحاج الجيلالي، فلما مات جدي احتضن أبي على عمر سبعة (7) سنين. كان temps de latence عقيما إلا أنه كان حنونا و بيديه الافكار و فائق السرعة في الرد ولا يخشى لومة لائم في كلمة الحق، إلى درجة أن القائد الجيلالي بوحافة كان يلقبه ب « زويطة »حسب شهادة العطوش العامري الذي كان بوابا للقائد، وسبق أن حكي إلي هذا حوالي سنة 1982 كما أنه أضاف إلي أن القائد بوحافة كان معجبا بلباس هذا الرجل الذي كان يشتريه من مدينة فاس التي كان يتردد عليها لأنه كان يتاجر قي جلد الغنم و الأبقار ،وبالرجوع إلى علاقته بالمقاومة فإن المقاومين منهم سي الجيلالي أبو رضوان و سي عبدالقادر خليل و سي بنداود العبي و أفراد العائلة المقاومين من ذكرتهم من قبل، كانوا يجتمعون في منزلنا و الذي كنا نتقاسمه مع الحاج الجيلالي. وكانت زوجته أمي من الرضاعة والحاجة ميلودة بنت محمد بن البصري بصيري تزود أمي من مواد الأكل الذي كانت تقدمه للمجتمعين، كما أنها كانت تساعدها على الطبخ، لا بد من التذكير أن سي الجيلالي ابن الرضى كان عند تعطله في الاجتماع ينام مع أبي لأن اباه ناصر بن الجيلالي لا يقبل التجمعات عنده…
الحاج الجيلالي بن محمد بن الشافعي نصر الله (شفعاوي):
باستثناء اسمه العائلي، فهو من عائلة شفعاوي… هو من كان وراء تنظيم خلية مقاومة اولاد بوعلي النواجة. بعد ما كانوا يجتمعون في المخبزة سالفة الذكر وبعدما كبرت المجموعة أصبحوا يجتمعون في منزله الكائن بدرب الكلوطي، رقم 8 وابنه سي محمد نصر الله هو من كان يحرسهم ويراقب بمدخل الدرب.
ولما علمت سلطات الاستعمار على أن الجيلالي نصر الله هو من الذين يشرفون على تنظيم المقاومة، احتجزوه وحكموا عليه بالإعدام، إلا أن زميله المسمى الصحراوي وفي نفس الوقت كان جاره حيث كان منزلهما متقابلان و رقم داره 7 هو من هربه متخفي في جلباب امرأة و النقاب و ذهب به إلى مدينة القصر الكبيرة بشمال المغرب حيت ربط علاقة مع المقاومين بهذه المدينة و تكلف بإرسال المسدسات و الذخيرة من مدينة القصر الكبير إلى داخل المغرب.
لمعلم صالح بن محمد بن الشافعي شفعاوي :
لمعلم صالح شفعاوي، هو صاحب المخبزة التي كانت بزنقة سان لوران، Saint Laurent بدرب الكبير، فمنها انطلق التنظيم…
فهو أخ المقاوم الجيلاني نصر الله، …
كان مقاوما شهما وكان يتصف بذكاء خارق وله قدرة كبيرة لإقناع الآخرين.
فهو من أطلق الاسم العائلي » شفعاوي » الذي استنبطه من اسم جدنا الشافعي حيث كانوا يسموننا بأيت الشافعي…
هو كذلك سجن في الدار البيضاء مع مقاومين آخرين…
انتقل من الدار البيضاء إلى البروج في أواخر الستينات، حيت اشتغل كسائق تاكسي بعدما اشتغل في فجر الاستقلال كسائق تاكسي صغير بالدار البيضاء…
المقاوم الشافعي بن احمد بن الشافعي شفعاوي
مقاوم صلب ولا يتردد في قول ما يريد قوله وسجن لمدة عامين بالدار الحمراء بالبروج ثم بالسجن لعين على مومن (السجن الفلاحي علي مومن) بمدينة سطات.
المقاوم سي عبد العزيز بن احمد بن الشافعي شفعاوي
مقاوم صلب، فصيح اللسان، كان حافظا للقران، وسجن لمدة عامين بالدار الحمراء بالبروج ثم بالسجن عين علي مومن (السجن الفلاحي علي مومن) بمدينة سطات.
عبد السلام بن الحاج محمد بن بوعزة بن علال شفعاوي:
عندما سجن المستعمر الفرنسي أفراد من عائلتي، قام هذا الشاب النافع بدور مهم يفوق عمره الذي كان لا يفوق 13 سنة حيث كان يذهب كل صباح مبكر حاملا ما تمكنت الأسرة من تحضير الطعام للمسجونين الذين مكثوا به 3 أشهر بمعتقل الدار الحمراء بالبروج قبل نقلهم إلى سجن عين علي مومن بسطات.
كان يقطع مسافة 18 كلم بين دوار ادحامنة جماعة اولاد بوعلي النواجة والمعتقل سيئ الذكر مدينة البروج على رجليه، كي لا يفتضح أمره، محملا بالمعونة.
ونظرا لما كان يتصف به من دهاء فائق وشجاعة لا مثيل لها كان يستطيع أن يراوغ حراس المعتقل ويتسلل ويمد المعونة إلى أفراد الأسرة الذين كانوا يقومون بالأعمال الشاقة قرب المعتقل مع جميع المعتقلين كما كان يأخذ منهم الرسائل التي كانوا يوجهونها إلى العائلة.
وبهذا يشهد له التاريخ أنه شارك في المقاومة رغم صغر سنه
سي عباس بن بوزكري بن بوعزة بن علاع، شفعاوي
اعتقل هو كذلك لمدة سنتين. كان مقاوما صلبا. كتوما وحافظا للقران. دام دائما وفيا لنضاله محترما من زملائه في النضال. لم يتمكن الاستعمار من نزع أي معلومة منه رغم الاستنطاق القاسي الذي مورس عليه..
واختم بصورة المقاوم الصلب سي أبو رضوان الجيلالي بن ناصر بن الجيلالي
لقد عرفته عن قرب لما كنت في البروج..
