عندما يتحول اختفاء الأطفال إلى مادة للتهويل الإعلامي!؟
إدريس السدراوي:
في كل مرة يتم فيها تداول خبر يتعلق باختفاء طفل، تتجه أنظار المجتمع بأسره نحو هذه القضية بقلق مشروع وحس إنساني عميق..
فالأطفال يمثلون أكثر الفئات هشاشة في المجتمع، وأي خطر قد يهدد سلامتهم يثير بطبيعة الحال تعاطفًا واسعًا وخوفًا حقيقيًا لدى الأسر المغربية، غير أن ما أصبح يثير القلق في الآونة الأخيرة هو الطريقة التي يتم بها تداول مثل هذه الأخبار، خصوصًا في بعض المنصات الرقمية وصفحات التواصل الاجتماعي، وأحيانًا حتى في بعض المنابر الإعلامية، حيث يتم نشر أخبار غير مؤكدة أو مبالغ فيها دون تحرٍّ كافٍ أو انتظار لمعطيات دقيقة من الجهات المختصة..
لقد تحولت بعض قضايا اختفاء الأطفال، للأسف، إلى مادة للتفاعل الرقمي والسبق الإعلامي، حيث يتم نشر صور الأطفال وأسمائهم ومعطيات عائلاتهم بسرعة كبيرة، وغالبًا دون التأكد من الوقائع أو معرفة ملابسات الحادثة، وفي كثير من الحالات، يتبين لاحقًا أن الأمر يتعلق بسوء فهم أو بخلافات عائلية أو بوقائع عادية تم تضخيمها إعلاميًا، غير أن الضرر يكون قد وقع بالفعل، بعدما انتشر الخوف والهلع داخل المجتمع..
إن هذا التهويل الإعلامي لا يخدم قضية حماية الأطفال بقدر ما يساهم في خلق حالة من القلق الجماعي داخل الأسر المغربية، ويزرع شعورًا عامًا بانعدام الأمان، خصوصًا لدى الآباء والأمهات الذين أصبحوا يتابعون هذه الأخبار بقدر كبير من الخوف والارتباك، كما أن تداول المعطيات غير الدقيقة قد يؤدي أحيانًا إلى تضليل الرأي العام وإرباك الجهود التي تبذلها المصالح الأمنية المختصة في البحث والتحري..
من منظور حقوقي وقانوني، فإن نشر صور الأطفال ومعطياتهم الشخصية دون تحرٍّ أو دون مبرر مشروع يثير إشكالات حقيقية تتعلق بحماية الحياة الخاصة وبحقوق الطفل؛ فالدستور المغربي واضح في هذا الباب؛ إذ ينص الفصل 32 على أن الدولة تعمل على توفير الحماية القانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال، كما يقر الفصل 24 بحق كل شخص في حماية حياته الخاصة وعدم انتهاكها؛ كما أن القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي يفرض احترام ضوابط صارمة في التعامل مع المعطيات الشخصية، بما في ذلك الصور والمعلومات المرتبطة بالأطفال، ويحظر نشرها أو تداولها خارج الإطار القانوني المشروع.
من جهة أخرى، فإن قانون الصحافة والنشر رقم 88.13 يلزم وسائل الإعلام باحترام أخلاقيات المهنة، وفي مقدمتها التحقق من صحة الأخبار قبل نشرها، وتجنب نشر الأخبار الزائفة أو المعطيات التي قد تضلل الرأي العام أو تمس بحقوق الأفراد وكرامتهم؛ ولا ينبغي أن ننسى كذلك التزامات المغرب الدولية في مجال حماية الطفل، خاصة في إطار اتفاقية حقوق الطفل، التي تؤكد على ضرورة حماية الأطفال من كل أشكال الاستغلال أو التشهير أو المساس بكرامتهم وصورتهم، وعلى ضرورة مراعاة المصلحة الفضلى للطفل في جميع السياسات والممارسات، بما في ذلك الممارسات الإعلامية..
إن الدفاع عن حرية التعبير وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومة لا يعني إطلاقًا تبرير نشر الأخبار غير الدقيقة أو المبالغ فيها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة تمس الأطفال؛ فالإعلام المسؤول هو الذي يوازن بين حق الجمهور في المعرفة وبين واجب حماية المجتمع من الإشاعات والتهويل..
إن المطلوب اليوم ليس الصمت عن مثل هذه القضايا، بل العكس تمامًا؛ المطلوب هو التعامل معها بمهنية ومسؤولية، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، والاعتماد على المصادر الموثوقة، واحترام كرامة الأطفال وأسرهم؛ كما أن الأسر والمواطنين بدورهم مطالبون بعدم الانسياق وراء الأخبار غير المؤكدة أو إعادة نشرها بشكل عشوائي، لأن تداول الإشاعات قد يساهم في تضخيمها وتحويلها إلى مصدر خوف جماعي..
إن حماية الأطفال مسؤولية مشتركة، لكن حماية المجتمع من الإشاعة والتهويل مسؤولية لا تقل أهمية، فالمجتمع الذي يعيش في ظل الخوف الدائم هو مجتمع مهدد في استقراره النفسي والاجتماعي..
ولهذا، فإننا في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إعلام مهني ومسؤول، وإلى فضاء رقمي أكثر وعيًا، يضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار، ويحترم حقوق الأسر، ويساهم في بناء مجتمع تسوده الثقة بدل الخوف، والحقيقة بدل الإشاعة..
