من النفوذ المحلي إلى السلطة الوطنية: صناعة النواب الجديدة.

شارك

 بقلم، محمد خوخشاني.

تقديم:

على بُعد أقل من أسبوعين من انطلاق الدورة الثامنة عشرة للمعرض الدولي للفلاحة بمكناس، لا يزال الجميع يتذكر ما بذله المشمول برحمة الله، المرحوم جواد الشامي، رفقة فريقه، من جهود متواصلة من أجل إنجاح ستة عشردورة من هذا الموعد الاقتصادي الدولي الذي يُنظَّم سنوياً في مكناس.

ستة عشر عاماً من العطاء، جلب خلالها هذا المعرض إلى المدينة آلاف المهنيين من مختلف قطاعات الفلاحة، من كل أنحاء العالم. وكان للفقيد دور محوري في تحسين ظروف تنظيم هذه التظاهرة سنة بعد سنة، حتى غدا المعرض الدولي للفلاحة بمكناس علامة فارقة على المستوى القاري والدولي.

نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ثمّة مساراتٌ يقطعها الموت المبكّر قبل أوان التحليل، لكنها، بفضل كثافتها، تظل ناطقةً بما وراء الحياة. مسار جواد الشامي ينتمي إلى هذه الفئة النادرة.

رحل شاباً، تاركاً خلفه صورة رجلٍ استطاع أن يزاوج بين الالتزام الاقتصادي والطموح العام، في هدوء وفعالية. في مكناس، فرض نفسه كوجه صاعد في النسيج المقاولاتي، مديراً لوكالة فولكسفاغن «تيزي»، قبل أن يوسّع نفوذه إلى مسؤوليات ذات بعد جهوي ثم وطني.

خلال حياته، وقبل أن يبعده المرض تدريجياً عن المشهد، تقلّد مناصب هيكلية: رئيساً جهوياً للاتحاد العام لمقاولات المغرب، حيث ساهم بنشاط في تنشيط النسيج الاقتصادي المحلي، ثم مفوضاً للصالة الدولية للفلاحة بمكناس (SIAM)، هذا الموعد الكبير الذي يضع المدينة كل سنة في صلب الرهانات الفلاحية وطنياً ودولياً.

لم تكن هذه المسؤوليات مجرد بروتوكول. إنها ترسم ملامح مدير ومنظم، قادر على التحرك في تلك الفضاءات التي يتقاطع فيها القرار العام، الفاعلون الاقتصاديون والشركاء المؤسساتيون. إنها تشهد بالأكثر على اعتراف نالَه قبل ولوج السياسة بوقت طويل – شرعية ميدانية، بُنيت بصبر.

انتخابه في البرلمان سنة 2021 تحت لواء حزب الأصالة والمعاصرة يبدو، بذلك، التتويج المنطقي لمسار متناسق: مسار رجل بنى نفوذه في الاقتصاد الحقيقي قبل أن يُسقطه في الفضاء العام.

ما وراء المناصب: معنى مسار متقطع

لأن جواد الشامي لم يكن مجرد منتخَب. كان فاعلاً في طور التكوين، منخرطاً في مسار صاعد، كانت ملامحه السياسية لا تزال في حاجة إلى الرسم. رحيله اليوم يضفي على مساره بُعداً خاصاً: بُعد إمكانيات معلقة، ودور غير مكتمل، ووعد لم يسمح له الزمن بالوفاء به.

قراءة افتتاحية: بين التكريس والتساؤل

تكريم جواد الشامي يعني الاعتراف بمسار من الالتزام، لكنه يعني أيضاً التساؤل عما يكشفه عن المغرب السياسي المعاصر.

يختزل مساره وحده ملامح تحول عميق:

  • رسوخ اقتصادي متين،
  • اعتراف مؤسساتي تدريجي (الاتحاد العام لمقاولات المغرب، الصالة الدولية للفلاحة)،
  • انتقال ناجح إلى التمثيل السياسي.

إنه يجسّد إذن صناعة النخب الجديدة، حيث تصبح التجربة الاقتصادية رافعة للوصول إلى السلطة، وحيث تُبنى الشرعية بالفعل أكثر منها بالأيديولوجيا. وفي هذه الدينامية، يلعب حزب الأصالة والمعاصرة دور المحفز، بإدماجه شخصيات قادرة على تعزيز بصمتها الترابية ومصداقيتها التسييرية.

هل ينبغي أن ننزعج أم نرتاح؟

تجربة جواد الشامي – حتى لو كانت مختصرة – تستدعي قراءة متوازنة.

إنها تذكّر بأن هذه الشخصيات يمكن أن تقدّم:

  • فهماً دقيقاً للآليات الاقتصادية،
  • ثقافة الفعالية والنتيجة،
  • قدرة على ربط المحلي بالوطني، والتراب بالقانون.

لكنها تطرح أيضاً شرطاً: ضمان أن يبقى الالتزام السياسي في خدمة المصلحة العامة، لا مجرد امتداد لرأس مال نفوذ شخصي.

كلمة أخيرة

لا يختتم رحيل جواد الشامي مساراً فحسب. بل يضع عصراً بأكمله في وضح النور.

■ عصر تتضاعف فيه الجسور بين الاقتصاد والسياسة.

■ عصر تعيد فيه الشخصيات الهجينة صياغة ملامح التمثيل، في صمت.

يبقى سؤال جوهري، تركه مساره معلقاً:

أي ديمقراطية نريد أن نبني عندما يطمح أولئك الذين ينتجون الثروة أيضاً إلى ممارسة السلطة؟

لأن الرجال يرحلون، لكن الديناميات التي يجسّدونها تبقى – وتستدعي اليقظة، والوضوح، والمطالبة

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *