العقد الاجتماعي ودولة الهياكل المندمجة..

شارك

 محمد حمزة:

«Les hommes se sont donné des chefs pour défendre leur liberté»

Jean-Jacques Rousseau

داخل جماعة محدودة العدد، حيث تكون الثروة المتداولة محدودة أيضًا، تكون قواعد اللعبة مقبولة من طرف الجميع بسهولة. لكن عندما يكبر عدد هذه الجماعة وتتعدد أنماط التبادل، تصبح الحاجة إلى سلطة منظمة ضرورية لتعريف هذه القواعد وتلقينها وضمان احترامها، من أجل حل النزاعات التي لا مفر منها. وهذه هي بداية نشأة الدولة..

إن الإنسان المتوحد الذي كان يعيش في الغابة، لا يعرف أباه ولا زوجته ولا أبناءه، ولا يتكلم لغة، ولا يحترف مهنة، ولا يتقن صناعة، ولا يرتبط بقيم تضبط سلوكه، لا يعرف معنى الفضيلة ولا معنى الرذيلة… هو كائن سعيد، لأن حاجاته ومتطلبات حياته وطموحاته كانت قليلة ومحدودة، وبالتالي كانت، مشاكله ومتاعبه قليلة كذلك.

غير أن شيئًا واحدًا كان يمكن أن يعكر صفو هذه الحياة البسيطة الهادئة، وهو الكوارث الطبيعية وتقلبات الطقس وما ينجم عنها من برد وجفاف… مما يضطر هذا الإنسان المتوحد إلى التعاون مع غيره من أبناء جنسه للتغلب على آثارها. ومن هنا نشأ الاجتماع..

ومع الاجتماع نشأت اللغة، وظهرت أنماط سلوكية لم تكن موجودة من قبل؛ فظهر الحسد وظهرت الخصومات، وترسخت الملكية وأصبحت تحميها القوانين، مما أدى إلى تكريس التفاوت بين الأفراد. ولإصلاح ما أفسده الاجتماع، برزت الحاجة إلى إقامة الحكم الصالح، وإلى التربية، وابتداع القوانين التي يساهم في وضعها الجميع ويحترمها الجميع.

أما في التصور الحديث، فالسيادة هي للجماعة التي تنظم العلاقات بين الأفراد من أجل مصلحة الجميع، وهذا ما يسميه روسو بـ »العقد الاجتماعي »، كمدخل للحكم الصالح. ويعني ذلك تنازل كل فرد عن جزء من حريته للمجموع الذي تتشكل منه « الإرادة العامة ».

والإرادة العامة ليست مجرد مجموع حسابي للإرادات الفردية الخاصة، بل هي الإرادة التي تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، لا المصلحة الخاصة. وهي التي تؤسس الدولة..

إن العقد الاجتماعي يشرعن للإنسان الحديث كفرد، ويؤسس للحداثة كمجتمع قائم على الحقوق والواجبات والحرية والمواطنة.

فالحرية لا تعني تحقيق جميع النزوات، بل تعني إمكانية مساهمة الجميع في تحديد الإكراهات التي تنظم حياتهم المشتركة. وهذه الإكراهات تتجسد في القوانين. وبالتالي لا يتعلق الأمر بالخضوع لهذه القوانين باستكانة، بل باحترامها، أو تطويرها عندما يتبين أنها لم تعد صالحة لتأطير الصالح العام..

إن القانون يمكّن مجموعة من الأفراد من أن يتحولوا إلى هياكل مندمجة، والديمقراطية تتيح البناء الذاتي لهذه الهياكل عبر إشراك الجميع في اتخاذ القرار..

أما الديكتاتورية، فتنطلق من فكرة أن فردًا أو مجموعة صغيرة يمكنها بناء مجتمع مطابق لرغبتها الخاصة. وقد تبدو فعالة في حل مشكل ما على المدى القصير، لكنها لا تستجيب لحاجات الأفراد في الحرية، ومنطقها يؤدي إلى تدمير الفرد، وإقصاء المعارضين، حيث لا يبقى سوى مجتمع خاضع وسلبي وغير منتج.

فإذا كانت الدولة في خدمة طبقة أو مجموعة من الأفراد، فلا يمكن الحديث عن ديمقراطية؛ لأن الديمقراطية الحقيقية تفرض مساهمة كل فرد على قدم المساواة في الشأن العام. وهي ليست دولة مجتمع « نائم »، بل دولة متجددة باستمرار تبحث عن أفضل القواعد لتنظيم العيش المشترك، لذلك فهي ديمقراطية دائمة التحول، لأن معطيات المجتمع تتغير باستمرار، كما تتجدد الأجيال..

إن الهامش الديمقراطي الذي يعيشه المغرب، وتحصين المكتسبات الديمقراطية، يتطلبان عقدًا اجتماعيًا مرحليًا لا نهائيًا، يهدف إلى تنظيم أفضل يضمن مساهمة الجميع في البحث عن حلول للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية، ومواجهة تحديات العولمة التي تتطلب قوانين، معقدة ومنظمة وليست بسيطة..

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *