بين غلاء الأضاحي ووعي المواطن… حين يقول الشارع: “خليه يبعبع”

شارك

✍️الملياني رضى

لأول مرة منذ سنوات، يطفو على سطح النقاش العمومي في المغرب تحول لافت في سلوك المواطنين تجاه عيد الأضحى، هذا الموعد الديني والاجتماعي الذي ظل لعقود جزءا لا يتجزأ من الهوية الجماعية. لكن هذه السنة، الصورة مختلفة… بل صادمة للبعض. ففي ظل الارتفاع المهول في أسعار الأضاحي، التي تم تداولها بشكل واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وجد عدد كبير من المواطنين أنفسهم أمام واقع مالي لا يحتمل، حيث أصبحت القدرة الشرائية في أدنى مستوياتها، والغلاء يطرق كل الأبواب: من الخضر إلى اللحوم، ومن الكراء إلى أبسط متطلبات العيش. أمام هذا الوضع، لم يعد اقتناء الأضحية خيارا بديهيا، بل تحول إلى عبء ثقيل يفوق طاقة الأسر، خصوصاً مع تزايد المخاوف المرتبطة بجودة القطيع،

في خضم هذا الواقع، لم يعد النقاش يدار في الخفاء، بل خرج إلى العلن بشعار بسيط لكنه عميق الدلالة: “عيد الأضحى سنة مؤكدة وليس فريضة”. عبارة لم تعد مجرد تبرير ديني، بل أضحت تعبيرا عن وعي اجتماعي واقتصادي متنام، يختزل حجم المعاناة التي يعيشها المواطن المغربي. وبالتوازي مع ذلك، برزت عبارة أخرى أكثر جرأة وانتشارا: “خليه يبعبع”، والتي رغم طابعها الساخر، تحمل رسالة واضحة مفادها رفض الخضوع لمنطق المضاربة وارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر، فيما يشبه إعلان مقاطعة غير رسمي لكنه قوي ومؤثر.

هذا التحول وضع “الكسابة” والوسطاء، ومن يطلق عليهم “أصحاب الشكارة”، في حالة ارتباك غير مسبوقة، بعدما بنيت توقعاتهم على استمرار الطلب المرتفع كما جرت العادة. غير أن المعادلة هذه السنة تغيرت، إذ إن استمرار عزوف المواطنين عن الشراء قد يفضي إلى خسائر حتمية، وربما قاسية، خاصة في ظل وفرة العرض مقابل تراجع الإقبال.

وفي المقابل، برزت على السطح محاولات متعددة للتأثير على الرأي العام، من خلال فيديوهات وتصريحات تسعى إلى طمأنة المواطنين أو إقناعهم بأن الأسعار ستنخفض إلى مستويات “معقولة”، أحيانا عبر خطاب عاطفي موجه للرأي العام. غير أن المتابع اليوم لم يعد ساذجاً كما في السابق، بل أصبح أكثر وعيا وقدرة على التمييز بين الحقيقة ومحاولات التوجيه، مستفيدا من تراكم التجارب ومن سرعة تداول المعلومات.

لقد انكشفت ملامح لعبة السوق بشكل أوضح، ولأول مرة يبدو أن ميزان القوة بدأ يميل، ولو نسبيا، لصالح المستهلك الذي قرر أن يرفع صوته ويضع شروطه: إما أسعار عادلة، أو لا أضحية. إنها لحظة فارقة لا تقتصر فقط على سوق الأضاحي، بل تمتد لتطرح تساؤلات أعمق حول علاقة المواطن بثقافة الاستهلاك، وحدود قدرته على التأقلم مع موجات الغلاء المتتالية.

فهل نحن أمام بداية وعي جماعي جديد يعيد ترتيب الأولويات ويضع الكرامة المعيشية في صلب القرار؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه رد فعل ظرفي سرعان ما سيتلاشى مع تحسن الظروف؟ في كلتا الحالتين، يبدو أن رسالة هذا العام قد وصلت بوضوح: كرامة المواطن قبل الطقوس، والقدرة قبل العادة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *