مبادرة شعبية لإرسال معالي وزير الفلاحة إلى الرحبة   بشعار (هاك ألف درهم وعيّد لينا معاك)

مبادرة شعبية لإرسال معالي وزير الفلاحة إلى الرحبة   بشعار (هاك ألف درهم وعيّد لينا معاك)
شارك

يوسف غريب:

 من غريب المفارقات في واقعنا الحالي أن تصريحات بعض الوزراء والمسؤولين لم تعد تدفعك إلى النقاش العقلاني أو التحليل الاقتصادي الرصين، بل أصبحت بغرابتها وانفصالها التام عن الواقع تجبرك رغماً عنك على الارتماء في أحضان السخرية السوداء!!

هي الكوميديا الممزوجة بالعجز القادم من رحم المعاناة، ولعل أبرز تجليات هذه السريالية ما شهدناه حين أطل علينا السيد وزير الفلاحة من تحت قبة البرلمان وأمام نواب الأمة وبملامح يملأها الجد واليقين ليزف لنا بشرى من عيار الوزن الثقيل: الأسواق عامرة.. والأثمنة كتبدا من 1000 درهم )

 فور سماع هذا التصريح الإستثنائي توقفت عقارب الساعة في المقاهي والمنازل وفرك المغاربة أعينهم وآذانهم للتأكد مما سمعوا وتساءل الجميع بسذاجة دافئة:

هل يعيش هذا الوزير معنا في نفس المغرب أم أنه يتحدث عن كوكب آخر يقع خلف كوكب المريخ…؟

 يبدو أن معالي الوزير يتحدث عن خروف « ميكروسكوبي » لا يراه المواطن العادي بالعين المجردة أو ربما يقصد خروفاً « نباتياً » يتغذى على الهواء  أو لعله يقصد ثمن  (فردة حذاء) الخروف وليس الخروف بكامله!؟  ففي الوقت الذي يذهب فيه المواطن المغربي إلى « الرحبة  » يجد نفسه أمام بورصة مشتعلة حيث « السردي » ينافس أسعار السيارات المستعملة و »البركي » يطالبك ببطاقة تعريفك البنكية قبل أن تقترب منه!! يصر السيد الوزير على أن الألف درهم ما زالت تشتري أضحية العيد!!

ولكي يقطع الوزير الشك باليقين وبنبرة الواثق من خبايا الميدان وجّه خطابه للمغاربة قائلاً:

 (خرجو للأسواق.. أنا كنخرج للأسواق وكتوصلني بيانات المغرب كاملين)

 والحقيقة أننا نغبط معاليه على هذه « البيانات » السحرية التي تصله بانتظام، ويبدو أن الشبكة في هواتف الوزارة تلتقط ذبذبات أسواق لا وجود لها في جغرافية المواطن المقهور وهو يرى في جولاته الميدانية بالرحبة أسعاراً تحرق الجيوب يرى السيد الوزير في تقاريره الورقية خرافاً وديعة بـ 1000 و1500 درهم تنتظر من يشتريها!!

ولم يقف الحد عند هذا بل اعتبر معاليه أن الأزمة مجرد مؤامرة افتراضية واصفاً الأمر بـأنه (ما يمكنش نشوفو غير الحولي ديال 5000 درهم لي كيصوروه فالفايسبوك)

 وهكذا بجرة قلم – أو بالأحرى بجرة تصريح – تحول غلاء الأسعار وكبش العيد الذي بات يهدد الاستقرار المالي للأسر المغربية إلى مجرد إشاعة فيسبوكية وصورة فوتوغرافية يبثها هواة التهويل!

أمام هذه العبقرية الاقتصادية، وتفاعلاً مع تصريحات معاليه الميدانية قرر المغاربة تحويل هذه الفراسة إلى واقع ملموس وأعلنوا من قلب منصات التواصل والمقاهي عن إطلاق مبادرة شعبية وطنية تحت شعار:

« هاك ألف درهم وعيّد لينا معاك! »

سيقوم المواطنون بجمع مبالغ الـ 1000 درهم عبر لجان شعبية من أبناء الأحياء مكلّفة بتقديم هذه المبالغ للسيد الوزير شخصياً على شكل « وكالة شعبية رسمية للشراء »

 وبما أن معاليه يعرف تلك الأسواق السرية التي تباع فيها هذه الخراف الأسطورية وتصله بياناتها أولاً بأول فإنه سيتكلف نيابة عن الشعب بشراء ملايين الأضاحي بهذا السعر الخيالي وتوزيعها على البيوت.

بهذه الفكرة العبقرية سنضرب عصفورين بحجر واحد:

نرحم جيوبنا من جحيم السوق المشتعل ونمنح السيد الوزير فرصة ذهبية ليثبت لنا بالدليل والبرهان صدق تصريحاته ويؤكد لنا أن فايسبوك كان يخدعنا.

 وفي انتظار قافلة الخراف الوزارية التي ستشرف عليها هذه المبادرة الشعبية نتمنى لمعاليه تسوقاً ممتعاً في سوق الأوهام الجميلة!

لكن، وبعيداً عن عبثية المشهد فإن الاستخفاف الممنهج بذكاء المغاربة وقدرتهم الشرائية لم يعد مادة صالحة للضحك أو التندر.. فلجوء المسؤول إلى إنكار الواقع والهروب نحو أرقام هلامية ليس مجرد عجز تدبيرية بل هو إهانة صريحة لكرامة المواطن الذي يكتوي بنيران الأسعار يومياً، وعندما تصبح تقارير المكاتب المكيفة حجة لإدانة جيوب المواطنين العارية فإن الثقة بين المواطن والمؤسسات تنهار تماماً وتتحول التطمينات الرسمية إلى وقود للاحتقان الاجتماعي؛ فالشعب الذي يواجه قسوة المعيشة بصبر لن يقبل – وبالمرّة – أن تُقابل تضحياته ببيانات وهمية وأرقام تُطبخ وراء أبواب مغلقة لذر الرماد في العيون

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *