اليسار المغربي بين أزمة الثقة ورهانات البديل السياسي بعد انتخابات 2026.

اليسار المغربي بين أزمة الثقة ورهانات البديل السياسي بعد انتخابات 2026.
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

يشهد المشهد السياسي المغربي منذ سنوات حالة من التململ الشعبي المتزايد تجاه الأحزاب السياسية، وخاصة تلك التي ارتبطت تاريخيا بالدفاع عن قضايا العدالة الاجتماعية والطبقات الوسطى والهشة. وقد تعمقت هذه الأزمة في ظل السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي انتهجتها الحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش، حيث ارتفعت مؤشرات الغلاء واتسعت الفوارق الاجتماعية، مقابل شعور عام بأن العمل السياسي فقد جزءا كبيرا من قدرته على التأثير والتغيير.

وفي قلب هذا النقاش يبرز سؤال اليسار المغربي، خصوصا العلاقة بين الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، باعتبارهما من أبرز مكونات الحركة التقدمية بالمغرب.

من التوافق التاريخي إلى التباعد السياسي.

لا يمكن فهم العلاقة الحالية بين الحزبين دون العودة إلى مرحلة عبدالرحمان اليوسفي، التي شكلت لحظة سياسية فارقة في تاريخ المغرب المعاصر. فقد شارك الحزبان معا في حكومة التناوب التوافقي سنة 1998، وكانا جزءا من مشروع إصلاحي هدف إلى المصالحة مع الماضي السياسي، وتوسيع هامش الحريات، وإدماج القوى الوطنية والتقدمية في تدبير الشأن العام.

في تلك المرحلة، بدا اليسار المغربي أكثر انسجاما، رغم اختلاف المرجعيات بين الاشتراكية الديمقراطية التي يمثلها الاتحاد الاشتراكي، والمرجعية الشيوعية التاريخية التي تطورت لاحقا داخل حزب التقدم والاشتراكية. لكن التحولات السياسية والاجتماعية اللاحقة، إضافة إلى تغير طبيعة التحالفات، أدت تدريجيا إلى اتساع الهوة بين الحزبين.

وقد شكلت مرحلة حكومات حزب العدالة والتنمية نقطة تحول أساسية. ففي الوقت الذي اختار فيه حزب التقدم والاشتراكية المشاركة في حكومة يقودها حزب ذو مرجعية إسلامية، فضل الاتحاد الاشتراكي في البداية التموضع خارج التجربة قبل أن يلتحق لاحقا بحكومة سعد الدين العثماني.

هذا الاختلاف في التقدير السياسي ترك آثارا عميقة داخل العلاقة بين الحزبين. فداخل الاتحاد الاشتراكي، برز تيار اعتبر أن تقارب التقدم والاشتراكية مع العدالة والتنمية ساهم في إضعاف الهوية الحداثية والتقدمية لليسار، ومنح الشرعية السياسية لمشروع محافظ كان اليسار يعتبر نفسه تاريخيا في مواجهة فكرية معه. وفي المقابل، رأى التقدم والاشتراكية أن المشاركة الحكومية كانت خيارا واقعيا يهدف إلى التأثير من الداخل والحفاظ على التوازنات السياسية.

أزمة المعارضة وتفاقم الخلافات.

بلغ التوتر ذروته خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد فشل التنسيق حول ملتمس الرقابة ضد الحكومة الحالية. فقد تحولت الخلافات السياسية إلى تبادل علني للاتهامات بين إدريس لشكر ونبيل بنعبدالله، ما أعطى الانطباع بوجود أزمة ثقة عميقة داخل مكونات المعارضة نفسها.

ولم يعد الخلاف مرتبطا فقط بالتكتيك السياسي، بل أصبح يعكس رؤيتين مختلفتين لدور المعارضة وطبيعة التحالفات الممكنة. فالقيادة الحالية للاتحاد الاشتراكي ترى أن استعادة المصداقية تمر عبر وضوح التموضع السياسي وعدم خلط الحدود بين المشروع التقدمي والمشاريع المحافظة، بينما يدافع التقدم والاشتراكية عن براغماتية سياسية تسمح بالتعاون المرحلي مع قوى مختلفة لمواجهة الهيمنة الليبرالية المتصاعدة.

حكومة الليبرالية الاقتصادية وأزمة الثقة.

ساهمت السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة الحالية في تعميق الإحساس الشعبي بفقدان الثقة. فارتفاع أسعار المواد الأساسية، وتآكل القدرة الشرائية، واستمرار البطالة، وتزايد الشعور بالهشاشة داخل الطبقة الوسطى، كلها عوامل جعلت قطاعات واسعة من المغاربة تنظر إلى العمل السياسي باعتباره عاجزا عن حماية مصالحها.

كما أن هيمنة منطق المال والأعمال على الحياة السياسية عززت الاعتقاد بأن القرار العمومي أصبح أقرب إلى خدمة التوازنات الاقتصادية الكبرى منه إلى الاستجابة للمطالب الاجتماعية. ولذلك يصف بعض المنتقدين الحكومة الحالية بأنها حكومة « الباطرونا الليبرالية »، في إشارة إلى تغليب المقاربة الاقتصادية الليبرالية على الاعتبارات الاجتماعية.

غير أن أزمة الثقة لا تتحملها الحكومة وحدها، بل تشمل أيضا المعارضة والأحزاب التقدمية نفسها، التي لم تستطع إلى حد الآن تقديم جبهة موحدة أو مشروع مجتمعي واضح قادر على تعبئة المواطنين وإعادة الأمل في التغيير الديمقراطي.

كيف يمكن استعادة الثقة في العمل السياسي؟

إن استرجاع ثقة المواطنين لا يمكن أن يتحقق بالشعارات فقط، بل يحتاج إلى مراجعات عميقة داخل الأحزاب التقدمية نفسها، ويمكن تلخيص أبرز شروط ذلك فيما يلي:

1. تجديد الخطاب السياسي: لم يعد المواطن ينتظر لغة إيديولوجية تقليدية، بل يبحث عن حلول ملموسة لقضايا الشغل والصحة والتعليم والسكن والكرامة الاجتماعية. ولذلك فإن الأحزاب التقدمية مطالبة بإنتاج خطاب قريب من هموم الناس اليومية.

2. إعادة الاعتبار للأخلاق السياسية: أحد أسباب العزوف السياسي هو انتشار صورة سلبية عن الانتهازية والصراعات الشخصية داخل الأحزاب. واستعادة المصداقية تقتضي ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديم نماذج سياسية نزيهة وقريبة من المواطنين.

3. بناء وحدة تقدمية جديدة: رغم الخلافات الحالية، فإن المستقبل قد يفرض إعادة التفكير في صيغ جديدة للتنسيق بين القوى اليسارية والديمقراطية، لأن تشتتها يضعف قدرتها على مواجهة الهيمنة الليبرالية المحافظة.

4. الانفتاح على الشباب والطبقات الوسطى: أزمة الأحزاب التقدمية ترتبط أيضا بعجزها عن تجديد نخبها واستقطاب الأجيال الجديدة. لذلك فإن إعادة بناء الثقة تمر عبر تمكين الشباب والنساء والكفاءات الجديدة من مواقع القرار الحزبي.

أي أفق بعد انتخابات 2026؟

تبدو انتخابات 2026 محطة مفصلية في الحياة السياسية المغربية. فإذا استمرت المعارضة في حالة التشتت الحالية، فقد تجد الأحزاب الليبرالية نفسها مجددا في موقع قوة. أما إذا نجحت القوى التقدمية في بلورة مشروع اجتماعي ديمقراطي واضح، فقد تتمكن من إعادة التوازن إلى المشهد السياسي.

غير أن البديل الحقيقي لا يرتبط فقط بتغيير الوجوه أو التحالفات، بل ببناء تعاقد سياسي جديد يجعل المواطن يشعر بأن السياسة أداة لتحسين حياته اليومية، لا مجرد صراع حول المواقع والمصالح.

لقد أثبتت التجربة المغربية أن الاستقرار الدائم لا يقوم فقط على الإنجازات الاقتصادية الكبرى، بل يحتاج أيضا إلى عدالة اجتماعية وثقة سياسية ومؤسسات قادرة على الإنصات لنبض المجتمع. ومن هنا تظل مسؤولية الأحزاب التقدمية تاريخية: إما أن تنجح في تجديد نفسها واستعادة دورها التأطيري، أو تترك فراغا سياسيا قد يزيد من اتساع الهوة بين المجتمع والعمل الحزبي.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *