من « الظهير البربري » إلى دستور 2011: مسار قضية لغوية وهوياتية في المغرب.

من « الظهير البربري » إلى دستور 2011: مسار قضية لغوية وهوياتية في المغرب.
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

تمهيد.

شكّل عام 1930 محطةً فارقةً في التاريخ الحديث للمغرب. ففي هذه السنة، وتحت وطأة الحماية الفرنسية، تزامن حدثان كبيران، يبدوان منفصلين لكنهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً: صدور كتاب المؤسس لروبير مونتيني، « البربر والمخزن في جنوب المغرب »، وإصدار ما عُرف بـ »الظهير البربري » في 16 مايو. وبعد إحدى وثمانين سنة، وتحديداً في 2011، نصّ دستور مغربي جديد على جعل الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية. بين هذين التاريخين، ظل سؤال واحد يخترق المجتمع المغربي: كيف يمكن التفكير في التنوع اللغوي والثقافي للبلاد وتسميته وتدبيره، دون أن يتحول إلى أداة للانقسام؟

1930: حين التقت المعرفة الاستعمارية بالسلطة الاستعمارية.

تقارب ليس من قبيل الصدفة.

لم يكن روبير مونتيني باحثاً معزولاً في برجه العاجي الأكاديمي. فبصفته مستشاراً سابقاً للمارشال ليوطي، كان المنظر الأكثر نفوذاً لما يُعرف بـ »البربرية » العلمية الفرنسية. ففي تقرير حرّره مطلع عام 1930، صرّح بكل وضوح بالهدف السياسي لأبحاثه: إذ رأى أن الإسراع في تطبيق نظام جهوي بربري هو السبيل الأنجع لكبح صعود النزعات القومية المغربية.

هذا التصريح، الصادر عن كاتب المؤلّف نفسه، يكشف عن الطبيعة الحقيقية للمشروع الاستعماري: إنه ليس مجرد تطابق في التواريخ، بل التقاء بين معرفة أنثروبولوجية واستراتيجية هيمنة. لقد جاء ظهير 16 مايو 1930، الذي أخرج بعض القبائل الموصوفة بـ »ذات العرف البربري » من اختصاص القضاء المخزني ليلحقها بمحاكم عرفية تحت الوصاية الفرنسية، في سياق سياسة دبرتها الإقامة العامة منذ 1924. لكن أعمال مونتيني، إلى جانب أعمال إدوارد ميشو-بيلار ومارسيل موس، هي التي قدّمت الغطاء العلمي لهذه المقاربة التجزئية.

شبكة القراءة « مخزن/سيبة »: خرائطية سياسية في خدمة السلطة.

قدّم مفهوم « بلاد المخزن » مقابل « بلاد السيبة »، وهو مفهوم مركزي في أعمال مونتيني، للإدارة الاستعمارية تمثيلاً للمغرب كفضاء منقسم طبيعياً بين مركز عربي-إسلامي وأطراف بربرية متمردة. هذه القراءة، التي نقدّها وعدّلتها الكتابات التاريخية المغربية منذ ذلك الحين، تم توظيفها بمهارة لتبرير سياسة الفصل القانوني بين السكان « العرب » و »البربر »، وتم تقديمها كضرورة إدارية.

رد فعل فوري وقراءات متباينة.

لقي الظهير البربري رفضاً فورياً من قبل المغاربة الذين اعتبروه محاولة صريحة لتحطيم الوحدة الوطنية. ولم يتأخر الرد: حرّر المفتي أبو بكر زنيبر عريضة احتجاج شديدة اللهجة، ودوت صلاة « اللطيف » في المساجد صيف 1930. ويُجمع المؤرخون على اعتبار هذه الحادثة الفعل التأسيسي للحركة الوطنية المغربية، وهو ما تبنته الحركة الوطنية عند تأسيسها سنة 1934. ورغم أن تعديلات 1934 خفّفت من وطأة النص، إلا أن المحاكم العرفية لم تُلغَ نهائياً إلا بعد الاستقلال سنة 1956.

ومن الإنصاف الإشارة إلى قراءة أقلية يتبناها بعض المثقفين المقربين من التيار الأمازيغي. فوفقاً لهذه الأطروحة، كان للظهير طابع ترابي وليس إثنياً، إذ كان يطبق على كل من يقيم في مناطق العدالة العرفية، بغض النظر عن لغته. هذا التفسير يخفف من وطأة الاتهام المباشر للظهير بأنه « تجزئي »، لكنه يظل هامشياً أمام الإجماع التاريخي الذي يراه أداة للانقسام الهوياتي في خدمة السيطرة الاستعمارية.

من الانقسام الاستعماري إلى الأسطورة المؤسسة للأمة.

في العقود التي تلت الاستقلال، ظلّت القضية الأمازيغية موسومة بصدمة 1930. فالدولة المغربية الفتية، التي بنيت في مواجهة المشروع الاستعماري التجزئي، فضّلت خطاباً وطنياً توحيدياً يتمحور حول العروبة والإسلام، مما دفع بالواقع الأمازيغي إلى هوامش الخطاب الرسمي. وإزاء ذلك، طالبت الحركة الثقافية الأمازيغية، التي تشكلت منذ الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي (ومِن محطاتها البارزة ميثاق أكادير 1991)، بالاعتراف بالطابع الوطني ثم الرسمي للغة الأمازيغية. وفي مفارقة لافتة، اعتمدت الحركة على المادة الوثائقية التي أنتجها الإثنولوجيون الاستعماريون، مع رفضها القاطع لتوظيفهم السياسي.

2011: دسترة الأمازيغية، إنجاز أم « وهم » جديد؟

منعطف تاريخي.

في سياق الربيع العربي وحركة 20 فبراير 2011، نصّ الدستور المغربي الجديد، الصادر عقب الخطاب الملكي لـ17 يونيو، في الفصل الخامس منه على مبدأ غير مسبوق: تبقى العربية اللغة الرسمية للدولة، كما تظل الأمازيغية لغة رسمية للدولة، باعتبارها « رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة ». وتمّ إنشاء مجلس وطني للغات والثقافة المغربية لضمان حمايتهما وتطويرهما.

لقي هذا الاعتراف ترحيباً من الحركة الأمازيغية بوصفه نصراً تاريخياً، ثمرة نصف قرن من النضال. كما وضع المغرب في طليعة دول المنطقة، خاصة مقارنة بالجزائر وتونس.

حدود الإصلاح وانتقاداته.

أثارت صياغة الفصل الخامس تحفظات، إذ ظلّ التباين بين « تبقى العربية » و »تظل الأمازيغية » يثير الشك حول المساواة الفعلية بين اللغتين. وتخوّف نشطاء أمازيغ من أن يتأخر صدور القانون التنظيمي المكلف بتحديد آليات التطبيق، وهو ما حدث بالفعل، إذ صدر القانون رقم 26-16 فقط سنة 2019، أي بعد ثماني سنوات من إقرار الدستور. هذه المهلة، التي فسّرها مراقبون على أنها تعبير عن تردد الإدارة، غذّت مشاعر الريبة. وذهبت أصوات نقدية، أقلية لكن مسموعة، إلى اعتبار هذه الدسترة إجراءً رمزياً إلى حد كبير، تظل فعاليته مرهونة بالإرادة السياسية للدولة.

استمرارية أم قطيعة؟ قراءتان متقابلتان.

يمكن مقاربة 1930 و2011 من منظورين متضادين:

● قراءة الاستمرارية ترى في الاعتراف الدستوري لسنة 2011 تتويجاً متأخراً ومستقراً لقضية طرحت منذ الحقبة الاستعمارية: الاعتراف بالتعدد اللغوي في المغرب. فالأمازيغية، التي وظّفها المستعمر سابقاً، أصبحت اليوم « مُستعادة » من طرف الدولة المغربية السيادية كتراث مشترك وعامل توحيد لا انقسام.

● أما قراءة القطيعة، التي يدافع عنها جزء من الحركة الأمازيغية، فتصّر على الاختلاف في الطبيعة بين اللحظتين. فظهير 1930 كان يفصل السكان على أساس إثني لصالح السلطة الاستعمارية، بينما دستور 2011 يؤكد وحدة الأمة المغربية في تنوعها، معترفاً بـ »روافدها » المتعددة (الإسلامي-العربي، الأمازيغي، الصحراوي-الحساني، الإفريقي، الأندلسي، العبري). وهذه القراءة ترفض اتهام الاستمرارية، وتحيّي مقاربة المصالحة الوطنية التي بادرت بها الدولة، خاصةً منذ إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2001.

خاتمة.

يُجسّد تاريخ القضية الأمازيغية في المغرب كيف يمكن لظاهرة ثقافية واحدة ــ التعدد اللغوي والهوياتي ــ أن تُوظف لأغراض متضادة حسب توازنات القوى السياسية. إذ تحوّلت من أداة للتجزئة الاستعمارية سنة 1930 إلى موضوع اعتراف دستوري ووطني سنة 2011. بين هاتين المحطتين التاريخيتين، قطع التيار الثقافي الأمازيغي شوطاً كبيراً، محوّلاً وصمة استعمارية إلى مطلب مدني للمساواة اللغوية. لكن هذا الاعتراف، مهما كان جوهرياً، يظل مشروعاً غير مكتمل. فترجمته الملموسة في المؤسسات والتعليم والإدارة والحياة العامة تبقى الرهان الأكبر للعقود القادمة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *