الريف بين وعود المصالحة وحتمية التنمية: دعوة لإنصاف تاريخي وتنموي.

الريف بين وعود المصالحة وحتمية التنمية: دعوة لإنصاف تاريخي وتنموي.
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

مقدمة.

منذ عقود، والريف المغربي يختزل في ذاكرة الدولة والمواطنين على السواء قصة علاقة معقدة بين المركز والأطراف، بين سلطة اتسمت بالقمع والتهميش، وشعب ظل يناضل من أجل الاعتراف والكرامة والتنمية. فمنذ بداية الاستقلال، عرف الريف قمعا موجها أدى إلى كثرة الضحايا والاعتقالات، في سياق اتسم بانعدام الثقة بين الدولة وساكنة المنطقة. ورغم مرور محطات كانت تهدف إلى المصالحة، فإن أبناء الريف ظلوا يدفعون ثمن إرث تاريخي ثقيل، بينما شهدت جهات أخرى من المملكة، لاسيما الأقاليم الجنوبية، تحولات تنموية غير مسبوقة.

هذه المقالة محاولة لمرافعة صريحة وموضوعية حول قضية الريف، ليس بدافع الانتقام أو التصنيف، بل بدافع المطالبة بالحق في التنمية والعيش الكريم، على غرار ما تحقق لسكان الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة.

أولا: مسار العدالة الانتقالية.. وعود لم تكتمل.

شكلت تجربة العدالة الانتقالية في المغرب، ممثلة في هيئة الإنصاف والمصالحة التي أنشئت سنة 2003، محطة فارقة في مسار التحول الديمقراطي. فقد عملت الهيئة على معالجة انتهاكات الماضي، وقدمت تعويضات مالية لنحو 11,706 ضحية، وعقدت جلسات استماع علنية. غير أن هذا المسار، الذي وُصف بأنه نموذج رائد في المنطقة، ظل ناقصا وغير مكتمل بشأن ملف الريف.

الغياب الكبير للريف عن التقرير.

لم تصنف هيئة الإنصاف والمصالحة منطقة الريف صراحة كـ « منطقة ضحية »، بخلاف مناطق أخرى مثل الأطلس التي استفادت من سياسات التنمية الجهوية في إطار جبر الضرر الجماعي. ورغم أن المنطقة كانت من أكثر المناطق تعرضا للانتهاكات، فإن التقرير النهائي تجاهلها إلى حد كبير، ولم يُعالج بصورة معمقة مسألة إعادة تأهيل الضحايا أو النهوض بالمنطقة نفسها. وقد أثار غياب أي متابعة قضائية في حق المسؤولين عن الانتهاكات انتقادات واسعة، خاصة في جلسات الاستماع التي نظمت في الحسيمة، حيث خرج نشطاء يرددون شعارات مثل « محاكمة الجلادين » و »الريف ليس ملكا لكم ».

توصيات غير ملزمة.. ومشاريع تائهة.

أفضى تصنيف الريف ضمن برنامج جبر الضرر الجماعي إلى مجموعة من التوصيات غير الملزمة، سرعان ما سقطت في طي النسيان: من إنجاز دراسات أكاديمية حول أحداث 1958-1959، إلى إنشاء متحف للريف ومركز بحث باسم عبد الكريم الخطابي. وبعد مرور عقد ونيف، أعلن المجلس الوطني لحقوق الإنسان سنة 2024 عن انطلاق بناء « متحف الريف »، غير أن المشروع أعيدت تسميته بـ « متحف الحسيمة »، مما أثار احتجاجات واسعة اعتبرته شكلا من أشكال طمس الذاكرة الجماعية للريف الكبير.

انعدام الثقة.. جروح لم تندمل.

دفعت ضبابية معالجة ملف الريف سكان المنطقة إلى التحفظ وعدم التقدم بملفات التعويض. فلم يتقدم بطلب التعويض عن انتفاضة 1984 سوى شخصين فقط، كما أن عددا محدودا من الضحايا قدموا ملفاتهم، بسبب انعدام الثقة في الهيئة، والخوف من الانتقام، إضافة إلى عوائق إجرائية. هكذا، بدت هذه المصالحة أقرب إلى سراب منها إلى عملية حقيقية، حيث كانت السلطة ترنو إلى التخلص من عبء تاريخي ثقيل وإضفاء الشرعية على عقد اجتماعي جديد.

ثانيا: الريف خارج التنمية.. تهميش مستدام.

إذا كانت العدالة الانتقالية قد أخفقت في إنصاف الريف تاريخيا، فإن التنمية الاقتصادية والاجتماعية لم تكن بأفضل حال. فمسار التنمية بجهة شمال المملكة يتصف بـ « تنمية استقطابية وغير متكافئة »، حيث تتركز الأنشطة الإنتاجية بين طنجة وتطوان على حساب مدن وقرى الريف الداخلية.

واقع التنمية المتعثر.

يعاني الريف من نسيج صناعي ضعيف، وعزلة قاتلة في عوالم قروية وجبلية، وأنشطة معيشية لا تغني ولا تسمن، وبطالة متفشية وفقر مدقع. الأنشطة الحديثة المتمركزة في طنجة وتطوان هي في الغالب أنشطة بالتعاقد من الباطن موجهة للتصدير، في حين تظل الأنشطة غير المهيكلة، ومنها التهريب والتجارة الحدودية، هشة وقليلة الأجر.

احتجاجات متجددة.. وقمع أعنف.

لما اتضح لأبناء الريف أن عملية الإنصاف والمصالحة مجرد تقارير تحتوي على قرارات لم تر النور على أرض الواقع، عادوا من جديد إلى ساحة النضال، فكان القمع أقوى وأعنف. حراك الريف (2016-2017)، الذي انطلق بمطالب اجتماعية واقتصادية مشروعة — من بناء مستشفى إقليمي لمرضى السرطان، إلى تأسيس جامعة مستقلة، إلى جلب استثمارات حقيقية لتقليص نسب البطالة — قوبل باعتقالات واسعة وأحكام قاسية وصلت إلى عشرين سنة سجنا. وقد وُصف الحراك بأنه « حكاية خنقتها المقاربة الأمنية ».

ثالثا: الأقاليم الجنوبية.. نموذج تنموي يُحتذى.

على النقيض من الريف، شهدت الأقاليم الجنوبية للمملكة تحولا تنمويا غير مسبوق، جعلها في صدارة المناطق الأكثر جاذبية للاستثمار في المغرب. فمنذ إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية سنة 2015 بتوجيهات ملكية، رصد المغرب استثمارات عمومية ضخمة تفوق 80 مليار درهم، موجهة لتقوية البنيات التحتية، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، وتوسيع قاعدة الاقتصاد الترابي.

بنية تحتية متطورة.

شملت هذه الاستثمارات قطاعات متعددة: التجهيزات الأساسية وإعداد التراب الوطني بغلاف 28 مليار درهم، والبرامج الاقتصادية بـ 46 مليار درهم. وتم تحسين البنية التعليمية بـ 4.5 مليار درهم، إضافة إلى مشاريع كبرى في الطاقات المتجددة والموانئ والبنيات الطرقية.

نموذج تنموي متكامل.

يقوم النموذج التنموي الجديد على دعامات رئيسية: تطوير البنية التحتية والمرافق الأساسية، وجلب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل. ويهدف إلى إرساء دينامية سوسيو-اقتصادية جديدة للتنمية، حاملة للنمو ومدرة لفرص الشغل، بالمشاركة الفاعلة لمواطني الأقاليم الجنوبية. ومن خلال تحسين جاذبية المجال الترابي وترشيد الوسائل المخصصة للمساعدات الاجتماعية، يسعى النموذج إلى القطع مع الحكامة الممركزة التي تعطي الأولوية للمنطق الأمني.

هذا التباين الصارخ بين ما حظيت به الأقاليم الجنوبية من عناية تنموية، وما يعيشه الريف من تهميش وإهمال، يطرح سؤالا مشروعا: لماذا الريف، وهو جزء لا يتجزأ من التراب الوطني، لا يستحق نفس القدر من الاستثمار والتنمية؟

رابعا: الحلول الممكنة.. نحو تنمية منصفة للريف.

إن الحل الأنجع لقضية الريف لا يكمن في المزيد من التقارير والوعود، بل في توفير البنيات التحتية الضرورية لأهلها، وفرص الشغل لأبنائها، وضمان العيش الكريم للساكنة، على غرار ما تم تحقيقه لفائدة سكان الأقاليم الجنوبية وباقي الجهات التي تحاط بالعناية اللازمة اقتصاديا واجتماعيا وحقوقيا.

1. استثمار الامتياز الجغرافي للريف.

يمتلك الريف « شخصية » برية وبحرية في آن، وهي « كفايات مميزة » من شأنها أن تمنح الجهة الشمالية امتيازا مقارنا وتنافسيا غير مسبوق. وهذا يتطلب تحويلا في مسار التنمية، والاهتمام أولا بـ « اقتصاد الحياة » (الصحة، التغذية، التربية، البحث، الابتكار)، وثانيا بـ « الاقتصاد الأزرق » (صناعات البحر، الصيد، البنيات التحتية للموانئ، الطاقة البحرية المتجددة)، وثالثا بـ « الاقتصاد الأخضر » (الفلاحة البيولوجية، خلق قطب فلاحي جامعي).

2. تنمية مندمجة وشاملة.

ينبغي الانتقال من تنمية استقطابية تهمش مناطق الداخل، إلى تنمية مندمجة تشمل كل أقاليم الريف: شفشاون، وزان، الجبهة، باب برد، تارجيست، كتامة. وهذا يتطلب برامج تنموية جهوية تراعي خصوصية كل منطقة، مع إشراك الساكنة في وضع وتنفيذ المشاريع.

3. إنهاء المقاربة الأمنية.

لا يمكن للتنمية أن تزدهر في مناخ يسوده انعدام الثقة والمراقبة الأمنية المشددة. إن إنهاء وضعية العسكرة غير المعلنة عن الإقليم، وإلغاء المظاهر العسكرية، خطوة أساسية لخلق مناخ جاذب للاستثمار. كما أن إطلاق سراح معتقلي الحراك وإعادة تأهيلهم يشكل مدخلا أساسيا لبناء ثقة متجددة بين الدولة وساكنة الريف.

4. تفعيل التوصيات بشكل ملزم.

بدلا من ترك توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة حبيسة الأدراج، ينبغي تفعيلها بشكل ملزم، مع تحديد آليات للمتابعة والتقييم. إن إنشاء متحف للريف، وإنجاز دراسات أكاديمية حول تاريخ المنطقة، والاعتراف الرسمي بضحايا الانتهاكات، كلها خطوات ضرورية لكنها غير كافية إذا لم تترافق مع برامج تنموية ملموسة.

خاتمة.

إن قضية الريف ليست مجرد ملف تاريخي أو حقوقي عابر، بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة المغربية على تجاوز إرث الماضي وبناء مستقبل يقوم على العدالة والإنصاف والتنمية الشاملة. فمنذ بداية الاستقلال، ظل الريف محط أعين المسؤولين ومصدر حيطة وانعدام الثقة. وقد آن الأوان لتحويل هذه النظرة الريبة إلى نظرة ثقة وشراكة، ولتتحول الوعود إلى أفعال، والتقارير إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.

أبناء الريف، الذين ناضلوا من أجل الكرامة والاعتراف، هم في حاجة إلى الأفعال لا الأقوال والمناورات. إنهم في حاجة إلى مدارس ومستشفيات وجامعات وطرق وموانئ ومناطق صناعية، كما هم في حاجة إلى الاعتراف بتاريخهم وجبر جراحهم. إن التنمية العادلة للريف ليست منة من الدولة، بل هي حق مشروع لساكنة كانت وما زالت جزءا لا يتجزأ من نسيج المغرب الوطني.

فإلى متى ستظل هذه الجراح والآلام مفتوحة؟ وإلى متى سيظل الريف خارج دائرة التنمية التي عمت جهات أخرى من المملكة؟ الأسئلة تبقى مشروعة، والإجابة تبقى مرهونة بإرادة سياسية صادقة تضع العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة في صلب أولوياتها. فالريف يستحق أكثر مما حصل عليه، والمغرب ككل لن يكون مكتملا دون أن يكون الريف جزءا فاعلا ومنتجا في مسيرته التنموية.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *