حصيلة 27 سنة من الإنجازات الملكية: المغرب في عهد محمد السادس بين الأمس واليوم.

حصيلة 27 سنة من الإنجازات الملكية: المغرب في عهد محمد السادس بين الأمس واليوم.
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

مقدمة.

منذ اعتلائه العرش العلوي المجيد في يوليوز 1999 خلفا لوالده المغفور له الحسن الثاني، طيب الله ثراه، قاد صاحب الجلالة الملك محمد السادس المملكة المغربية في مسيرة تنموية شاملة وعميقة، جعلت منها نموذجا يحتذى به على المستويين الإقليمي والقاري. فخلال 27 سنة من الحكم، تمكن المغرب من تحقيق قفزات نوعية في مختلف المجالات، من الاقتصاد والبنية التحتية إلى السياسة الاجتماعية والدبلوماسية، واضعا نصب عينيه الرهان على العنصر البشري، وبالأخص الشباب، باعتبارهم الثروة الحقيقية للمملكة وركيزة مستقبلها. ولعل خير دليل على عمق هذا التحول، أن لو عاد زائرٌ إلى المغرب بعدما غادره قبل ربع قرن، لوجد بلدا مختلفا تماما، وكأنه انتقل من زمن إلى آخر.

البنية التحتية والاقتصاد: ثورة ملموسة على أرض الواقع.

أول ما سيلفت نظر هذا الزائر العائد هو الثورة على مستوى البنية التحتية، فلم يعد الطريق من الدار البيضاء إلى الرباط يقتصر على طرق وعرية، إذ انتقلت شبكة الطرق السيارة من حوالي 80 كيلومترا فقط سنة 1999 إلى أكثر من 1.800 كيلومتر اليوم، لتصل إلى مختلف المدن الكبرى بأسلوب عصري. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل سيشاهد أول قطار فائق السرعة في إفريقيا (البراق) ينقل الركاب بسرعة فائقة، ويلمس تحول ميناء طنجة المتوسط إلى قطب لوجستي عالمي من بين أفضل 20 ميناء للحاويات في العالم، إلى جانب استكمال مينائي الناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي، اللذين سيعززان موقع المملكة كقطب لوجستي قاري لا غنى عنه. وفي قطاع الطاقات المتجددة، بلغت نسبة مساهمتها في المزيج الكهربائي الوطني 46%، مما يضع المغرب في طليعة الدول الصاعدة في هذا المجال.

وهذا النقلة النوعية في البنية التحتية لم تكن سوى انعكاس لنهضة اقتصادية شاملة، إذ قفز الناتج المحلي الإجمالي من 46.27 مليار دولار سنة 1999 إلى 130.91 مليار دولار حاليا، كما تضاعف نصيب الفرد من الناتج المحلي أكثر من الضعف، منتقلا من 1.627 دولار إلى 3.442 دولار. ووفقا لتصنيف المركز الأفريقي للتحول الاقتصادي (ACET)، يُعتبر المغرب الدولة الأفريقية الأكثر نجاحا في تحويل اقتصادها، بل أصبح على المستوى الصناعي الدولة الإفريقية رقم 1، مما جعله يرتقي من مجرد دولة نامية إلى فاعل اقتصادي قاري وصناعي واعد.

الأوراش الاجتماعية والاستثمار في العنصر البشري: من مؤشرات إلى إنجازات ملموسة.

ولن تقتصر دهشة الزائر على الطرق والموانئ، بل ستمتد إلى المشهد الاجتماعي، حيث سيلاحظ تحسنا ملموسا في جودة الحياة، تجسد في ارتفاع مؤشر التنمية البشرية من 0.511 إلى 0.698، وزيادة متوسط العمر المتوقع من 66 إلى 75 سنة، بينما انخفض معدل الفقر المطلق من 15.3% إلى أقل من 1.7%، كما انتقل عدد المستشفيات من 110 إلى 177، مما يعكس الاهتمام الملكي المتزايد بالقطاع الصحي.

وهذه المنجزات لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة لسلسلة من البرامج الاجتماعية الطموحة التي جعلت من العنصر البشري محور اهتمامها الأسمى. وعلى رأسها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH)، التي ساهمت في تقليص الفقر والهشاشة والهدر المدرسي، إلى جانب نظام المساعدة الطبية (راميد)، وبرنامج تقليص الفوارق المجالية، وبرنامج دعم تمدرس الأطفال « تيسير »، والمساعدات المباشرة للنساء الأرامل. كما أولى جلالته مكانة خاصة لفئة الشباب، مؤكدا أنهم الثروة الرئيسية للمملكة، فأطلق أوراشا حكومية لدعم حاملي المشاريع المقاولاتية من الشباب، وعمل على إصلاح المنظومتين التربوية والرياضية، ويجسد تتويج المنتخب الوطني لكرة القدم لأقل من 20 سنة بكأس العالم سنة 2025 ثمرة هذه السياسة الرياضية الرشيدة.

السياسة الخارجية والبعد الأفريقي: دبلوماسية الحضور والتأثير.

على المستوى الدولي، سيجد الزائر العائد المغرب يتبوأ مكانة إقليمية وقارية متميزة، لم تكن لتخطر له على بال قبل ربع قرن. فقد تميزت السياسة الخارجية المغربية تحت قيادة الملك محمد السادس بتحول استراتيجي عميق، تمثل في العودة إلى الاتحاد الأفريقي في يناير 2017 بعد غياب ثلاثين عاما، حيث انتقلت الرباط من منطق الدفاع الدبلوماسي إلى منطق بناء النفوذ عبر التعاون الاقتصادي والأمني والتنموي. وقد أثمرت هذه السياسة عن نتائج ملموسة: فقد وقع المغرب ما يقارب 1800 اتفاقية ثنائية مع دول أفريقية، وأصبح أول مستثمر في غرب إفريقيا باستثمارات بلغت 500 مليون دولار في سنة 2024، كما توسع الوجود الاقتصادي للبنوك وشركات الاتصالات المغربية في عشرات الدول الأفريقية.

وفي مجال التكوين وبناء القدرات، أصبح المغرب قطبا للتميز لفائدة الشباب الأفريقي، حيث يستقبل حاليا حوالي 20 ألف طالب من 47 دولة أفريقية، ويوفر 5500 منحة دراسية سنويا، بعدما تم تكوين أكثر من 60 ألف إطار وطالب أفريقي خلال السنوات الأخيرة. وعلى المستوى الدبلوماسي، تمكن المغرب من حشد دعم دولي متزايد لقضية وحدته الترابية، حيث فتحت أكثر من 30 دولة قنصليات لها في مدن الصحراء المغربية، وشهد الموقف الأمريكي تحولا تاريخيا باعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على صحرائه في ديسمبر 2020.

خاتمة.

إن حصيلة 27 سنة من حكم الملك محمد السادس، التي تترجمها شهادة الزائر العائد بأبهى صورها، تضع المغرب اليوم في مصاف الدول الصاعدة، بل تجعله القوة الصناعية الأولى في إفريقيا. فالمملكة لم تعد ذلك البلد الذي كان يفتقر إلى البنية التحتية الحديثة، بل أصبحت اليوم نموذجا للتنمية المتوازنة التي تجمع بين التحديث الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبين الانفتاح على العالم والارتباط الوثيق بجذوره الأفريقية. وما يميز هذه المسيرة التنموية هو الرهان المتواصل على العنصر البشري، وخاصة الشباب، الذين راهن ويراهن عليهم جلالته باعتبارهم الثروة الحقيقية للمملكة. فبفضل هذه الرؤية الثاقبة، يواصل المغرب مسيرته بثبات نحو تحقيق أهدافه التنموية الكبرى، مستعدا لمواجهة تحديات المستقبل بثقة وإرادة، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *