الرسول الأعظم والتعلم..
عبد الوهاب الدبيش أستاذ في التاريخ
النقاش الذي فجره محمد الفايد مفيد وصحي رغم خطأه بخصوص أمية النبي الكريم (ص)؛ لا تختلف كتب التراث من السيرة النبوية الى المصادر الفقهية والتاريخية وكتب الحديث في كون النبي محمد بن عبد الله كان أميا بالمعنى الذي يفهم منه انه لم يكن يعرف الكتابة ولا القراءة؛ لكن النبي محمد بن عبد الله قبل النبوة كان له اطلاع واسع على الديانات السماوية المختلفة التي عرفتها منطقة الشام وشبه الجزيرة العربية وخصوصا اليمن..
فقد امتهن التجارة مع هذه الربوع وكان له اتصال بهذه المناطق عبر ورقة بن نوفل عم خديجة بنت خويلد اول زوجات النبي واحد الأحناف الكبار الذين عرفتهم المنطقة زمن الرسول؛ وهذا مكن الرسول من ان يكون له اطلاع واسع على اليهودية والنصرانية بالمعنى الذي ورد في القران الكريم..
تجربة النبي في مناطق تجارته مكنته من ان يكتسب عناصر ومقومات الأشخاص الرحل الذين يملكون تجارب شخصية مكنتهم من تكوين ثقافة دينية واسعة، وهو أي النبي الكريم لم يكن متعلما أي شخصا تعلم أصول القراءة والكتابة كما عرفتها المنطقة؛ بل كان ذا اطلاع واسع بمجالات عديدة مكنته منها حركيته بالمجال وهذا ما جعل المتصوفة من بعد يقتدون به في حركاتهم وسياحاتهم في مناطق العالم الإسلامي إذ إن السياحة بهذا المعني شيمة من شمائل الرسول..
كان عهد النبوة زمن قراءة وكتابة والقرآن يشهد على هذا بدلائل كثيرة ولم يكن الرسول الكريم بعيدا عن هذا العالم غير انه لم يتعلم ولم يقرأ بل كان يعتمد على ابن عمه وهو لا يزال صبيا، أي انه كان يعتمد على علي بن أبي طالب في كل ما تعلق بفهم كتاب او رسالة او كتابة اخرى، فعلي بن عمه كان بهذا المعنى اعلم الصحابة وأكثرهم تعلما لفني الكتابة والقراءة، وهذا ما أشاع عنه انه كان بليغا وصاحب قلم إبداعي بلاغي لا تزال آثاره تتردد على مسامعنا إلى اليوم..
النقاش الجاري الآن يفجر قضايا اخرى لا تمت لزمن النبوة، بل هي من مخلفات التاريخ الإسلامي منذ القرن الاول والى اليوم، وهي قضية دمقرطة عملية التعلم إذا جاز لي استعمال المصطلح في هذا المنحى..
إذ ان محتكري المعرفة التعليمية حصروها في نخب التاريخ الإسلامي ولم يكن باستطاعتهم توسيع مجالها لتشمل كل اطياف المجتمع وهذا في حد ذاته خلق الكثير من القضايا التي عانى منها العالم العربي والى اليوم، وقد أجازف واقول انه لولا الاستعمار الغربي الذي ادخل نظام المدارس التعليمية وفصلها عن المؤسسات الدينية لما تمكن المجتمع العربي من ان يكون له مفكرين وفلاسفة وكتاب روايات وقصص وشعراء وغيرهم،
فقد ظل المسجد هو من يفرز لنا فلاسفة وخطباء وغيرهم ممن أنتج معرفة مكتوبة فيما قبل الاستعمار وهذا في حد ذاته لم يمكن البعض وهم كثر على قلة نسبهم، مقارنة مع السكان لم يتجاوز هؤلاء الأشخاص حدود حفظ القران الكريم إلى ما هو أبعد..
احتكار المعرفة لدى نخب قليلة مكن من إشاعة الكثير من المغالطات التي تروج للأسف حول فترة الإسلام المبكر، واهمها إعطاء قيمة للمتعلم على حساب غيره من الأشخاص، فتكوين شخصية معرفية قد لا يحتاج إلى عملية تعلم بقدر ما يحتاج إلى تكوين ذاتي قوي يصقل موهبته ومعارفه في حياته وحياة من يعيش معه، وهذا لا يدعو قطعا إلى إهمال المدرسة التي يعود لها الفضل في تقدم المجتمع لكن يجب ان تكون هذه المؤسسات مجالا لصقل مواهب المتعلم حتى لا يبقى حدود عملية التعلم مقتصرا فقط على نخب قليلة لا تجيب على اسئلة المجتمع بل تزيد من عمق جراحه وتخلفه..
