بين تصحيح الاجور وغياب الدولة عن دورها، اصحاب العمل يأكلون الحصرم والعمال يضرسون

بين تصحيح الاجور وغياب الدولة عن دورها، اصحاب العمل يأكلون الحصرم والعمال يضرسون
شارك

بيروت: النقابي غسان حجازي

الأجور ونظام العمل المأجور عموما: نظرة تاريخية

•      كان مقدّرا أن تكون أزمة الأجور في القطاعين العام والخاص اقل حدة لو كانت معالجة الفجوة المالية قد بدأت فعلا قبلا

•      ولنعترف أن نظرة دونية قد غلبت تاريخيا على نمط تعاطي الاوليغارشية والسلطة العميقة والمؤسسات العامة ذات الصلة مع مسألة الأجور ونظام العمل بأجر عموما :فلا وجود لضمانات فعلية كافية لجهة شروط العمل والحماية الاجتماعية والتقاعد، ولا مسارات وظيفية مستقبلية مرسومة بشكل واضح وشفّاف للعاملين، ولا تصريحا كاملا عن الاجر لصندوق الضمان في حال كان العمل نظاميا، هذا الى جانب إمعان السلطة في تجاهل تعاظم ظاهرة العمل غير النظامي (الذي تقدّر نسبته بنحو60% من مجموع الأجراء في لبنان)، والتأجيل المتمادي لقيام فرع لضمان البطالة، والتقصير كذلك في تسديد متوجبات الدولة للضمان .

•      التحالف الحاكم كلن يعني كلن الذي تعاقب على ضرب استقلالية الحركة النقابية، التي شهدت ارتفاع عدد الاتحادات النقابية بما يزيد عن أربعة أضعاف تحت ضغط القوى الوافدة الى الحكم، مما حوّل هذه الحركة النقابية الى جهاز في يد الحكم وأفرغ الوظيفة العامة من مضمونها التاريخي المتصل بمفهوم الدولة الحديثة. فتحالف البورجوازية والزعامات الطائفية أضفى على الدولة اللبنانية صورة متخلّفة وزبائنية، الى جانب تغاضيه المطلق عن الفساد الممأسس وانهيار انتاجية العمل وتعاظم الشغور في ملاك الدولة الإداري مقابل تعميم التعاقد الوظيفي على أوسع نطاق.

يوما بعد يوم ومع الانهيار المخيف والمريع الذي عرف بالأزمة الاقتصادية الذي ضرب البلاد عام 2019 وهو واحد من اشد الانهيارات المالية في تاريخ لبنان الحديث حيث فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90%من قيمتها ليس هذا موضوعنا بل في عجالة سوف احدد اسباب الانهيار كما شرحت في ذلك الوقت ثم اعود الى عنوان المقال

تداعيات زلزال انهيار عام 2019 على الاجور والتقديمات

•      ما شهدناه بعد انهيار عام 2019 في موضوع الرواتب والاجور – التي انخفضت ذات يوم الى نحو 15% من قوتها الشرائية – كان أقرب الى الارتجال والترقيع وإحلال التسوًل كبديل للممارسة المؤسسية المسؤولة والمستدامة. ففي القطاع الحكومي بالذات، حلّت المساعدات الاجتماعية والحوافز ونفخ بدلات النقل واستنباط سردية « مضاعف الأجر »(التي لا تدخل في صلب الراتب) كبديل للمعالجة النظامية لفجوة الرواتب، مع العلم فروقات استنسابية حصلت في تطبيق هذه المسكّنات بحسب الإدارات والأسلاك العامة المختلفة (مثلا القضاة، أساتذة الجامعة اللبنانية، مقارنة بغيرهم من موظفين). وفي فترة معيّنة، أصبحت الحوافز وبدلات النقل تشكّل أكثر من 85% من اجمالي تعويضات العمل في القطاع العام. وتعاقبت موازنات عدّة منذ عام 2020 – ناهيك عن أطنان من الوعود المتكررة – من دون ان يلحظ فيها أيّ أثر لتصحيح نظامي للرواتب والأجور او لمعاشات التقاعد. أما في القطاع الخاص، فلم تجر أيّ معالجة تأطيرية منظّمة من قبل الدولة لمواجهة تداعيات الانهيار المالي على الأجور والتقديمات وتعويضات نهاية الخدمة، باستثناء مراسيم تعديل الحدّ الأدنى للأجور ثلاث مرّات (3 مرّات بشكل نظامي وقبلها عدّة مرّات من دون صدورها بمراسيم عن مجلس الوزراء) ويضاف اليها إدخال تصحيحات محدودة في تعريفات الخدمات الاستشفائية التي يتولى تغطيتها فرع المرض والأمومة التابع لصندوق الضمان.

في المحصّلة العامة، وبالرغم من عدم توفّر قواعد احصائية حديثة وموثوقة، يمكن القول ان كل ما قدّم من مساعدات وحوافز للأجر في القطاع العام (حتى تاريخه) لم يحل دون بقاء القوة الشرائية للأجر الرسمي وسطيا ادنى من ثلث ما كانت عليه قبل عام 2019

-1 سياسات هندسة ماليه خاطئة

-2 النموذج الريعي في لبنان

-3 العجز المتراكم

حيث اعتمد المصرف المركزي في لبنان سياسات فائدة مرتفعة لجذب الدولارات في ظل غياب القطاعات الانتاجية كالزراعة والصناعة لصالح الاستهلاك والخدمات وقامت الدولة بتمويل عجزها والميزان التجاري عبر الاستدانة المفرطة مما تسبب في خسارة المودعين اموالهم وهي أكثر من 120 مليار ل.ل وايضا ارتفاع معدلات الفقر نسبا غير معتادة لتطال أكثر من 90%من اللبنايين

اولا مقالي هذا يهدف الى تسليط الاضواء على اهداف الجدل القائم حول اهميه هذا المطلب او عدمه وتأثيره على زيادة الغلاء نفسه والترويع المزين بشعارات بديلة والتخويف من ان الانهيار على المستوى المالي سيترافق مع تسريح الالاف العمال وفقدان وظائف واغلاق المؤسسات؟

ومما لاشك فيه ان اصحاب العمل يعلمون قبل غيرهم ان الاجر اليوم في القطاع الخاص في لبنان <29 مليون ل.ل>شهريا ما يعدل نحو 312$بحسب سعر السوق بالكاد يكفيه لتأمين وسائل العيش اللائق والاستمرار في عملية الانتاج مرتبطة في القدرة الشرائية اي ان صاحب العمل خفض الاجر تحت عنوان الازمة الاقتصادية اي خفض من قيمة كلفة الايادي العاملة وان الفائض من هذا الانخفاض يضاف الى ارباح اصحاب العمل.

ثانيا ان تحديد الاجور كان يتم دوريا عبر لجنة المؤشر الثلاثية الاطراف < بالرغم من تغيب الحركة النقابية المستقلة للمشاركة في اللجنة > الا ان الموجودون اليوم يعترفون ان المراوحة وعدم الاتفاق هو سيد الاجتماعات وخلق هوة كبيرة ما بين التراكم وما بين الواقع اليوم مع العلم ان الخبراء الاقتصاديين وأبرزهم الاستاذ محمد شمس الدين والاستاذ خالد ابو شقرا قد وضعوا بالدراسات وفندوا بالأرقام ان الحد الادنى المطلوب اليوم هو 1200$ فقط للعيش لأسرة مكونة من أربع افراد

وحجة الغيورين والرافضين لهذا الرقم ان الدولة تنهار والمؤسسات الكبرى والمتوسطة بين الاقفال او التسريح لذلك تلجا الدولة اللبنانية بين الحين والاخر الى اعطاء بالمفرق مساعدات اجتماعية مقسطة في القطاع العام والقطاع الخاص خارج الاجر من دون المس بالأجور او التصريح عنها للضمان وهذه المساعدات الاجتماعية لا تتماشى مع معدلات التضخم مما يضع ضغطا هائلا على الاجور الحالية

ومؤخرا وفي لجنة المؤشر تم اقرار بدل نقل من 450الف ل.ل الى 720 الف بحسب سعر ليتر البنزين في السوق المحلي بمعدل 5 ليترات بنزين على ان لا يتعدى 800 الف ولا يقل عن 500 الف؟

السؤال اليوم لماذا في عام 2019 قامت ثورة اشعلتها شرارة الوتس اب واليوم الشارع اللبناني في سبات

الواقع اليوم الحرب التدميرية الاخيرة لها نصف الاسباب والسبب الرئيسي هو ضعف الاتحادات النقابية في نقل نبض القضايا الأساسية الى بناء قوى ضاغطة وبالرغم من دور الاتحاد العمالي في لجنة المؤشر والى جانب ذلك اتحادات نقابيه من ثورة 17 اكتوبر الى اليوم وهذا هو شغلها الشاغل

وما بين اكتوبر 2019 واكتوبر 2026 يزداد فريق المنادين والمهولين بخطورة تصحيح الاجور تحت رعاية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من خلال بث دعايات مشوهه ومغرضه تحاول ايهام الرأي العام سلفا بأن تصحيح الاجور قد يؤدي الى انفجار لا تحمد عقباه وهم لا يرون ارتفاع الاسعار الغذائية وارتفاع اقساط المدرسية وتسلط اصحاب المولدات على رقاب الناس مع انقطاع تام لكهرباء الدولة.

الموقف

يبقى الرد ان الحركة النقابية مجتمعة عليها ان ترفع سقف المطالبة من اجل تحسين ظروف الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية للطبقة العاملة وذوي الدخل المحدود في القطاعين العام والخاص ونحن ندرك بأن تصحيح الاجور هو جزء لا يتجزأ من سائر الحقوق والمطالب الاخرى

وأبرزها:

-1 اعادة احياء السلم المتحرك للأجور شهريا

-2 مراقبة الاسعار وتعزيز مفتشي وزارة الاقتصاد بطلاب من الجامعات اللبنانية من اجل ضبط الانفلات.

-3 حماية الضمان من خلال دفع كل المستحقات له ورفده بالكادرات البشرية اولها 500 وظيفة للبداية في تفعيل تقديماته.

وادخال فئات جديده الى الصندوق ولا سيما العاملين في قطاع البناء والزراعة.

مع اقرار الحماية الاجتماعية من خلال إقرار القانون 319 وذلك بعد انتخاب مجلس للضمان جديد عام 2026 مؤلف من 10 اعضاء بعد ان كان 26 عضوا

مشروع الحماية الاجتماعية والتقاعد في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في لبنان، إذ يقضي بالانتقال من نظام « تعويض نهاية الخدمة » التقليدي إلى نظام المعاش التقاعدي والحماية الاجتماعية.

-4بدل نقل حقيقي مواكب للواقع

-5فانون ايجارات عادل

هذه العناوين هي مدخل اساسي من اجل شعب سعيد له الحق في عمل لائق واجر عادل

وعلى الدولة اللبنانية ان تفرض دورها في الحماية الاجتماعية وعليها المضي في هذا الطريق

من اجل ان لا يبقى اصحاب العمل يأكلون الحصرم وعمالنا يضرسون

•      إن أيّ مقاربة كلّية للنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لا يمكنها المضيّ في ممارسة سياسة التجاهل والترقيع حيال هذا الاستقطاب الاجتماعي المتفاقم. وتقتضي أولويات المعالجة التزام السياسات العامة بإجراء تصحيحات دورية للأجور في القطاعين العام والخاص، وإجبار أصحاب العمل على التصريح عن كامل الأجر، وتمكين الأجراء من الاستفادة من تحسّن انتاجية العمل، والحدّ من نطاق عمل الأجراء غير النظامي في القطاع الخاص، وتحصين الأجر بشبكة فعلية من التقديمات ليصبح الأجر أجرا اجتماعيا، وإقرار نظام للتقاعد في القطاع الخاص يحمي – بطابعه التوزيعي – الفئات الفقيرة والمتوسطة من الطبقة العاملة، فضلا عن استحداث نظام لضمان البطالة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *