ورقات من ذاكرة الماضي

ورقات من ذاكرة الماضي
شارك

الكاتبة: طاهري ثريا

      عدت إلى أوراقي لأشاطرها همومي، وأسكب فيها من وجع روحي سيلا من الكلمات العابرة، فأخذتني الكتابة إلى عوالم أخرى بعيدة لا معنى فيها للزمان والمكان، فتحت دفاتر الماضي، فوجدت الماضي هو نفسه المستقبل لكنه بصيغة أخرى.

     ويمضي بنا العمر، ونطوي كل يوم صفحة من صفحاته ولا ندري هل حقا عشنا الحياة أم أننا فقط على قيدها أحياء.

     ونقلب الصفحة والصفحات لنسترجع ذكرى أحياء، لاشيء يضاهي رائحتهم ولو اعتصرت فرنسا بأكملها (باعتبارها مركزا للعطور) في قنينة عطر  ،وعطرهم مازال يملأ ذاكرتنا.

     وبين الصفحة والأخرى نتوقف،  فتطالعنا وجوها غادرتنا وما فقدها إلا وجع يستوطن القلب، وتبقى أماكنهم تهمس لنا بهدوء قائلة: لقد كانوا هنا يوما ورحلوا.

     وبين الذكرى والأخرى أماكن لا تساوي شيئا وهي خالية ممن نحب، والحنين احساسنا الدافئ بالشوق إليهم، وإلى الشعور بهم، أناس نتمنى أن يعودوا  إلينا ونعود إليهم  في محاولة يائسة منا لإعادة لحظات جميلة، وزمان رائع أدار ظهره لنا ورحل عنا ومنا كالحلم الهادئ.

   وقد نتوقف ما بين ثنايا الصفحات،  لنفسح المجال أمام الصمت الرهيب الذي يحملنا هما كبيرا أو حلما أكبر.

     وتتشابه الأيام باللذة والمرارة، وبياض الصفحات، وتمر الأيام والسنوات وتبقى في الذاكرة لحظات لا تعترف بقانون النسيان، نسجل حضورها مع أحبة/اصدقاء عشنا معهم أجمل الأوقات وأطيب اللحظات.

     ونطوي الصفحة، فنحتاج أحيانا إلى إطفاء السراج كي لايرى أحد ظل ليالينا  ،أو حين يطفى بداخلنا شغف لشيء كنا نمشي إليه حفاة.

     وبين ثنايا الصفحات، نتضاءل وننكمش ونحن نبحث عن أحلام الطفولة في شيخوخة هذا العالم الارعن، فنجد قلوبا ما خلقت الا لتسعدنا وتخبرنا أن الحياة مازالت جميلة، وأن الطرقات مضيئة بشكل جيد، وما علينا إلا اختيار الطريق السوي والصحيح.

     أفتح الصفحة واسير كظل بين مدينة مسقط رأسي بركان وبلدة عمان، وفي ثناياها محطات اخرى كفاس والناظور احتوت أحلامي في مهدها كالأم، ومنحتني الفرح والأمان بلا حدود، وفوق القلب وفوق المشاعر هناك البيضاء التي لا ولن تنسى، ومحطة أخرى هي طنجة سكني المستقبلي الجديد، وفي كل ذلك استنشق  عبق الناس وتواطئ الليالي، وانزلاق من الأيام إلى أخرى لا اعرف نهايتها، ولا  إلى أين ستمضي بنا،

  وما نحن جميعا  سوى عابري سبيل، سنمضي يوما تاركين خلفنا آمالنا،  أحلامنا ،افراحنا، اوجاعنا، دفاترنا وذكرياتنا وطيف يجول في طرقات قلوب احبائنا كما فعل الاولون.

     وكل يوم نقلب صفحة من صفحات عمرنا، وما بين صفحة وأخرى نتذكر أناس ولدتهم لنا الظروف، نحبهم نشتاق إليهم، نفرح بلقائهم، نتذوق معهم رحيق الأيام، ونتأسف لفراقهم ونتمنى لقائهم ذات يوم.

     ما بين صفحة الماضي القريب وصفحة اليوم، هناك أشخاص نحتفظ بهم في اعماقنا، ولن يتمكن غبار الزمن من إخفاء ملامحهم، وسنظل نصافحهم بشوق ونحتويهم بحنين رغم بعد الزمان والمكان.

     وما بين صفحة وأخرى نتوقف وننتظر على الرصيف لمن يمد لنا يده، ونحن نعرف بأن الانتظار حوافر الزمن، نمد يدنا لمن يتقن احتواء الروح ونحن نعلم بأننا كبرنا بما فيه الكفاية، وأننا أفلتنا جميع الأيادي التي لم تشد على أيدينا.

     وكل يوم نطوي صفحة من صفحات عمرنا، وتخبرنا الطرقات أننا عبرنا رغم تيه الخطى والبعد والتعب، وفي صفحة اليوم مازالت قلوبنا مدينة نلقى فيها أناس بقلوب تفيض باهتمام لا يجف، أناس تركوا في النفس أثرا عميقا لا تفعله أضخم المجاملات.

     اقلبوا الصفحة واسرقوا من الحياة لحظات شيقة  قبل أن يسرق العمر أجمل سنوات حياتكم، واسرقوا من أعماركم رفيقا طيبا قبل أن تسرق الحياة نبض شبابكم  فالعمر لحظة  والمودة رحمة، واذا كانت المحبة أرض تجود على قدر ماجدت  أنت به، فان الكلمة الصادقة تبقى بصمة أبدية  في القلوب التي لا تتغير.

     واعلموا أن الصداقة أشبه بالكتاب  تحتاج لثواني معدودة لحرقه، لكنكم تحتاجون لسنين عديدة ان أردتم اعادة كتابته.

      وفي آخر الصفحة، كتبت بقلب انهكه التعب :يا آخر ملامح هذا العام الذي هو على وشك الاختفاء، واخلاء المكان لعام جديد ،  لقد  تعبنا من الوجع والألم والفرقة والخذلان، كن نهاية وجع، وبداية اقدار جميلة للفرح، للامل ، للقاء الأماني واليقين الذي يريح القلوب، والدعاء  بأن يبدل الله اقدارنا إلى ما هو احلى واسعد واجمل ، فهو وحده القادر الذي لا يعجزه شيء، فاللهم كن لأمنياتنا مجيبا، ولضعفنا سندا، ولانكساراتنا جابرا.

     ومازالت الصفحات البيضاء في انتظار ما سيجود به الزمن.

     وكل سنة وانتم جميعا  – بغض النظر عن اماكن  تواجدكم  – طيبون وسعداء آمنون.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *