قبيلة أنجرة بمنطقة الريف شمال المغرب من أصول اندلسية الحفاظ والاندماج الثقافي.

قبيلة أنجرة بمنطقة الريف شمال المغرب من أصول اندلسية الحفاظ والاندماج الثقافي.
شارك

علال بنور

عندما سقطت « غرناطة » منذ 1492 وهي آخر معاقل المسلمين في الأندلس، وسيطرت الكنيسة الكاثوليكية على كامل شبه الجزيرة الإيبرية، ارتكبت كل اشكال العنف، من تعذيب وقتل واضطهاد في حق المسلمين من قبل محاكم التفتيش، والتي انتهت بتهجير كامل للسكان المسلمين « الموريسكيين »، الذين تفرقوا في بلاد  شمال أفريقيا ،حيث لا  تختلف كثيرا  ثقافتهم الإسلامية كوافدين عن  ثقافة المسلمين بشمال المغرب ، إلا أنهم في جوانب أخرى تمسكوا بصفاء ونقاء هويتهم وثقافتهم الأندلسية ،والتي تروي حضارة عظيمة ساهمت في بناء الحضارة الاوربية.

ويؤكد دارسو تاريخ الاندلس، بعد سقوط غرناطة وهروب أميرها أبوعبدالله الصغير، أصبح المسلمون رهينة لدى الكنيسة الكاثوليكية، والتي أقامت محاكم التفتيش للبطش بالمسلمين، والضغط عليهم إما لتغيير ديانتهم إلى المسيحية أو تهجيرهم من الاندلس، نحو الضفة الجنوبية من البحر المتوسط، فكان مصير غالبية المسلمين التهجير من موطنهم الأصلي الأندلس، مما جعلهم يتفرقون على بلاد المسلمين في شمال أفريقيا، فالألاف منهم استقروا بشمال المغرب على سواحل وجبال وسهول قبيلة أنجرة.

تراوح  في بداية التهجير ،عدد أفراد قبيلة أنجرة بين بضعة آلاف، فهم منذ قدومهم إلى شمال المغرب يعيشون في عزلة، ولا يختلطون بغيرهم فيتزوجون من بعضهم البعض، ويحافظون على ثقافتهم الأندلسية، حتى أن بعضهم مازال يحتفظ على مفاتيح منازلهم في غرناطة وإشبيلية الى الآن، ويوجد أفراد تلك القبيلة في القرى والبوادي الممتدة من حدود مدينة طنجة شرقا إلى حدود تطوان، وامتدادا حتى مدينة الشاون، كلها تقريبا تنتمي لتلك القبيلة الأندلسية العملاقة، وهي أكبر قبائل جبالة على الإطلاق، ولا يزال نفوذها يمتد إلى مناطق واسعة من مناطق جبالة في شمال المغرب. ومن اهم حواضرها لفنيدق والقصر الصغير، ويحد مجال انجرة شمالا، مضيق جبل طارق وشرقا قبيلة الحوز وجنوبا قبيلة وادراس، وغيرها من قبيلة الفحص.

سوف لن ندخل في التقسيمات المجالية والإدارية، بقدر ما يهمنا التأريخ لقبيلة انجرة. فللحديث عنها ، لا بد من التحديد الطبونيمي لمصطلح انجرة ،فأغلبية الباحثين الذين تعاملوا مع هذا المجال ، ذهبوا الى ربط معنى انجرة بصناعة قوارب الصيد، حيث أن المنطقة عرفت احواضا لرسو السفن ، بانتشار المخطاف الذي يربط رسو السفن بالحبال.

بل هناك ،باحثون آخرون ربطوا اسم انجرة بقرية قربة غرناطة .اما صاحب وصف افريقيا ، فقد منحنا اسما للمنطقة هو غنجرة .هكذا عرفت منطقة انجرة موجات هجرية ،هناك من يحددها ابتداء  منذ القرن 12 م اخرون ربطوها بسقوط غرناطة وتوسع قاعدة محاكم التفتيش.
فتوارثوا تلك المنطقة منعزلين عن العالم ، مما مكنهم من الاحتفاظ  بعرقهم الأندلسي، فهم يمثلون أحد أكثر الأعراق الأندلسية حفاظا على ثقافتهم ،  انهم جزء من الموريسكيين الذين يقطنون هذه القرى ،وهم من اكثر المنسيين في تاريخ  الأندلس ،الذين طردهم المسيحيون  فبعد سقوط غرناطة، ضاع منهم التاريخ والهوية، وأصبحوا يريدون فقط العيش بسلام حفاظا على دينهم وثقافتهم وتقاليدهم.

على طول شواطئ البحر البيض المتوسط بشمال المغرب ، تنتشر عشرات القرى الصغيرة التي تتوزع منازلها المتواضعة بلونها الأبيض،  بين جبال الريف، يسكنها أناس لهم خصائص ،توحدهم في لباسهم وطعامهم وذهنيتهم  وفي طباعهم ولهجتهم وسحناتهم  والوان عيونهم ، كما يجمعهم الانغلاق بالإحساس العرقي، فكل وافد من خارج منطقة الشمال فهو مرفوض للاندماج ،والنظر اليه انه غير مرغوب فيه ،وهم لا يخرجون عن قاعدة الزواج والمصاهرة بين السكان المعروفين بجبالة ، فكل غريب عن المنطقة يسمونه من سكان الداخل ، يجمعهم جغرافيا قبيلة « أنجرة » الاندلسية الأصل ،الذين  فيها حافظوا على ثقافتهم ووضعهم الاجتماعي منذ أكثر من 500 سنة، عندما هاجروا من الأندلس بعد اضطهادهم وطردهم على يد المسيحيين الاسبان.

ينتمي معظم عائلات قبيلة أنجرة إلى الأصل الأندلسي، فالذين طردوا من الأندلس كانوا خليطا من الأجناس العربية والأوروبية منذ 800 سنة من الوجود الإسلامي في الأندلس، أوجد الاختلاط العربي بالإبيري والأوروبي.

منذ أن جاءت عائلات قبيلة « أنجرة » من الأندلس إلى شمال المغرب قبل مئات السنين، حيث ظلوا منغلقين على أنفسهم بين الجبال، ويتزاوجون فيما بينهم ويعيدون إنتاج خلاياهم الأندلسية جيلا بعد جيل، ولا يزالون كذلك إلى اليوم، حتى أنهم شيدوا منازلهم بطريقة معمارية شبيهة بتلك التي تركوها في الأندلس، ومازالت الكثير من قراهم تضم منازل قديمة ،أسطحها بنيت بشكل ثلاثي الأضلع ،كالمنازل التي تبنت في المناطق الثلجية، كون أن أولئك الوافدين على بلاد المغرب ،جاؤوا من مناطق يتساقط فيها الثلج بكثرة مثل غرناطة، وكانوا يبنون منازل معدة للثلج ،لاعتقادهم أن الثلج يتساقط على أنجرة كذلك، كما أنهم بحثوا عن مناطق تشبه المناطق التي تم تهجيرهم منها ،لذلك اختاروا الاستقرار بين هذه المناطق الخضراء في « أنجرة « التي لا تختلف في شيء عن سهول وهضاب غرناطة وإشبيلية ومناطق أخرى في الجنوب الإسباني.
فقد بحث المهاجرون المسلمون من الأندلس ،المعروفون تاريخيا بالموريسكيين في  شمال المغرب ،عن أماكن تشبه  أحيانا المناطق التي هجروا منها، حيث يشعرون بأنهم يمكن أن يعوضوا موطنهم الأصلي الضائع في الأندلس بآخر، وهكذا منحت منطقة شمال المغرب للكثيرين من هؤلاء مجال جغرافي ، جعلهم يستطيعون التعايش معه والبقاء محتفظين بموروثهم الثقافي ، دون أن يفقدوا حريتهم وحياتهم بفعل تلك الكراهية الصليبية  التي شردت شعبا كبيرا في كل الاتجاهات.

كان أجداد هؤلاء الأندلسيين، يعتقدون أنهم سيستقرون في هذا المكان مؤقتا ثم يعودون إلى ديارهم بالأندلس، ومرت القرون انتهى فيه حلم العودة الى الاندلس، ففقد الكثير منهم مفاتيح منازلهم الأندلسية.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *