حين يتحول الإصلاح الاقتصادي إلى اختبار اجتماعي حاد.
بقلم: محمد خوخشاني
يعيش المغرب اليوم لحظة دقيقة من تاريخه المعاصر، تتقاطع فيها الإكراهات الاقتصادية المفروضة من الخارج مع الغليان الاجتماعي المتصاعد في الداخل. فبين مطرقة شروط البنك الدولي وسندان احتجاجات الشارع، يجد البلد نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يوازن بين متطلبات الإصلاح المالي والعدالة الاجتماعية؟
منذ سنوات، سار المغرب على نهج «الإصلاحات المهيكلة» وفق توصيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، التي تشمل تقليص النفقات العمومية، تحرير الأسعار، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد. رغم أن هذه السياسات ساهمت جزئيًا في تحقيق توازنات مالية كلية، إلا أنها خلّفت آثارًا اجتماعية ملموسة: فمعدل البطالة الكلي يقارب 13.3٪، بينما يصل معدل بطالة الشباب، البالغ من العمر بين 15 و24 عامًا، إلى حوالي 36 إلى37٪، مع ما يقارب 1.63 مليون عاطل عن العمل. وهذه الأرقام تعكس بوضوح حجم الضغط الاجتماعي الذي يواجهه المغرب، رغم أن الاقتصاد ينمو بمعدل 4.8٪ في الربع الأول من 2025.
ومع اشتداد الأزمة، أصبح الشارع المغربي أكثر جرأة في التعبير عن رفضه لهذا المسار. فاحتجاجات الشباب التي تجوب المدن والقرى ليست مجرد غضب عابر، بل صرخة جيل يرى مستقبله يُختزل في أرقام لا تراعي واقعه وكرامته. فكيف يُطلب من المواطن أن يشد الحزام أكثر، في حين يرى مظاهر التبذير والامتيازات مستمرة في أعلى دوائر القرار؟
الخلل لا يكمن فقط في شروط البنك الدولي، بل أيضًا في طريقة التعاطي الحكومي معها. فبدل أن يتعامل المغرب مع تلك المؤسسات من موقع الندية والسيادة، غالبًا ما تُنفذ التوصيات بحرفيتها، دون رؤية وطنية تراعي الخصوصية الاجتماعية. كذلك، رغم تراجع نسبة الفقر متعدد الأبعاد إلى 5.7٪ في 2022 مقارنةً بعشرات السنوات الماضية، لا يزال الفقر حادًا في المناطق القروية ويشكل ضغطًا على الشباب والطبقات الوسطى.
إن الخروج من هذا النفق لا يكون بالقطيعة مع المؤسسات الدولية، ولا بالاستسلام الكامل لإملاءاتها، بل بامتلاك شجاعة التفاوض الذكي والرؤية الوطنية المستقلة. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بمدى رضى البنك الدولي، بل بمدى رضى المواطن، والعدالة الاجتماعية ليست ترفًا، بل شرطًا أساسياً للاستقرار والتنمية.
ولذلك، فإن الأولوية اليوم يجب أن تُمنح لمحاربة الفساد، وإعادة الاعتبار للخدمات العمومية، وإشراك المجتمع في صياغة نموذج تنموي يوازن بين متطلبات السوق وكرامة الإنسان. فالمغرب لن ينهض بالقروض ولا بالوعود، بل بإرادة وطنية تُعيد الثقة بين الدولة ومواطنيها.
خلاصة القول، أمام المغرب فرصة لإعادة تعريف مسار التنمية وفق منطق السيادة الاجتماعية، لا التبعية الاقتصادية. فإما أن يكون الإصلاح في خدمة الإنسان، أو لا يكون إصلاحًا على الإطلاق.
