الصادق العثماني: البدعة بين ظاهر النص ومقاصد الشريعة.. قراءة تأصيلية في مفهوم الإحداث في الدين..

الصادق العثماني: البدعة بين ظاهر النص ومقاصد الشريعة.. قراءة تأصيلية في مفهوم الإحداث في الدين..
شارك

الصادق العثماني:

تُعدّ مسألة البدعة من أكثر القضايا التي أثارت جدلاً في الفكر الإسلامي قديماً وحديثاً، ليس بسبب غموض النصوص الواردة فيها، وإنما بسبب اختلاف المناهج في فهم تلك النصوص وتنزيلها على الوقائع والأفعال المستجدة؛ وقد ترتب على ذلك تباين كبير بين العلماء في تحديد مفهوم البدعة وضوابطها، حتى أصبحت بعض الممارسات الدينية والاجتماعية التي درج عليها المسلمون محل نزاع بين من يراها من شعائر الخير والبر، ومن يراها من البدع المذمومة التي تدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «وكل بدعة ضلالة».

 والحقيقة أن معالجة هذه القضية لا يمكن أن تتم بمعزل عن المقاصد الكلية للشريعة، ولا عن منهج السلف أنفسهم في فهم النصوص والجمع بينها، إذ إن الاقتصار على ظاهر بعض النصوص دون النظر إلى سائر الأدلة الشرعية قد يؤدي إلى نتائج لا تنسجم مع روح الشريعة ولا مع التطبيق العملي الذي جرى عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أئمة الأمة.

لقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في التحذير من البدع، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»(صحيح مسلم)، وهي نصوص تؤكد ضرورة المحافظة على أصول الدين وثوابته وعدم الزيادة فيها أو النقص منها.

 غير أن النظر المقاصدي يقتضي فهم هذه النصوص في ضوء النصوص الأخرى والقواعد العامة للشريعة، لأن الأصل في الخطاب الشرعي أن يُفهم بعضه ببعض، وأن تُردّ الجزئيات إلى الكليات. ولهذا نجد أن كبار العلماء لم يحملوا هذه النصوص على ظاهرها الحرفي الذي يشمل كل أمر مستحدث بإطلاق، وإنما نظروا إلى مقاصدها وغاياتها، فميزوا بين ما استحدث مما يخالف أصول الشرع ومقاصده، وبين ما استحدث مما يحقق مقاصد الدين ويندرج تحت قواعده العامة.

ومن المعلوم أن لفظ البدعة في اللغة يطلق على كل ما أُحدث على غير مثال سابق، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117]، أي منشئهما على غير مثال متقدم. أما في الاصطلاح الشرعي فقد اختلفت عبارات العلماء في تحديد مفهومها، لكنهم اتفقوا على أن المذموم منها هو ما أُحدث في الدين على وجه يناقض مقاصده أو يخالف نصوصه القطعية. ومن هنا جاء كلام الإمام الشافعي رحمه الله حين قال: «المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا فهذه محدثة غير مذمومة» (البيهقي، مناقب الشافعي).

ويؤكد هذا الفهم ما قرره الإمام النووي حين نص على أن البدعة تنقسم إلى الأحكام التكليفية الخمسة: واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة (النووي، شرح صحيح مسلم). ولم يكن هذا التقسيم خروجاً عن الحديث النبوي، وإنما هو تفسير له في ضوء مجموع الأدلة الشرعية. فالحديث إنما يتناول البدع المذمومة التي تفضي إلى تغيير الدين أو تحريف معالمه، أما ما كان وسيلة إلى تحقيق مقاصده أو حفظه أو نشره فلا يدخل في دائرة الذم.

ومن أبرز الشواهد على هذا الفهم ما وقع في عهد الصحابة رضي الله عنهم، وعلى رأسهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، ثم قال: «نعمت البدعة هذه»( صحيح البخاري ). فلو كان كل ما استحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم ضلالة على الإطلاق لما جاز لعمر أن يصف هذا العمل بأنه بدعة ثم يمدحه. وإنما أراد البدعة بالمعنى اللغوي، أي الأمر المستحدث الذي له أصل في الشرع، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح جماعة ثم ترك المداومة عليها خشية أن تفرض على الأمة.

كما أن جمع القرآن الكريم في مصحف واحد في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه يمثل نموذجاً آخر لفهم الصحابة للمستجدات في ضوء المقاصد الشرعية. فقد تردد أبو بكر أول الأمر قائلاً: «كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» (صحيح البخاري)، ثم ظهر له بعد المشاورة أن المصلحة الشرعية تقتضي ذلك حفظاً لكتاب الله من الضياع، فتم الجمع بإجماع الصحابة. ثم تطور الأمر في العصور اللاحقة إلى تنقيط المصحف وتشكيله ووضع علامات الوقف والابتداء والأحزاب والأجزاء، وهي كلها أمور لم تكن موجودة في العصر النبوي، ومع ذلك تلقتها الأمة بالقبول لأنها تحقق مقصد حفظ القرآن وتيسير قراءته وفهمه.

وهذا المنهج نفسه هو الذي اعتمدته الأمة في كثير من المستجدات التي ظهرت عبر تاريخها، مثل تأسيس المدارس والمعاهد والجامعات الشرعية، وتأليف الكتب في علوم الحديث والفقه والتفسير والعقيدة، وإنشاء المكتبات العامة، وتدوين القواعد الأصولية والفقهية، وهي أعمال لم تعرف بصورتها المؤسسية الأولى في عهد النبوة، لكنها اندرجت تحت مقصد حفظ العلم والدين ونقلهما إلى الأجيال.

والحقيقة أن الخلط بين البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية كان سبباً في كثير من الإشكالات المعاصرة. فالبدعة الحقيقية هي التي لا أصل لها في الشرع أصلاً، أما البدعة الإضافية فهي التي لها أصل مشروع ولكن وقع الخلاف في بعض أوصافها أو كيفياتها أو وسائلها (الشاطبي، الاعتصام). ومن هنا وقع الخلاف بين العلماء في مسائل كثيرة تتعلق بدعاء ختم القرآن، واستعمال السبحة في الذكر، والتهنئة بالمناسبات الدينية، وقول المصلين لبعضهم لبعض «تقبل الله منا ومنكم»، وإقامة الاحتفالات لتكريم حفظة القرآن الكريم، وعقد المجالس العلمية للتعريف بالسيرة النبوية أو الهجرة أو غزوة بدر، وغير ذلك من الأعمال التي تستند إلى أصول شرعية عامة وإن كانت صورها التنظيمية مستحدثة.

إن المنهج المقاصدي في دراسة البدعة يقتضي النظر إلى الغايات لا إلى الصور المجردة. فالشريعة لم تُبنَ على محاربة كل جديد، وإنما بُنيت على تحقيق مصالح العباد في دنياهم وأخراهم. ولذلك فإن الوسائل والأدوات والأساليب تتطور بتطور الزمان والمكان ما دامت تخدم المقاصد الشرعية ولا تصادم نصاً قطعياً. ومن هذا الباب استعمال مكبرات الصوت في الأذان والخطبة، وطباعة المصاحف، وبث القرآن الكريم عبر الإذاعات والقنوات الفضائية، وإنشاء التطبيقات الإلكترونية لتعليم القرآن والحديث والفقه، فهذه كلها وسائل حديثة لم تكن معروفة من قبل، لكنها تحقق مقاصد الدعوة والتعليم والتبليغ.

ومن القضايا التي تجسد أثر النظر المقاصدي في فهم البدعة قضية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، حيث اختلف العلماء في حكمه، لكن الذين أجازوه نظروا إلى ما يشتمل عليه من تلاوة القرآن، وذكر السيرة النبوية، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإطعام الطعام، وتقوية محبته في النفوس، وهي أعمال مشروعة في أصلها، فاعتبروا أن الحكم يدور مع المقاصد والمضامين لا مع مجرد الصورة المستحدثة. بينما تبقى الممارسات المخالفة للشرع داخلة في دائرة المنع ولو وقعت في أي مناسبة دينية.

وفي المقابل، فإن البدعة المذمومة التي تدخل قطعاً في نطاق التحذير النبوي هي ما كان تغييراً لمعالم الدين وأصول العبادات الثابتة، كإضافة ركعة إلى الصلوات المفروضة أو إنقاصها، أو استحداث صيام واجب غير ما شرعه الله تعالى، أو اختراع عبادات جديدة يُعتقد مشروعيتها دون دليل معتبر، أو تحويل الوسائل إلى مقاصد تُضاهي ما شرعه الله ورسوله. فهذا هو النوع الذي يصدق عليه وصف البدعة الضلالة، لأنه يؤدي إلى الزيادة في الدين أو النقص منه ويعارض مقصد الشريعة في حفظه وصيانته.

كما أن النصوص الشرعية نفسها تؤكد هذا المعنى، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء »(صحيح مسلم). فالحديث يدل على أن باب الإبداع المشروع في خدمة الدين ليس مغلقاً، وإنما الممنوع هو ما يناقض أصول الشريعة أو يفضي إلى تحريفها.

وفي الختام، أن البدعة المذمومة شرعاً هي ما أُحدث في الدين على وجه يناقض أصوله أو يغير معالمه أو يفضي إلى تحريف مقاصده، أما ما استحدث من الوسائل والتنظيمات والصور التي تخدم الدين وتحقق مصالح المسلمين وتندرج تحت قواعد الشريعة العامة فلا يصح إدخاله في عموم الذم الوارد في الأحاديث. وبهذا الفهم تتكامل النصوص الشرعية، وينسجم ظاهرها مع مقاصدها، ويزول التعارض المتوهم بين حديث «كل بدعة ضلالة» (صحيح مسلم) وبين ما ثبت عن الصحابة والعلماء من إقرار كثير من المستجدات الحسنة. فالشريعة الإسلامية جاءت لحفظ الدين لا لتجميد الحياة، وجاءت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، ولذلك كان الميزان الصحيح في الحكم على البدع هو النظر إلى حقيقتها ومآلاتها وموافقتها لمقاصد الشرع، لا مجرد كونها أمراً مستحدثاً لم يقع في العصر الأول.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *