المجتمع المركب والوعي المشتتقراءة سوسيولوجية في معوقات تشكل الوعي الجماعي في المغرب

المجتمع المركب والوعي المشتتقراءة سوسيولوجية في معوقات تشكل الوعي الجماعي في المغرب
شارك

محمد السميري:

المقدمة

يصعب على أي متابع للشأن المغربي أن يتحدث اليوم عن غياب الاحتجاج الاجتماعي. فمنذ أكثر من عقدين، لم يكد يمر عام دون أن تشهد منطقة أو فئة مهنية أو اجتماعية شكلاً من أشكال الاحتجاج. فقد عرف المغرب حراك الريف، واحتجاجات جرادة، واعتصامات زاكورة، وأحداث فكيك، وإضرابات الأساتذة، واحتجاجات الأطباء وطلبة كليات الطب، كما شهد تحركات متكررة لقطاعات النقل والفلاحة والتجارة وغيرها. وتكشف هذه الوقائع أن المجتمع المغربي ليس مجتمعاً خاملاً أو فاقداً للحس الاحتجاجي، بل هو مجتمع يعيش توترات اجتماعية متواصلة تعكس اختلالات حقيقية في توزيع الثروة، وفرص الشغل، والخدمات العمومية، والتنمية المجالية.

غير أن الملاحظة التي تستوقف الباحث ليست كثرة الاحتجاجات، بل طبيعتها. فهذه الاحتجاجات، رغم تعددها، تبقى في الغالب محصورة داخل مجالها الجغرافي أو المهني، وتنتهي دون أن تلتقي في أفق اجتماعي واحد. فالأساتذة يدافعون عن ملفهم، والأطباء عن مهنتهم، وسكان منطقة معينة عن الماء أو الأرض أو المستشفى، بينما تخوض كل فئة معركتها بمعزل عن الفئات الأخرى. وقد تتعاطف هذه الاحتجاجات فيما بينها، لكنها نادراً ما تتحول إلى حركة اجتماعية واسعة تمتلك لغة مشتركة ورؤية موحدة لأسباب الأزمة.

عادة ما يُفسَّر هذا الواقع بعوامل سياسية مباشرة، مثل قوة الدولة، أو ضعف الأحزاب، أو تراجع النقابات، أو غياب القيادات. ورغم أهمية هذه العناصر، فإنها تظل، في نظرنا، جزءاً من التفسير لا التفسير كله. فهي تشرح كيف تُدار الصراعات الاجتماعية، لكنها لا تفسر لماذا تتخذ هذه الصراعات، منذ البداية، طابعاً متفرقاً. فقبل أن نسأل عن علاقة الدولة بالاحتجاج، ينبغي أن نسأل سؤالاً أكثر عمقاً: ما الذي يجعل المجتمع نفسه ينتج احتجاجات متجاورة بدل أن ينتج وعياً جماعياً؟

هذا السؤال يقودنا من السياسة إلى السوسيولوجيا. فالوعي الجماعي لا يتكون بمجرد اشتداد الفقر، ولا ينتج تلقائياً عن تراكم المظالم الاجتماعية. ولو كانت العلاقة بين الفقر والوعي علاقة آلية، لكانت المجتمعات الأكثر فقراً هي الأكثر قدرة على إنتاج مشاريع جماعية للتغيير، وهو ما لا تؤيده التجارب التاريخية. فالواقع يكشف أن المعاناة قد تدفع أحياناً إلى التضامن، لكنها قد تدفع أيضاً إلى الانغلاق على الذات، أو إلى البحث عن حلول فردية، أو إلى الهجرة، أو إلى التنافس بين من يعيشون الظروف نفسها.

ولفهم هذه المفارقة، ينطلق هذا المقال من فرضية أساسية مفادها أن المجتمع المغربي لا يمكن تفسيره بالاعتماد على النماذج الكلاسيكية التي نشأت في المجتمعات الصناعية الأوروبية، لأن بنيته التاريخية والاجتماعية تختلف عنها. فمنذ أعمال بول باسكون أصبح من الممكن النظر إلى المغرب باعتباره «مجتمعاً مركباً»، تتعايش داخله أنماط اقتصادية واجتماعية متعددة؛ فالعلاقات التقليدية لم تختف مع دخول الرأسمالية، بل استمرت في أداء وظائفها إلى جانب المؤسسات الحديثة، وداخل هذا التداخل تتشكل أشكال خاصة من التضامن، والسلطة، والوساطة، والتنظيم الاجتماعي.

غير أن وصف البنية الاجتماعية لا يكفي وحده لفهم الظاهرة. ولذلك سنستعين أيضاً بالتمييز الذي وضعه لوسيان غولدمان بين الوعي القائم والوعي الممكن. فالوعي القائم يعكس إدراك الأفراد لمشكلاتهم كما يعيشونها في حياتهم اليومية، أما الوعي الممكن فيمثل القدرة على تجاوز التجربة الفردية وربطها بالبنية الاجتماعية التي تنتجها. ومن خلال الجمع بين هذين المدخلين، يصبح من الممكن تفسير لماذا تنتج البنية الاجتماعية المغربية احتجاجات متكررة، لكنها لا تنتج، بالضرورة، وعياً جماعياً بالقدر نفسه.

وانطلاقاً من هذه الفرضية، لا يسعى هذا المقال إلى البحث عن سبب واحد يفسر ضعف تشكل الوعي الجماعي، بل إلى تحليل تفاعل مجموعة من العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية. وسننطلق أولاً من مفهوم المجتمع المركب عند بول باسكون، ثم ننتقل إلى مفهوم الوعي الممكن عند غولدمان، قبل أن نحلل، في ضوء أعمال عبد الله حمودي، ومحمد الطوزي، ومحمد جسوس، وحسن رشيق، وجون واتربوري، الكيفية التي يعاد بها إنتاج التشتت الاجتماعي في المغرب، من خلال الاقتصاد غير المهيكل، وشبكات التضامن العائلي، والهجرة، والوساطة، وتراجع الوسائط القادرة على تحويل المطالب المتفرقة إلى أفق اجتماعي مشترك.

أولاً: المجتمع المركب… لماذا لا يتشكل المجتمع المغربي وفق النموذج الكلاسيكي؟

إذا أردنا أن نفهم لماذا لا تتحول الاحتجاجات الاجتماعية في المغرب إلى وعي جماعي، فمن الخطأ أن ننطلق مباشرة من السياسة أو من الأحداث اليومية. فالأحداث لا تفسر نفسها، بل تعكس بنية اجتماعية أعمق. ولهذا كان بول باسكون من أوائل الباحثين الذين نبهوا إلى أن المغرب لا يمكن فهمه بالاعتماد على النماذج السوسيولوجية التي وُضعت لتفسير المجتمعات الأوروبية الصناعية، لأن المجتمع المغربي تشكل تاريخياً في سياق مختلف، وما زال يحمل آثار هذا التاريخ في مؤسساته وعلاقاته الاجتماعية.

لقد استعمل باسكون مفهوم «المجتمع المركب» ليعبر عن هذه الخصوصية. والمقصود بهذا المفهوم أن المجتمع المغربي لا يخضع لمنطق اجتماعي واحد، بل تتعايش داخله أنماط مختلفة من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي، بعضها حديث وبعضها الآخر تقليدي، دون أن يقضي أحدهما على الآخر. فالرأسمالية دخلت إلى المغرب، لكنها لم تلغ شبكات القرابة، ولم تنه دور القبيلة، ولم تجعل العلاقات الاقتصادية تقوم فقط على منطق السوق، بل استمرت الأشكال التقليدية في أداء وظائفها داخل المجتمع، بل وأحياناً داخل الدولة نفسها.

هذه الملاحظة تبدو واضحة إذا نظرنا إلى الحياة اليومية. فالموظف الذي يعمل في إدارة حديثة قد يلجأ، عندما تعترضه مشكلة، إلى أحد أقاربه أو معارفه قبل أن يلجأ إلى المؤسسة. وصاحب المقاولة قد يعتمد على العلاقات الشخصية في الحصول على صفقة أو تسهيل إداري. والباحث عن عمل كثيراً ما يبدأ بسؤال أفراد عائلته أو أصدقائه قبل أن يبحث في سوق الشغل. وهذا لا يعني أن القانون أو المؤسسات غائبة، وإنما يعني أن العلاقات التقليدية ما زالت تشارك المؤسسات الحديثة في تنظيم الحياة الاجتماعية.

وينطبق الأمر نفسه على الاقتصاد. فالمغرب يعرف قطاعات صناعية متطورة، واستثمارات كبرى، ومؤسسات مالية حديثة، لكنه يعرف في الوقت نفسه قطاعاً غير مهيكل واسعاً يشغل عدداً كبيراً من السكان. وتشير نتائج البحث الوطني حول القطاع غير المهيكل الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط إلى أن هذا القطاع ما يزال يمثل مكوناً أساسياً من الاقتصاد الوطني، سواء من حيث عدد الوحدات الإنتاجية أو من حيث فرص الشغل التي يوفرها. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد مؤشر اقتصادي، بل بمعطى سوسيولوجي بالغ الأهمية، لأن طبيعة العمل داخل هذا القطاع تختلف جذرياً عن العمل داخل المؤسسات الصناعية أو الإدارية الكبرى.

فالعامل داخل مصنع كبير يعيش تجربة جماعية؛ يشتغل مع عشرات أو مئات العمال، ويتقاسم معهم ظروف العمل نفسها، ويستطيع أن ينظم نفسه داخل إطار نقابي أو مهني. أما البائع المتجول، أو الحرفي، أو العامل الموسمي، أو صاحب النشاط الصغير، فإنه يعمل غالباً بمفرده أو مع أفراد أسرته، ويعيش في منافسة مباشرة مع أشخاص يوجدون في الوضع نفسه. ومن ثم، فإن تجربته اليومية لا تدفعه إلى التفكير في جماعة مهنية واسعة بقدر ما تدفعه إلى البحث عن وسائل فردية لضمان استمرار نشاطه.

وهنا تظهر إحدى النتائج الأساسية لفكرة باسكون. فالمجتمع المركب لا ينتج فاعلين اجتماعيين متجانسين، بل ينتج جماعات متعددة تختلف أوضاعها الاقتصادية، وطرق عيشها، وأشكال تضامنها، وحتى نظرتها إلى المشكلات التي تواجهها. ولذلك يصبح من الصعب الحديث عن طبقة اجتماعية موحدة بالمعنى الذي عرفته المجتمعات الصناعية الأوروبية، لأن الانتماء الطبقي يتداخل مع الانتماء العائلي، والجهوي، والمهني، والثقافي، والديني، فتتشكل هوية اجتماعية أكثر تعقيداً.

ومن هنا نفهم لماذا لا يكفي وجود الفقر أو التفاوت الاجتماعي لكي يتشكل وعي جماعي. فالناس لا يتحركون انطلاقاً من أوضاعهم الاقتصادية وحدها، بل انطلاقاً من الكيفية التي يعيشون بها هذه الأوضاع ويفسرونها. وإذا كانت البنية الاجتماعية نفسها تقوم على التعدد والتداخل، فمن الطبيعي أن تنعكس هذه التعددية على أشكال الاحتجاج والتنظيم. ولهذا نجد أن المطالب الاجتماعية في المغرب تظهر غالباً في صورة مطالب محلية أو قطاعية، لأن المجتمع الذي ينتجها ليس مجتمعاً متجانساً، بل مجتمع تتقاطع داخله بنيات متعددة، لكل واحدة منها منطقها الخاص.

غير أن مفهوم المجتمع المركب، على أهميته، لا يجيب عن سؤال حاسم. فهو يفسر لماذا تتعدد المواقع الاجتماعية، لكنه لا يفسر لماذا يبقى هذا التعدد عاجزاً عن إنتاج رؤية مشتركة. لماذا لا يكتشف الأفراد، رغم اختلاف مواقعهم، أن جزءاً كبيراً من مشكلاتهم يعود إلى بنية اجتماعية واحدة؟ هنا نغادر تحليل البنية الاجتماعية، لننتقل إلى تحليل الوعي نفسه، وهو ما حاول لوسيان غولدمان تفسيره من خلال التمييز بين الوعي القائم والوعي الممكن. ومن هذا المنظور سنحاول في المحور التالي أن نفهم لماذا لا يقود الاحتجاج، في حد ذاته، إلى تشكل وعي جماعي.

ثانياً: من الوعي القائم إلى الوعي الممكن… لماذا لا يتحول الاحتجاج إلى وعي جماعي؟

إذا كان بول باسكون قد بين أن المجتمع المغربي يتكون من بنيات اجتماعية واقتصادية متداخلة، فإن ذلك لا يفسر وحده سبب بقاء الاحتجاجات متفرقة. فوجود مجتمع مركب يشرح تعدد المواقع الاجتماعية، لكنه لا يفسر لماذا يعجز الأفراد عن إدراك ما يجمع بينهم رغم تشابه جزء كبير من معاناتهم. وهنا يصبح من المفيد الانتقال من تحليل المجتمع إلى تحليل الوعي، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بطريقة تنظيم المجتمع، بل أيضاً بالطريقة التي يدرك بها أفراده واقعهم.

في هذا السياق، يميز لوسيان غولدمان بين مستويين من الوعي: الوعي القائم والوعي الممكن. والفرق بينهما ليس فرقاً في الذكاء أو الثقافة، وإنما في مستوى إدراك الواقع. فالوعي القائم هو الوعي الذي يتكون من خلال التجربة اليومية المباشرة. إنه وعي الإنسان وهو يعيش مشكلاته كما تبدو له في حياته الخاصة. أما الوعي الممكن فهو القدرة على تجاوز هذه التجربة الفردية وربطها بالبنية الاجتماعية التي تنتجها.

لنأخذ مثالاً بسيطاً. فالأستاذ الذي يحتج من أجل تحسين وضعه المهني يدرك أن دخله لم يعد يكفي لتغطية نفقات الحياة، والطبيب يرى أن ظروف عمله أصبحت أكثر صعوبة، والشاب العاطل يعتبر أن مشكلته تكمن في غياب فرصة الشغل، والفلاح الصغير يربط أزمته بالجفاف أو بارتفاع تكاليف الإنتاج، وصاحب المشروع الصغير يشتكي من الضرائب أو ضعف القدرة الشرائية. كل واحد من هؤلاء يمتلك وعياً حقيقياً بمشكلته، لكنه يراها من داخل تجربته الخاصة. وهذا هو ما يسميه غولدمان الوعي القائم.

غير أن السؤال الذي يطرحه علم الاجتماع هو: ماذا لو كانت هذه المشكلات المختلفة تعود، في جزء منها، إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية نفسها؟ وماذا لو كان ما يراه كل فرد مشكلة شخصية أو قطاعية ليس سوى وجه من وجوه اختلال أوسع؟ هنا يبدأ الوعي الممكن. فهو لا يلغي خصوصية كل تجربة، لكنه يجعلها جزءاً من صورة أشمل، ويكشف أن ما يبدو مشكلات منفصلة قد تكون له جذور مشتركة.

ومن هنا يمكن فهم سبب محدودية كثير من الاحتجاجات الاجتماعية. فحين يتحرك كل قطاع للدفاع عن مطالبه الخاصة، فإن احتجاجه يكون تعبيراً عن وعي قائم، أي عن إدراك حقيقي لمعاناته، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى وعي جماعي. فالأساتذة يناضلون من أجل المدرسة، والأطباء من أجل المستشفى، والفلاحون من أجل الماء، وسكان المناطق المهمشة من أجل البنيات الأساسية، لكن هذه المطالب، على مشروعيتها، تظل في الغالب محكومة بالحدود التي ولدت داخلها. ولذلك نلاحظ أن موجة احتجاج تنتهي لتبدأ أخرى، دون أن تتراكم في اتجاه حركة اجتماعية موحدة.

وقد وقع جزء من الفكر الماركسي الكلاسيكي في تصور مفاده أن اشتداد الفقر سيؤدي، بصورة شبه تلقائية، إلى تشكل الوعي الطبقي. غير أن التجربة التاريخية بينت أن العلاقة بين البؤس والوعي ليست علاقة ميكانيكية. فقد يقود الفقر إلى التضامن، لكنه قد يقود أيضاً إلى الخوف، أو إلى الانكفاء على الذات، أو إلى التنافس بين الفقراء أنفسهم، أو إلى البحث عن الخلاص الفردي. ولذلك فإن الوعي لا يولد من الفقر وحده، بل من الطريقة التي يفسر بها الناس هذا الفقر، ومن وجود مؤسسات ووسائط تساعدهم على إدراك أسبابه البنيوية.

وهنا تظهر الوظيفة التاريخية للأحزاب، والنقابات، والجمعيات، والمثقفين. فدور هذه الوسائط لا يقتصر على تنظيم الاحتجاجات، بل يتمثل أساساً في تحويل التجارب المتفرقة إلى قضية مشتركة. فهي التي تربط بين مشاكل التعليم والصحة والشغل والسكن، وتجعل كل فئة تدرك أن مشكلتها ليست معزولة عن مشاكل الفئات الأخرى. وبدون هذا الدور يبقى كل احتجاج يدور داخل حدوده الطبيعية، مهما كانت قوته أو اتساعه.

غير أن هذه الوسائط لا تعمل في الفراغ، بل تتأثر بدورها بطبيعة المجتمع وبالعلاقة التي تربطها بالدولة. فإذا ضعفت قدرتها على التأطير، أو انشغلت بصراعاتها الداخلية، أو فقدت استقلاليتها، عاد المجتمع إلى حالته الأولى؛ أي إلى تعدد الاحتجاجات دون تراكمها، وإلى كثرة المطالب دون تحولها إلى مشروع جماعي.

ومن هنا يمكن صياغة الفكرة الأساسية لهذا المحور. إن المشكلة في المغرب ليست غياب الوعي، فكل الفئات تدرك معاناتها وتدافع عنها، وإنما تكمن في أن هذا الوعي يبقى، في أغلب الأحيان، عند مستوى الوعي القائم، ولا يجد الشروط الاجتماعية والسياسية التي تسمح له بالانتقال إلى الوعي الممكن. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا يحتج المغاربة؟ بل أصبح: لماذا يبقى كل احتجاج حبيس حدوده، ولا ينجح في بناء لغة مشتركة مع الاحتجاجات الأخرى؟

وهذا يقودنا إلى المحور الأخير، وهو الأكثر التصاقاً بالواقع المغربي، حيث سنحاول تحليل الآليات التي تجعل هذا التشتت يعاد إنتاجه باستمرار، سواء من خلال الاقتصاد غير المهيكل، أو التضامن العائلي، أو الهجرة، أو أنماط الوساطة والزبونية، أو طبيعة العلاقة بين الدولة والفاعلين الاجتماعيين.

ثالثاً: آليات إعادة إنتاج التشتت الاجتماعي في المغرب

إذا قبلنا مع بول باسكون أن المجتمع المغربي مجتمع مركب، ومع لوسيان غولدمان أن الانتقال من الوعي القائم إلى الوعي الممكن يحتاج إلى شروط اجتماعية وتاريخية معينة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي يمنع تحقق هذه الشروط في المغرب؟ ولماذا تتكرر الاحتجاجات، بينما يبقى الوعي الجماعي ضعيفاً ومتقطعاً؟

في تقديري، لا يتعلق الأمر بغياب أسباب الاحتجاج، فهذه الأسباب موجودة وتظهر في كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، وإنما يتعلق بوجود آليات تعيد باستمرار تفتيت المطالب الاجتماعية، وتحول دون التقاء أصحابها داخل مشروع مشترك. فالمجتمع لا ينتج التفاوتات الاقتصادية فقط، بل ينتج أيضاً الكيفية التي تُعاش بها هذه التفاوتات وتُفهم وتُترجم إلى مواقف وسلوكيات.

أولى هذه الآليات هي هيمنة الاقتصاد غير المهيكل. فجزء مهم من المغاربة لا يشتغل داخل مؤسسات إنتاج كبيرة، بل داخل أنشطة صغيرة أو فردية أو عائلية. وهذه الوضعية لا تسمح بنشوء علاقات مهنية مستقرة، ولا بإنتاج تضامنات دائمة، كما حدث في المجتمعات الصناعية الأوروبية. فالبائع المتجول، أو الحرفي، أو العامل الموسمي، يعيش في منافسة يومية مع أشخاص يوجدون في وضعه نفسه. ولذلك فإن اهتمامه الأول هو المحافظة على مصدر رزقه، وليس بناء تنظيم جماعي يدافع عن مصالح فئة واسعة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه المنافسة إلى ثقافة اجتماعية، فيصبح الآخر منافساً قبل أن يكون شريكاً.

وهنا يبرز الفرق بين الفقر والوعي. فالفقر قد يكون مشتركاً، لكن التجربة التي يعيشها كل فرد تبقى فردية. ولهذا فإن المجتمع المركب لا ينتج طبقة متماسكة، بل ينتج أفراداً يعيشون الظروف نفسها دون أن يمتلكوا بالضرورة اللغة المشتركة التي تجعلهم يدركون أنهم ينتمون إلى المصير نفسه.

أما الآلية الثانية فتتمثل في الدور الاجتماعي للأسرة. فمن الخصائص التي حافظ عليها المجتمع المغربي، رغم كل التحولات، استمرار الأسرة بوصفها مؤسسة للتضامن الاقتصادي والاجتماعي. فعندما يفقد أحد أفرادها عمله، أو يعجز عن أداء تكاليف العلاج، أو يحتاج إلى السكن، تتدخل الأسرة لتقاسم الأعباء. ولا شك أن هذا التضامن يمثل قيمة إنسانية واجتماعية كبرى، لكنه يؤدي في الوقت نفسه وظيفة سوسيولوجية معقدة. فهو يؤخر لحظة المواجهة المباشرة بين الفرد والبنية الاقتصادية، لأن الأسرة تمتص جزءاً من آثار الأزمة. وبذلك تتحول البطالة أو الفقر أو الهشاشة من قضية اجتماعية عامة إلى قضية عائلية يجري تدبيرها داخل الأسرة، قبل أن تتحول إلى مطلب سياسي أو اجتماعي.

وتبرز آلية ثالثة لا تقل أهمية، هي الهجرة. فقد أصبحت الهجرة، بالنسبة إلى فئات واسعة من الشباب، أفقاً للحياة أكثر من كونها مجرد فرصة للعمل. فحين يشعر الشاب بأن إمكانيات تحقيق مشروعه داخل بلده محدودة، يصبح تغيير المكان أسهل، في نظره، من تغيير البنية التي يعيش داخلها. هكذا تتحول الطاقة الاجتماعية من محاولة إصلاح المجتمع إلى محاولة مغادرته. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الهجرة مجرد ظاهرة ديموغرافية، بل إحدى آليات تصريف التوتر الاجتماعي.

لكن هذه العناصر لا تفسر وحدها استمرار التشتت. فهناك أيضاً طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. وقد بين عبد الله حمودي أن الدولة الحديثة في المغرب لم تقطع بصورة كاملة مع أنماط السلطة التقليدية، بل استمرت بعض أشكال الوساطة والعلاقات الشخصية في لعب أدوار مهمة داخل المجال العام. كما أوضح محمد الطوزي أن العلاقة بين الدولة والفاعلين السياسيين والاجتماعيين لا تقوم على الصراع وحده، بل تقوم أيضاً على التفاوض والاحتواء وإعادة ترتيب التوازنات. أما جون واتربوري فقد أبرز، منذ سبعينيات القرن الماضي، أن أحد عناصر استقرار النظام السياسي المغربي يكمن في قدرته على إدماج جزء من النخب السياسية والإدارية والاقتصادية داخل بنيته، بما يقلل من احتمال تشكل جبهة اجتماعية واسعة ومتماسكة.

ولا ينبغي فهم هذه التحليلات باعتبارها حكماً أخلاقياً على الدولة أو على النخب، وإنما باعتبارها محاولة لفهم آليات اشتغال النظام الاجتماعي والسياسي. فكل نظام يسعى إلى إنتاج شروط استمراره، والمغرب ليس استثناءً من هذه القاعدة. غير أن النتيجة السوسيولوجية لهذه الآليات هي أن الوسائط التي يفترض أن تحول المطالب المتفرقة إلى مطالب عامة، مثل الأحزاب والنقابات والجمعيات، تجد نفسها في كثير من الأحيان عاجزة عن بناء ذلك الأفق الجامع، سواء بسبب ضعفها الداخلي، أو بسبب علاقتها المعقدة بالدولة، أو بسبب التحولات التي عرفها المجتمع نفسه.

ولعل خير دليل على ذلك هو خريطة الاحتجاجات خلال العقدين الأخيرين. فقد عرف المغرب حراك الريف، واحتجاجات جرادة، واعتصامات زاكورة، وأحداث فكيك، والإضرابات المتكررة في قطاعات التعليم والصحة والنقل وغيرها. وكانت لكل واحدة من هذه الحركات أسبابها المشروعة وسياقها الخاص، لكنها بقيت، في معظم الحالات، تتحرك داخل حدودها المحلية أو القطاعية. ولم تستطع أن تنتج خطاباً اجتماعياً موحداً يربط بين مختلف هذه المطالب، لأن كل حركة كانت تنطلق من تجربتها الخاصة، وتواجه مشكلاتها الخاصة، وتستعمل لغتها الخاصة.

وهكذا يتحول ما يبدو تعدداً في الاحتجاجات إلى شكل من أشكال التشتت الاجتماعي. فبدلاً من أن تتراكم التجارب لتصنع وعياً جماعياً، تتجاور دون أن تلتقي. وبدلاً من أن يتحول الإحساس المشترك بالهشاشة إلى مشروع اجتماعي، يعاد توزيعه بين الأسرة، والهجرة، والاقتصاد غير المهيكل، والاحتجاجات القطاعية، والعلاقات الشخصية، والوساطات المختلفة.

ومن هنا يمكن، في تقديري، الوصول إلى نتيجة أساسية: إن المجتمع المغربي لا يعاني من نقص في أسباب الاحتجاج، بل من ضعف الشروط التي تسمح بتحويل الاحتجاج إلى وعي جماعي. وهذا الضعف ليس ناتجاً عن عامل واحد، وإنما عن تفاعل بنية اجتماعية مركبة، واقتصاد يقوم بدرجة كبيرة على العمل غير المهيكل، وشبكات تضامن تقليدية، وآليات سياسية تعيد توزيع التوترات الاجتماعية بدل أن تسمح بتراكمها داخل مشروع اجتماعي موحد. ولذلك يبقى الانتقال من الوعي القائم إلى الوعي الممكن مهمة تاريخية وسياسية وثقافية، أكثر منه نتيجة تلقائية للفقر أو اتساع الفوارق الاجتماعية.

نحو مراجعة بعض المفاهيم

يبقى سؤال أخير لا يقل أهمية عن الأسئلة السابقة: هل ما زالت المفاهيم التي صاغها بول باسكون أو لوسيان غولدمان قبل خمسين أو ستين سنة كافية لتفسير المجتمع المغربي اليوم؟

لا شك أن مفهوم «المجتمع المركب» ما يزال يحتفظ بقوة تفسيرية كبيرة، لأن كثيراً من السمات التي وصفها باسكون ما تزال حاضرة؛ فالتداخل بين البنيات التقليدية والحديثة لم يختف، والاقتصاد غير المهيكل ما يزال واسعاً، والأسرة لا تزال تؤدي وظائف اجتماعية لا تقوم بها الدولة وحدها، كما أن العلاقات الشخصية والوساطة لم تفقد أهميتها بالكامل. لكن المجتمع المغربي عرف، في المقابل، تحولات لم يكن باسكون يتصور حجمها، مثل التوسع الكبير في التعليم، وتسارع التمدين، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والهجرة الداخلية والخارجية، وظهور أنماط جديدة من الاستهلاك والثقافة والفردانية.

وهذا يعني أن المجتمع المغربي لم يعد هو المجتمع الذي درسه باسكون في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وإن كانت بعض آلياته ما تزال مستمرة. لذلك فإن مفهوم المجتمع المركب يحتاج اليوم إلى أن يُقرأ في ضوء هذه التحولات الجديدة، لا أن يُستعمل كما هو، وكأنه يصف مجتمعاً لم يتغير.

وينطبق الأمر نفسه على مفهوم الوعي الممكن عند غولدمان. فقد كان غولدمان يفترض وجود وسائط قادرة على نقل الأفراد من التجربة اليومية إلى الوعي الجماعي، مثل الأحزاب، والنقابات، والحركات الفكرية، والصحافة الحزبية، والمثقفين العضويين. أما اليوم، فقد تغيرت شروط إنتاج الوعي نفسها. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تنتج أشكالاً جديدة من التعبئة، لكنها تنتج، في الوقت نفسه، أشكالاً جديدة من التشتت. فهي تسمح بانتشار المعلومة بسرعة، لكنها تشجع أيضاً على ردود الفعل الآنية، وعلى النقاشات القصيرة، وعلى تكوين جماعات افتراضية سرعان ما تتشكل وسرعان ما تتفكك.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الباحث اليوم لم يعد هو: لماذا لم يتحقق الوعي الممكن كما تصوره غولدمان؟ بل أصبح: هل تغيرت شروط إنتاج الوعي نفسها؟ وهل ما زال الوعي الجماعي يتشكل بالطريقة التي عرفها القرن العشرون، أم أننا أمام أشكال جديدة من الوعي، ومن التعبئة، ومن الاحتجاج، تحتاج إلى أدوات تحليل جديدة؟

لهذا لا ينبغي أن نتعامل مع باسكون أو غولدمان بوصفهما يقدمان أجوبة نهائية، بل بوصفهما يقدمان أدوات تساعدنا على فهم الواقع. فالنظرية السوسيولوجية لا تعيش لأنها تفسر الماضي فقط، بل لأنها تستطيع أن تتحاور مع التحولات الجديدة، وأن تعيد النظر في مفاهيمها كلما تغير المجتمع الذي تحاول تفسيره.

خاتمة

حاول هذا المقال أن يقرأ ظاهرة تبدو متناقضة في ظاهرها؛ فمن جهة، لا يكاد المغرب يخلو من أشكال متعددة من الاحتجاج الاجتماعي، ومن جهة أخرى، لا تتحول هذه الاحتجاجات إلى وعي جماعي قادر على تجاوز حدودها القطاعية أو الجغرافية. وقد بينا أن تفسير هذه الظاهرة لا يكفي أن يبحث في موازين القوى السياسية أو في طبيعة الدولة وحدها، بل يجب أن ينطلق أولاً من طبيعة المجتمع نفسه.

لقد سمح لنا مفهوم المجتمع المركب عند بول باسكون بفهم أن المغرب لم يعرف انتقالاً خطياً من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الرأسمالي، وإنما عرف تراكباً بين أنماط اجتماعية واقتصادية مختلفة ما تزال تتعايش إلى اليوم. كما أظهر لنا مفهوم الوعي الممكن عند لوسيان غولدمان أن المعاناة الاجتماعية لا تتحول تلقائياً إلى وعي جماعي، لأن هذا الانتقال يحتاج إلى شروط تاريخية ومؤسسات قادرة على ربط التجارب الفردية داخل مشروع مشترك.

وانطلاقاً من ذلك، حاولنا تفسير بعض الآليات التي تعيد إنتاج هذا التشتت؛ فالاقتصاد غير المهيكل يدفع نحو الفردانية أكثر مما يشجع على التنظيم، والأسرة تمتص جزءاً من آثار الأزمات الاجتماعية فتحولها إلى مشكلات خاصة، والهجرة تفتح أمام كثير من الشباب أفقاً فردياً للخلاص بدل البحث عن تغيير جماعي، كما أن تشتت الاحتجاجات بين الجهات والقطاعات يجعل كل حركة تناضل داخل حدودها الخاصة دون أن تنجح في بناء أفق اجتماعي جامع. ويضاف إلى ذلك أن ضعف الوسائط الوسيطة، من أحزاب ونقابات وجمعيات، أو محدودية قدرتها على إنتاج خطاب جامع، يجعل الانتقال من المطالب الجزئية إلى المشروع المجتمعي أكثر صعوبة.

لكن هذا الاستنتاج لا ينبغي أن يقود إلى الاعتقاد بأن المجتمع المغربي مجتمع جامد أو عاجز عن إنتاج التغيير. فالتحليل السوسيولوجي لا يتنبأ بالمستقبل، ولا يصدر أحكاماً نهائية، بل يحاول فهم الشروط التي تتحرك داخلها الظواهر الاجتماعية. وما دام المجتمع يتغير باستمرار، فإن آليات إنتاج الوعي يمكن أن تتغير هي الأخرى. فقد تنشأ أشكال جديدة من التنظيم، أو تظهر فاعليات اجتماعية مختلفة، أو تتقاطع الاحتجاجات مستقبلاً حول قضايا تتجاوز الانتماءات القطاعية والجهوية. ولذلك فإن ما نصفه اليوم باعتباره تشتتاً ليس قدراً تاريخياً، بل نتيجة لبنية اجتماعية قابلة هي نفسها للتحول.

وربما تكون النتيجة الأساسية التي يقودنا إليها هذا التحليل هي أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الباحث لم يعد: لماذا يحتج المغاربة؟ فالإجابة عن هذا السؤال أصبحت واضحة، بل أصبح السؤال هو: كيف يمكن أن تتحول الاحتجاجات المتفرقة إلى وعي اجتماعي مشترك؟ فالفرق كبير بين مجتمع يحتج، ومجتمع يمتلك وعياً بذاته. الأول يستطيع أن يعبر عن معاناته، أما الثاني فيستطيع أن يفهم أسبابها، وأن يحولها إلى مشروع تاريخي. ومن هنا فإن مستقبل الوعي الجماعي في المغرب لن يتحدد فقط بحجم الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية، بل أيضاً بقدرة المجتمع على إنتاج الوسائط الفكرية والثقافية والسياسية التي تربط بين التجارب المتفرقة وتمنحها معنى مشتركاً.

المراجع

* لوسيان غولدمان، *العلوم الإنسانية والفلسفة*، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت.

* لوسيان غولدمان، *الإله الخفي*، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت.

* بول باسكون، *المجتمع المركب*، ترجمة: محمد الناجي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، الرباط.

* عبد الله حمودي، *الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة*، ترجمة: عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء.

* محمد الطوزي، *الملكية والإسلام السياسي في المغرب*، ترجمة: محمد حركات، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء.

* محمد جسوس، *رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب*، منشورات الزمن، الرباط.

* حسن رشيق، *رموز السلطة في المجتمع المغربي*، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء.

* عبد الله العروي، *مفهوم الدولة*، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.

* جون واتربوري، *أمير المؤمنين: المؤسسة الملكية والنخبة السياسية المغربية*، ترجمة: عبد الغني أبو العزم، مؤسسة الغني للنشر.

* المندوبية السامية للتخطيط، *البحث الوطني حول القطاع غير المهيكل 2023-2024*، الرباط.

* المندوبية السامية للتخطيط، *مذكرات إخبارية حول سوق الشغل*، الرباط.

* المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، *التقرير السنوي*، الرباط.

* Arab Barometer، *Morocco Country Report*.

* البنك الدولي، *تحديث الوضع الاقتصادي للمغرب (Morocco Economic Monitor)*.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *