مهدي عامل: جدلية السياسة والدين – الطاعة، التأويل وفشل اليسار العربي
محمد السميري
شكّلت أعمال مهدي عامل إحدى أبرز المحاولات الماركسية العربية لفهم بنية الدولة الحديثة وآليات استبدادها، إذ ركّز على الطابع البنيوي للدولة التابعة، معتبراً أن الاستبداد يُنتَج سياسياً لا ثقافياً، ورفض تحميل الدين أو الثقافة مسؤولية التخلف [1]. ورغم الطابع التقدمي لهذا الطرح، فإن اختزال الدين في وظيفة إيديولوجية غفل البعد التاريخي لتشكّل العقل الديني ذاته، إذ لا يُمارَس الدين فقط كنص، بل كتراث تأويلي تراكم عبر قرون طويلة، وأنتج أنماطاً من الفهم والطاعة لا يمكن ردّها إلى البنية الاقتصادية وحدها [2]. فقد بدأ هذا التراكم التأويلي المبكر في العصر العباسي مع تقنين أصول الفقه على يد الإمام الشافعي، الذي أسّس لمنهج فقهي حصر الاجتهاد داخل منطق القياس، وأخضع العقل للنص بوصفه مرجعية فوق تاريخية [3]، ما أدى إلى إخضاع التأويل للعقل التقني المقيّد، حيث لا يسمح إلا بالاستنباط ضمن حدود النص، دون الانفتاح على التاريخ أو السياق أو المصلحة العامة. ومع الغزالي اكتملت هذه المنظومة، إذ دمج الفقه بالشعائر العقائدية والأخلاقية، فحوّل الطاعة إلى ممارسة فضيلة أخلاقية وروحية، ولم يعد مجرد خضوع للسلطة السياسية، وهو ما شكّل الأساس الرمزي للطاعة واستمر تأثيره على الوعي الديني الشعبي حتى اليوم [4].
لا يمكن فهم القبول الشعبي بالاستبداد من خلال القسر السياسي وحده، بل يجب النظر إلى كيفية إنتاج الطاعة كقيمة أخلاقية ودينية [5]. فقد ساهمت التأويلات الفقهية التي تشكّلت منذ القرن الثاني الهجري في ترسيخ فقه الطاعة وتحريم الخروج، عبر أحاديث ومفاهيم قدّمت باعتبارها من جوهر الدين، بينما كانت في حقيقتها استجابات تاريخية لصراعات سياسية محددة [6]. ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه التأويلات إلى بنية وعي ديني شعبي تُعيد إنتاج الشرعية وتضفي على الخضوع معنى أخلاقياً، وهو مستوى من التحليل غاب عن مقاربة مهدي عامل البنيوية، التي ركزت على القسر البنيوي للدولة وأجهزتها، دون تفكيك الأسس الرمزية التي تجعل هذه البنية مقبولة اجتماعياً [1].
يسمح لنا المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي بتجاوز هذا القصور عبر مفهوم الهيمنة، إذ تؤكد السلطة، بحسبه، أن السيطرة لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل عبر بناء منظومة قيم ومعاني تجعل الخضوع يبدو طبيعياً ومقبولاً [7]. وفي هذا السياق، يشكّل الدين أحد أهم فضاءات إنتاج الهيمنة، لا باعتباره خطاباً مفروضاً من فوق فقط، بل كمنظومة متجذّرة في الحياة اليومية، قادرة على إعادة إنتاج الطاعة بطريقة أخلاقية ورمزية، ما يفسر فشل الرهان الماركسي التقليدي، الذي افترض أن تفاقم الأزمات الاقتصادية سيؤدي تلقائياً إلى الثورة [8]، إذ يظل الدين في المجتمعات العربية قادرًا على إعادة تأويل المعاناة وتحويل الصبر إلى فضيلة، والاستقرار إلى قيمة عليا [9].
هذا التحليل يكتمل عند ربطه بفكرة الشرعية عند ماكس فيبر، الذي بيّن أن الطاعة لا تقوم فقط على الخوف، بل على الاعتقاد بمشروعية السلطة [10]. ففي العالم العربي، حيث تتداخل الشرعية التقليدية والدينية، يمنح التأويل الفقهي السلطاني الحاكم غطاءً أخلاقياً يجعل العصيان فعلاً مذموماً، لا سياسياً فقط بل دينياً أيضاً [11]. هذا البعد الرمزي للسلطة، الذي يُنتج القبول والطاعة، غاب عن تحليل مهدي عامل، الذي ركّز على بنية الدولة وأجهزتها، دون دراسة إنتاج الشرعية الرمزية والدينية [1].
في هذا الإطار، يظهر جلياً أن المشكلة ليست في النص الديني ذاته، بل في تراكم التأويلات التي شُكّلت تاريخياً في القرن الثاني والثالث الهجري، خلال العصرين الأموي والعباسي، حيث جرى إنتاج أحاديث وتأويلات فقهية وقياس من شأنها تنظيم العلاقات بين الحاكم والمحكوم، وتحويل النص إلى مرجعية فوق تاريخية تُقيّد العقل وتفرض نوعاً محدداً من الاجتهاد [2]. وهنا يلتقي تحليل غرامشي مع قراءة أدونيس للشافعي، إذ شكّل تقنين أصول الفقه ولحظة إغلاق العقل أمام النص لحظة مفصلية أفرزت تأويلاً أحادياً يُنتج الطاعة ويخدم الاستقرار السياسي، وتحوّل مع مرور الزمن إلى منظومة وعي شعبي ما يزال مؤثراً على العلاقة بين المجتمع والدولة [3][4]. تكمل قراءة طلال أسد هذا التحليل عبر إبراز الدين كممارسة تُشكّل الذات، حيث ينتج الفرد أنماطاً من الانضباط الذاتي تجعل الطاعة ممارسة مقبولة ومؤسسة أخلاقياً، وليست مجرد استجابة للقهر [5]. وهكذا، تصبح الطاعة دينياً وأخلاقياً وسياسياً، وهو ما يفسّر استمرار قبول السلطة حتى في غياب القمع المباشر، وهو بعد غاب تماماً عن تحليل مهدي عامل، وجعل اليسار العربي عاجزاً عن فهم لماذا يقبل الناس الاستبداد، بل ويدافعون عنه أحياناً [1].
اعتماد اليسار العربي على التحليل البنيوي وحده، كما بلوره مهدي عامل، قاده إلى تجاهل الدين كقوة رمزية مستقلة، وارتكب الخطأ الاستراتيجي المتمثل في خطاب متعالٍ أو عدائي تجاه المتدينين، ما زاد القطيعة مع الوعي الشعبي، وترك المجال مفتوحاً أمام الإسلام السياسي، الذي نجح في تعبئة الجماهير ليس لأنه قدم مشروع دولة، بل لأنه اشتغل داخل منظومتهم الرمزية، رغم أنه فشل في الحكم لاحقاً لغياب مشروع مؤسساتي حداثي [13]. ويمكن أن يلقي النظر إلى تجربة أمريكا اللاتينية الضوء على بدائل ممكنة لفهم العلاقة بين الدين والسياسة، حيث واجهت دول مثل البرازيل والمكسيك مجتمعات فقيرة وديناً متجذراً، ومع ذلك استطاع اليسار هناك تطوير خطاب سياسي يدمج الدين ضمن مشروع تحرري، من خلال ما يعرف بـ لاهوت التحرير [14]. فقد أعاد تفسير النصوص الدينية لصالح الفقراء وحوّل الممارسات الدينية إلى أدوات مقاومة اجتماعية، وربط الإيمان بالعدالة الاجتماعية والكرامة، وبذلك نجح في تعبئة الجماهير مع الحفاظ على مشروع دولة يمكن تطويره مؤسساتياً. هذا يبرز أن فشل اليسار العربي ليس نتيجة عدم وجود الدين فقط، بل نتيجة عدم فهمه كحقل تأويلي وعلاقات قوة رمزية وعدم إدماج هذه الديناميات ضمن مشروع سياسي متكامل [13][14].
من هنا، يتبيّن أن تجاوز أطروحة مهدي عامل لا يعني رفضها، بل إدماجها ضمن تحليل أوسع يشمل تشكّل العقل الديني تاريخياً ودور التأويل الفقهي في إنتاج الطاعة والشرعية الرمزية، مع فهم الدين كفضاء صراع رمزي يُعاد داخله إنتاج الهيمنة، لا كعدو ثابت يجب استئصاله. إن فهم هذا البعد يتيح بناء مشروع سياسي تحرري معاصر قادر على التعامل مع الدين بوعي، وتحويل القيم الرمزية إلى أدوات للعدالة والمواطنة، بدل أن تبقى طاعة الشعب أسيرة للتراكم التاريخي للتأويلات الفقهية والسياسية [1][2][7][10][14].
______________
قائمة المراجع المصححة
- مهدي عامل، أزمة الحضارة أم أزمة البورجوازية؟ بيروت: دار الطليعة، 1982.
- أدونيس، الثابت والمتحوّل: بحث في الإبداع والاتباع عند العرب،
الجزء الأول أو الثاني ، دار العودة، بيروت
- الإمام الشافعي، الرسالة، الطبعة المحققة، القاهرة: دار الفكر العربي، 1981.
- الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت: دار الفكر، 1985.
- طلال أسد، الأنثروبولوجيا والدين، نيويورك: جامعة كولومبيا، 1993.
- محمد أركون، الإسلام: نقد العقل الديني، باريس: دار الغجر، 1982.
- أنطونيو غرامشي، (دفاتر السجن ، لندن، 1971.
- كارل ماركس، رأس المال، برلين ، 1867.
- نصر حامد أبو زيد، مفاهيم أساسية في نقد الخطاب الديني، القاهرة: دار الشروق، 2000.
- ماكس فيبر، الاقتصاد والمجتمع، برلين: ، 1922.
- عبد الله العروي، الدين والدولة في الفكر العربي، بيروت: دار النهار، 1990.
- حسن حنفي، الدين والمجتمع والسياسة في العالم العربي، القاهرة: دار الطليعة، 1995.
- محمد عابد الجابري، العقل العربي: العقل المستقيل، الرباط: مركز دراسات الوحدة العربية، 1980.
14. غوستافو جوتييريز، لاهوت التحرير، ليما: Editorial Mundo, 197
