القهر والاستبداد وإشكالية الوعي: مقاربة نفسية-اجتماعية لفشل التغيير في المجتمعات العربية

شارك

محمد السميري

يُظهر تاريخ الفكر الاجتماعي النقدي أن المقاربات التي اختزلت ظواهر التخلف والاستبداد في بعدها الاقتصادي، على الرغم من قيمتها التحليلية، ظلت عاجزة عن الإحاطة بالتعقيد البنيوي للواقع الاجتماعي في المجتمعات غير الغربية. فقد افترضت الماركسية الكلاسيكية أن تحوّل البنية الاقتصادية كفيل، في نهاية المطاف، بإنتاج وعي تحرري قادر على تفكيك علاقات الهيمنة. غير أن التجربة التاريخية في العالم العربي، كما في مناطق أخرى من الجنوب العالمي، كشفت عن مفارقة لافتة: استمرار الخضوع، بل وإعادة إنتاجه، حتى في ظل تفاقم الفقر، القمع، وانسداد الأفق الاجتماعي. وهي مفارقة لا يمكن تفسيرها بمنطق الاقتصاد السياسي وحده، بل تستدعي تحليلًا يتناول تشكّل الوعي الاجتماعي نفسه.

في هذا السياق، يقدّم مصطفى حجازي في كتابه التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور مقاربة نفسية-اجتماعية تسعى إلى تجاوز الاختزال البنيوي، من خلال تفكيك العلاقة المعقّدة بين القهر الخارجي والبنية النفسية الداخلية للفرد. فالتخلف، في تحليله، لا يُختزل في ضعف الإنتاج أو سوء التوزيع، بل يتجسّد في نمط تكوين نفسي جماعي تشكّل تاريخيًا في ظل القهر، وأعاد إنتاج ذاته عبر آليات التماهي، الدفاع، والتكيّف السلبي (1). الإنسان المقهور، وفق حجازي، لا يعيش القهر كشرط خارجي فحسب، بل يستبطنه بوصفه منطقًا مفسّرًا للعالم، فتتحول الطاعة من استجابة اضطرارية إلى نمط وجود دائم.

يتقاطع هذا التحليل بعمق مع أطروحة هشام شرابي حول النظام الأبوي، حيث يُفهم الاستبداد باعتباره امتدادًا سياسيًا لبنية اجتماعية وثقافية أقدم، تتأسس داخل الأسرة، وتُعاد إنتاجها في المدرسة، والمؤسسة الدينية، والإدارة، والدولة. فالعلاقة العمودية بين الأب والابن، الشيخ والمريد، الحاكم والمحكوم، لا تنتج الطاعة بالقسر وحده، بل عبر تطبيع طويل الأمد مع التبعية ونزع الثقة من الفرد بوصفه ذاتًا مستقلة قادرة على الفعل التاريخي (2). في هذا الإطار، لا يعود الاستبداد مجرد جهاز سياسي، بل يتحول إلى عقل اجتماعي يحكم تمثلات الأفراد لأنفسهم ولمكانهم في العالم.

ويتميّز تحليل حجازي بأنه لا يكتفي بتوصيف البنية الأبوية، بل يفكك آثارها النفسية العميقة، مثل الخوف من الحرية، والقلق الوجودي، والحاجة الدائمة إلى سلطة حامية. هنا يدخل حجازي في حوار نظري مباشر مع إريك فروم، الذي بيّن في كتابه الخوف من الحرية كيف يدفع انعدام الأمان واللايقين الأفراد إلى الهروب من الحرية والبحث عن الخلاص في السلطوية، حتى وإن كانت هذه السلطوية قمعية (3). من هذا المنظور، لا يبدو تمجيد المستبد مفارقة سلوكية، بل تعبيرًا عن حاجة نفسية عميقة إلى المعنى والاستقرار، في ظل ذات هشّة لم تُبنَ على الاستقلال والمسؤولية.

يسمح هذا المدخل بفهم أعمق لفشل الثورات العربية. فهذه الثورات، رغم عدالتها الاجتماعية ومشروعيتها السياسية، اصطدمت ببنية وعي لم تُنجز قطيعة حقيقية مع الثقافة السلطوية. ومع أول اهتزاز أمني أو اقتصادي، أعادت قطاعات واسعة من المجتمع إنتاج خطاب “الدولة القوية” و”الاستقرار قبل الحرية”، مفضّلة الاستبداد المألوف على حرية غير مضمونة. هنا يتجلى ما يسميه حجازي “الاستلاب الداخلي”، حيث يتحول المقهور إلى فاعل في حماية النظام الذي يقهره، لا بفعل الإكراه، بل بدافع الخوف من الفراغ وعدم اليقين (1).

وتزداد قوة هذا التحليل عند مقارنته بتجارب غير عربية، ولا سيما في أمريكا اللاتينية، حيث شهدت دول مثل الأرجنتين وتشيلي والبرازيل أنظمة عسكرية قمعية طويلة الأمد. غير أن مسارات الانتقال الديمقراطي هناك لم تُختزل في إسقاط الديكتاتوريات، بل رافقتها عمليات تفكيك ممنهجة للثقافة السلطوية، خاصة عبر التربية النقدية، والعدالة الانتقالية، وإعادة بناء الذاكرة الجماعية. ويُعد باولو فريري نموذجًا بارزًا لهذا المسار، إذ ربط في كتابه تعليم المقهورين بين التحرر السياسي والتحرر المعرفي، معتبرًا أن أي تغيير لا يُحدث تحولًا في وعي المقهورين محكوم عليه بإعادة إنتاج القهر بصيغة جديدة (4).

وتُظهر تجربة جنوب إفريقيا بدورها أن تجاوز نظام الفصل العنصري لم يكن ممكنًا دون معالجة البنية النفسية-الرمزية للهيمنة، سواء لدى الضحايا أو لدى البنية الاجتماعية ككل. فقد لعبت لجان الحقيقة والمصالحة دورًا محوريًا في تفكيك العنف الرمزي المتراكم، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، بما يتجاوز مجرد نقل السلطة السياسية (5).

أما في أوروبا الشرقية، فقد كشفت تجارب ما بعد سقوط الأنظمة الشمولية أن انهيار البنية السياسية لا يؤدي بالضرورة إلى تحرر فوري في الوعي الاجتماعي. فالكثير من المجتمعات واجهت ما سُمّي بـ“الحنين السلطوي”، حيث أعادت قطاعات واسعة إنتاج أنماط الطاعة والخضوع نفسها، تحت ضغط الخوف من الفوضى الاقتصادية وفقدان الأمان الاجتماعي. وهو ما يؤكد أن الانتقال الديمقراطي لا ينجح دون تفكيك ما يسميه بيير بورديو “العنف الرمزي”، أي ذلك الشكل من الهيمنة الذي يُمارَس بموافقة ضمنية من الخاضعين له، لأنه متجذّر في اللغة والتصورات والعادات اليومية (6).

في الحالة المغربية، تبرز هذه الإشكالية بوضوح خاص. فرغم وجود ديناميات احتجاجية متكررة، فإن النظام الأبوي والتراتبية السلطوية ما زالا يحددان علاقة الفرد بالمؤسسة وبالسلطة وبذاته. ويلاحظ أن كثيرًا من أشكال المعارضة تبقى أسيرة منطق المطالب الجزئية، دون أن تتحول إلى مشروع تحرري شامل يستهدف بنية الخضوع نفسها. وهو ما يجعل القمع، حين يُمارَس، فعالًا نفسيًا قبل أن يكون أمنيًا.

إن القيمة الأكاديمية لكتاب حجازي لا تكمن في كونه تفسيرًا نفسيًا معزولًا، بل في قدرته على بناء جسر تحليلي بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والنفس، ضمن رؤية مركّبة تفسّر لماذا يفشل التغيير في المجتمعات العربية حتى قبل أن يُقمع سياسيًا. فالاستبداد لا يُفرض فقط من فوق، بل يُعاد إنتاجه من الداخل، عبر ذوات لم تتحرر بعد من خوفها، واتكالها، وحاجتها الرمزية إلى السلطة. ومن دون هذا التحول العميق في البنية النفسية والاجتماعية، ستظل الثورات العربية، مهما كانت مشروعة، مهددة بالارتداد، وسيبقى التخلف يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة.

المراجع

  1. مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي.
  2. هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية.
  3. إريك فروم، الخوف من الحرية، ترجمة عربية، دار الثقافة الجديدة.
  4. باولو فريري، تعليم المقهورين، ترجمة عربية، دار الفارابي.
  5. ديزموند توتو، لا مستقبل دون تسامح، ترجمة عربية، دار الشروق.
  6. بيير بورديو، الهيمنة الذكورية / العنف الرمزي، ترجمات عربية متعددة، دار الكتاب الجديد.
  7. جيلبير الأشقر، الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضات العربية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *