ملاحظات مبدئية جوهرية حول مشروع قانون المحاماة رقم 66.23

ملاحظات مبدئية جوهرية حول مشروع قانون المحاماة رقم 66.23
شارك

مصطفى المنوزي.

 (محاولة لتأطير منهجي للحوار المعرفي / القانوني المفترض تشاركيا)

يشكّل مشروع قانون المحاماة رقم 66.23، في صيغته الحالية، تراجعاً تشريعياً مقلقاً يمسّ جوهر دولة القانون، ويطرح إشكالات بنيوية على المستويات الدستورية والحقوقية والمؤسساتية، وذلك للأسباب الآتية:

أولاً: شبهة عدم الدستورية

يتضمن المشروع مقتضيات تمسّ بشكل مباشر أو غير مباشر بمبادئ دستورية راسخة، في مقدمتها استقلال مهن العدالة، والأمن القانوني، وعدم رجعية القوانين، وحماية الحقوق والحريات المهنية. وهو ما يجعله في تعارض مع روح الدستور قبل نصوصه، ومع منطق ترسيخ الثقة في المؤسسات.

ثانياً: عدم الملاءمة مع المواثيق والالتزامات الدولية

يفشل المشروع في ملاءمة أحكامه مع الاتفاقيات والمعايير الدولية ذات الصلة بدور المحامين واستقلالهم، وخاصة مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين، وضمانات المحاكمة العادلة، وحرية التنظيم المهني، بما يُعدّ تراجعاً غير مبرَّر عن التزامات دولية صادق عليها المغرب.

ثالثاً: المساس بمبدأ الحقوق المكتسبة

يتجاهل النص مبدأ الحقوق المكتسبة للمحامين، سواء على مستوى شروط الولوج والممارسة أو الضمانات التأديبية والمؤسساتية، بما يُخلّ باستقرار المراكز القانونية، ويُنتج هشاشة مهنية تتناقض كلياً مع متطلبات الأمن القضائي.

رابعاً: غياب موجبات التعديل وضرورة التحيين

يخلو المشروع من تعليل تشريعي موضوعي يبيّن:

الاختلالات الواقعية التي استوجبت التعديل؛

الحاجة الفعلية للتحيين في ضوء التحولات الدستورية والمؤسساتية؛

القيمة المضافة المنتظرة على مستوى جودة العدالة.

وهو ما يجعل المشروع أقرب إلى إعادة ضبط مهني ذات طابع إداري–أمني، بدل إصلاح تشريعي مؤسَّس على تقييم السياسات العمومية.

خامساً: انتفاء القيمة المضافة في تكريس الأمن القضائي

لا يقدم المشروع أي إضافة نوعية لتعزيز الأمن القضائي أو تقوية ثقة المتقاضين في منظومة العدالة، بل إن بعض مقتضياته تُضعف التوازن داخل المحاكمة العادلة، وتُقزّم الدور الوظيفي للمحامي كفاعل دستوري في حماية الحقوق والحريات.

سادساً: تجاهل خاصية اجتماعية القاعدة القانونية

يتعامل النص مع مهنة المحاماة بمنطق تقني ضيق، متجاهلاً أن القاعدة القانونية ذات بعد اجتماعي ووظيفي، وأن المحاماة ليست نشاطاً مهنياً معزولاً، بل مرفقاً مدنياً مساهماً في إنتاج العدالة وحماية السلم الاجتماعي.

سابعاً: تقويض المقاربة التشاركية وأمننة التشريع في خرق لمبدأ فصل السلطات

إن المشروع لا يكتفي بتهميش المقاربة التشاركية المنصوص عليها دستورياً، بل يُفرغها من مضمونها عبر إقصاء الهيئات المهنية المعنية من المساهمة الفعلية في صياغة قانون ينظم وجودها ووظيفتها الدستورية.

كما يكرّس، مضموناً واتجاهاً، تفويض المبادرة التشريعية لجهات مستفيدة من سرديات أمننة العدالة، بما يحوّل التشريع من أداة لضمان الحقوق إلى وسيلة للضبط والتحكم، ويُحدث خرقاً غير مباشر لمبدأ فصل السلطات وتوازنها.

ثامناً: الانتماء المهني أساس للولاء الوطني لا مبرر لاستهدافه

إن الانتماء المهني للمحامي ليس انتماءً فئوياً ضيقاً، بل هو تعبير عن ولاء مدني للدولة، ومحفّز عملي على التضحية في سبيل السيادة والكرامة الوطنيتين. فالمحامي المستقل يشكّل خط دفاع مدني عن الشرعية، وعن هيبة القانون، وعن الأمن القضائي الحقيقي.

وكل تشريع يُصاغ خارج منطق الشراكة، ويُؤسَّس على الشك في الفاعلين المهنيين، أو يُدار بمنطق التأمين بدل الضمان، إنما يضعف الجبهة الداخلية، ويقوّض الثقة في العدالة، ويحوّل الأمن من قيمة جامعة إلى أداة إقصاء.

إن أمن الوطن لا يُبنى بتدجين المهن ولا بتطويع العدالة، بل بتقوية استقلالها، والاعتراف بأن المحاماة مسؤولية سيادية مشتركة في حماية دولة القانون وصيانة الكرامة الوطنية.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *