الوسواس القهري الديني وأثره على الفرد والأسرة والمجتمع. قراءة شرعية ونفسية في مواجهة الغلو والتطرف
الصادق العثماني:
إن من أعظم النعم التي امتن الله تعالى بها على الإنسان نعمة الإيمان، ذلك الإيمان الذي يمنح النفس السكينة والطمأنينة، ويجعل التدين وسيلة لتحقيق التوازن النفسي والأخلاقي والاجتماعي. وقد جاء الإسلام دينًا قائمًا على الوسطية والاعتدال، رافضًا كل أشكال الإفراط والتفريط، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. كما حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو في الدين بقوله: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين». (أخرجه النسائي).
غير أن الواقع المعاصر يشهد ظهور بعض الاضطرابات النفسية التي تتداخل مع المجال الديني، ومن أخطرها ما يُعرف بالوسواس القهري الديني، وهو اضطراب يجعل صاحبه يعيش حالة من القلق والخوف المستمرين المرتبطين بالعبادات والطهارة والعقيدة والذنوب، حتى يتحول التدين من مصدر للراحة النفسية إلى مصدر للمعاناة والإرهاق. وتزداد خطورة هذه الحالة عندما يختلط المرض النفسي بالفهم الديني الخاطئ، أو عندما تستغل بعض الجماعات المتشددة هذه الاضطرابات لتغذية أفكار الغلو والتطرف والكراهية.
ومن خلال تجربتي العلمية والدعوية الممتدة منذ سنوات الدراسة في جامعة القرويين بفاس، وما رافقها من احتكاك بمختلف أنماط المتدينين من المسلمين وغير المسلمين بدول أمريكا اللاتينية، أدركت أن التدين السليم يمثل قوة أخلاقية وروحية عظيمة، لكنه قد يتحول في بعض الحالات إلى مجال خصب للوساوس والانحرافات الفكرية عندما يغيب الفهم الصحيح للدين أو تُهمل الجوانب النفسية المؤثرة في السلوك الإنساني.
فالوسواس القهري الديني يُعرّفه المختصون في الطب النفسي بأنه أحد أنواع اضطراب الوسواس القهري، حيث تسيطر على المريض أفكار متكررة وملحّة مرتبطة بالشؤون الدينية، فيشعر بخوف دائم من عذاب القبر ومن نار جهنم، فيحرص على عدم الوقوع في الخطأ أو المعصية أو بطلان العبادة، ويجد نفسه مضطرًا إلى تكرار بعض الأعمال والسلوكيات بصورة مبالغ فيها لتخفيف القلق الذي يعاني منه. وقد يظهر ذلك في تكرار الوضوء مرات عديدة، أو إعادة الصلاة بصورة مستمرة، أو المبالغة في الاستغفار، أو الانشغال المفرط بقضايا الحلال والحرام بطريقة تفوق الحدود الطبيعية للتدين السليم.
وفي هذا السياق، حدّثني أحد الأطباء النفسيين المسلمين العاملين في هذا المجال عن حالة شاب في الثلاثين من عمره كان يقضي ساعات طويلة في الوضوء، ويعيد الصلاة عشرات المرات يوميًا خوفًا من عدم صحتها. ومع مرور الوقت أصبح عاجزًا عن ممارسة حياته الطبيعية أو الاستمرار في عمله أو التواصل السليم مع أسرته، بسبب سيطرة الخوف المرضي على تفكيره. وبعد تشخيص حالته تبين أنه يعاني من الوسواس القهري الديني، وهي حالة تحتاج إلى علاج نفسي متخصص أكثر مما تحتاج إلى الموعظة الدينية والمزيد من التخويف أو التشديد.
وتكمن خطورة هذا الاضطراب في أن المريض غالبًا لا يدرك أنه يعاني من مشكلة نفسية، بل يعتقد أنه يمارس نوعًا من الورع والتقوى والاحتياط للدين. وهنا يصبح من الصعب عليه التمييز بين الالتزام الشرعي المشروع والسلوك القهري المرضي. فالإسلام دين اليسر ورفع الحرج، بينما يدفعه الوسواس إلى التعسير على نفسه وإدخال المشقة غير المطلوبة شرعًا في عباداته ومعاملاته أو في مأكله وملبسه ومشربه.
وقد تنبّه العلماء المسلمون منذ قرون إلى هذه الظاهرة، وإن لم يستخدموا المصطلحات النفسية الحديثة. فقد تحدث الإمام أبو حامد الغزالي عن بعض الوساوس التي تصيب المتدينين في الطهارة والعبادات، وبيّن أن الاسترسال معها يؤدي إلى فساد الدين والدنيا معًا.
كما أكد الكثير من علماء المسلمين أن الوسواس مرض ينبغي مقاومته وعدم الاستجابة له، لأن الاسترسال معه يزيده قوة وتمكنًا في النفس.
والواقع أن الوسواس القهري الديني لا يقتصر ضرره على الشخص المصاب وحده، بل يمتد تأثيره إلى الأسرة بأكملها. فالمريض يعيش حالة من التوتر المستمر تنعكس على علاقاته الأسرية والاجتماعية. وقد يجد أفراد الأسرة أنفسهم مضطرين إلى التكيف مع سلوكياته المتكررة وغير المنطقية، فيشاركونه أحيانًا بعض طقوسه القهرية بدافع الشفقة أو الرغبة في تجنب النزاعات معه. ومع مرور الوقت تتولد مشاعر الإرهاق النفسي والاحتقان داخل الأسرة، وقد تنشأ خلافات زوجية أو مشكلات تربوية تؤثر في استقرار البيت.
وفي بعض الحالات الشديدة يصبح المصاب غير قادر على أداء مسؤولياته المهنية أو الاجتماعية، مما ينعكس على الوضع الاقتصادي للأسرة ويزيد من الضغوط النفسية التي تعيشها. كما أن الأبناء الذين ينشؤون في بيئة يطغى عليها الخوف المفرط والتشدد في الدين قد يكتسبون تصورات غير متوازنة عن الدين، فيربطون التدين بالقلق والعذاب النفسي بدل السكينة والرحمة.
أما على مستوى المجتمع، فإن آثار الوسواس القهري الديني قد تكون أكثر تعقيدًا وخطورة. فالمجتمعات التي يضعف فيها الوعي النفسي والديني الصحيح قد تتحول إلى بيئات تسمح بانتشار أنماط من التدين المتشدد الذي يخلط بين المرض النفسي والالتزام الشرعي. وعندما يجد أصحاب هذه الاضطرابات أنفسهم داخل جماعات مغلقة تقوم على التخويف والتشدد والتكفير، فإن حالتهم النفسية قد تتفاقم بصورة كبيرة.
وقد لاحظ عدد من الباحثين في علم النفس الديني أن بعض الجماعات المتطرفة تستغل الأشخاص ذوي القابلية العالية للشعور بالذنب والخوف والقلق، فتقدم لهم تفسيرات متشددة للنصوص الدينية، وتدفعهم إلى الاعتقاد بأن النجاة لا تتحقق إلا من خلال مزيد من التشدد والانغلاق. وهكذا يصبح المريض عرضة للاستقطاب الفكري، ويجد في الخطاب المتطرف ما ينسجم مع مخاوفه المرضية وهواجسه المستمرة، ومن ثم قد يُفضي ذلك إلى الانتحار وقد يكون في بيت من بيوت الله تعالى.
ومن المهم التأكيد على أن التطرف ليس مرضًا نفسيًا في حد ذاته، كما أن كل مريض بالوسواس القهري الديني لا يتحول بالضرورة إلى شخص متطرف. لكن بعض الاضطرابات النفسية غير المعالجة قد تجعل أصحابها أكثر عرضة للتأثر بالخطابات المتشددة التي تقوم على الترهيب والتخويف واستثارة مشاعر الذنب بصورة مبالغ فيها.
ولعل من أبرز المشكلات التي تواجه المجتمعات الإسلامية والعربية أن برامج الوعظ والإرشاد ما زالت في كثير من الأحيان تتعامل مع هذه الحالات باعتبارها مجرد ضعف إيماني أو نقص في التدين، بينما تؤكد الدراسات النفسية الحديثة أن الوسواس القهري اضطراب معترف به طبيًا، يحتاج إلى تشخيص وعلاج متخصصين. فالمصاب لا يفتقر إلى الإيمان، بل يعاني من آليات نفسية ودماغية تجعله أسيرًا لأفكار قهرية متكررة لا يستطيع التخلص منها بسهولة.
ومن هنا تظهر أهمية التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم النفسية في معالجة هذه الظاهرة. فالعلاج الناجح لا يعتمد على الوعظ والإرشاد وحده، كما لا يقتصر على الأدوية فقط، وإنما يقوم على مقاربة شاملة تجمع بين العلاج السلوكي المعرفي، والعلاج الدوائي عند الحاجة، والتوجيه الديني المعتدل الذي يرسخ قيم الرحمة والتيسير والاعتدال.
ويُعد العلاج السلوكي المعرفي من أنجح الوسائل العلاجية في هذا المجال، إذ يساعد المريض على فهم طبيعة الوساوس التي يعاني منها، وتعلم كيفية مقاومة السلوكيات القهرية المرتبطة بها. كما أن بعض الأدوية النفسية الحديثة أثبتت فعاليتها في التخفيف من حدة الأعراض وتحسين جودة حياة المرضى. وفي الوقت نفسه يؤدي الخطاب الديني الوسطي دورًا أساسيًا في تصحيح المفاهيم الخاطئة التي تغذي الوساوس وتزيد من حدتها.
إن الإسلام الذي رفع الحرج عن الناس لا يمكن أن يكون سببًا في تعذيبهم نفسيًا، والله تعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار الأيسر ما لم يكن إثمًا، ويقول: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا». وهذه النصوص تمثل أساسًا مهمًا في بناء وعي ديني سليم يحصّن المسلم من الوقوع في فخ الوساوس والغلو والتطرف.
وفي ضوء ذلك، تصبح مسؤولية المؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية كبيرة في نشر الثقافة النفسية والدينية الصحيحة، وتعزيز الوعي بأن اللجوء إلى الطبيب النفسي لا يتعارض مع التوكل على الله، بل يدخل في إطار الأخذ بالأسباب المشروعة للعلاج. كما ينبغي إدماج مبادئ الصحة النفسية في المناهج التعليمية وبرامج إعداد الدعاة والأئمة حتى يكونوا أكثر قدرة على التمييز بين المشكلات الإيمانية الحقيقية والاضطرابات النفسية التي تحتاج إلى تدخل متخصص.
ختاما، فإن الوسواس القهري الديني يمثل تحديًا حقيقيًا للفرد والأسرة والمجتمع، لأنه يهدد بتحويل التدين من مصدر للسكينة والطمأنينة والرحمة والمحبة إلى مصدر للمعاناة والاضطراب. كما أنه قد يفتح المجال أمام بعض تيارات الغلو والتطرف لاستغلال هشاشة المصابين وتوجيههم نحو مسارات فكرية وسلوكية خطيرة. ومن ثم فإن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي الجمع بين العلم الشرعي الرصين والمعرفة النفسية الحديثة، والعمل على ترسيخ نموذج التدين الوسطي الذي يجمع بين الإيمان والرحمة والعقل والتوازن. فالدين الصحيح لا يقوم على الوسواس، والإيمان السليم لا يعني إرهاق النفس وتعذيبها، وإنما هو طريق إلى السكينة والاعتدال وبناء الإنسان الصالح والمجتمع الآمن المستقر.
