الغرب أمام مرآته: عندما تستفيق واشنطن، يترنح نتنياهو.
بقلم، محمد خوخشاني.
كان هناك وقت قدّم فيه الدعم الغربي — والأمريكي خصوصًا — لإسرائيل على أنه عقيدة لا تمس، وحلف يتجاوز الرئاسات، والأغلبيات البرلمانية، وحتى القوانين الدولية. اليوم، تظهر في هذه العقيدة أولى الشقوق. وليست شقوقًا هامشية: إنها تخترق قلب مجلس الشيوخ الأمريكي نفسه.
التصويت الذي رفض فيه 40 سيناتورًا ديمقراطيًا من أصل 47 إرسال معدات هندسة مدنية إلى إسرائيل، و36 منهم إرسال القنابل، يشكل انقطاعًا تاريخيًا. ليس لأنه علّق صفقات الأسلحة — فهي مستمرة في أغلبها — بل لأنه حطّم التابو. لأول مرة منذ عقود، تجد « اللامشروطية » في الدعم الأمريكي نفسها في أقلية داخل الحزب الحاكم نفسه.
أقوى تحذير يأتي من إجماع جميع المرشحين الديمقراطيين المحتملين للرئاسة: لا أحد منهم يدعم بعد اليوم فكرة تزويد إسرائيل بالأسلحة دون شروط. هذه ليست ظاهرة عابرة. إنها التوجه البرامجي للدورة السياسية الأمريكية القادمة.
وهم « سيد الشرق الأوسط ».
ماذا حدث للوصول إلى هذا؟ لسنوات، اعتقد بعض القادة الإسرائيليين، وعلى رأسهم نتنياهو، أنهم قادرون على إعادة كتابة قواعد المنطقة بالقوة الغاشمة. غزة مدمرة، الضفة الغربية مجزأة، لبنان مهدد، وصولاً إلى إيران: الهيمنة عبر التدمير قُدّمت على أنها « واقع جديد ». والغرب، كما اعتقدوا، سيتّبع بولاء أعمى.
لكن هذه الاستراتيجية أنتجت تأثيرًا معاكسًا. صور أنقاض غزة، تقارير المنظمات الدولية، شهادات الأطفال مبتوري الأطراف والصحفيين القتلى، كلها نجحت في اختراق الجدار الإعلامي الذي كان يحمي إسرائيل حتى الآن من أي نقد واسع في الغرب.
انخفاض صورة إسرائيل في الولايات المتحدة — إلى أدنى مستوى تاريخي — ليس عرضيًا. إنه النتيجة المنطقية لسياسة خلطت بين القوة العسكرية والحصانة الأخلاقية.
ما بدأت أوروبا تفهمه.
إسبانيا، إيطاليا، وقريبًا دول أخرى في أوروبا، تبتعد عن « الدعم غير المشروط ». لماذا؟ لأن هذه الدول ترى مصالحها الجيوسياسية مهددة: عدم استقرار إقليمي، تدفقات هجرة مضاعفة، مخاطر عدوى الصراعات، والأهم، فقدان كارثي للمصداقية في « الجنوب العالمي ».
ترك إسرائيل « تفعل ما تشاء » في الشرق الأوسط، يعني قبول تداعيات اقتصادية واستراتيجية كبرى. يعني السماح لسياسة تُنفَّذ باسم « الدفاع عن النفس » بأن تدمر آفاق السلام وتُغذي التطرق لعقود.
دعوة للجميع… وللمصالحة.
لماذا نكتب هذه الافتتاحية؟ أولاً، لتذكير القادة الإسرائيليين الحاليين بالواقع: حيّزهم للمناورة في الغرب لم يعد غير محدود. البرلمانات تتغير، الرأي العام ينقلب. القوة العسكرية لا تعوّض لا الدبلوماسية ولا احترام القانون.
ثانيًا، للسماح للجمهور العالمي بالمصالحة مع الدول الغربية التي بدأت تستعيد وعيها. ليس عن طريق المثالية، بل بالواقعية: لم يفت الأوان أبدًا لتصحيح المسار. حقيقة أن واشنطن وعدة عواصم أوروبية بدأت تعديلاً — حتى ولو كان خجولاً — تظهر أن الديمقراطية لا تزال قادرة على إنتاج نقد ذاتي، تحت ضغط مواطنيها.
المصالحة ستمر عبر أفعال، لا كلمات: تعليق الأسلحة المستخدمة في الحروب الحضرية، عقوبات ضد المستوطنين العنيفين في الضفة الغربية، وإطلاق عملية سياسية ذات صدقية تقدم أفقًا حقيقيًا للشعب الفلسطيني.
الخلاصة:
الزلزال السياسي في واشنطن لم يوقف الحرب بعد. لكنه غيّر المشهد بالتأكيد. القادة الإسرائيليون يرتكبون خطأ قاتلاً إذا اعتقدوا أن هذه الموجة ستنعكس بضغوطات أو لوبيات. الرأي العام الغربي لم يعد يريد أن يكون متواطئًا مع ما يراه الآن سياسة التطرف.
أما الدول الغربية، فلها كل المكاسب في تبني هذا التعديل، وتحويله إلى سياسة متماسكة، وإظهار للعالم أنها ليست توابع لقوة إقليمية، بل ضامنة لنظام دولي قائم على القواعد.
جرس « اللامشروطية » قد دق، يبقى أن يعرف ما إذا كانت إسرائيل وحلفاؤها سيسمعونه في الوقت المناسب.
