قضية اليهود المغاربة: بين التاريخ والقانون والسياسة – قراءة تحليلية موسعة.
بقلم، محمد خوخشاني.
تمهيد: جدل يتجاوز مجرد العودة.
مع دفء العلاقات بين المغرب وإسرائيل بعد اتفاقيات التطبيع عام 2020، عاد ملف « اليهود المغاربة » بقوة. هذه المرة تحت راية « تمغربيت » – تلك الخصوصية المغربية القائمة على التعايش – يُطالب البعض ليس فقط بالاعتراف بماض مشترك، بل بحقوق ملموسة: استرداد أملاك، حق العودة، بل وحتى الجنسية المغربية لأحفاد اليهود الذين اختاروا إسرائيل وطناً. لكن نظرة متأنية إلى الحقائق التاريخية والقانونية والسياسية تكشف اختلالاً كبيراً.
1. المغرب حامي يهوده في وجه النازية.
خلافاً لما يُروّج له أحياناً، لم يُضطهد اليهود المغاربة أبداً في المغرب. في زمن حكومة فيشي (1940-1942)، بينما كانت فرنسا تسلّم يهودها للنازيين، وقف السلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس لاحقاً) بحزم. رفض تسليم يهود المغرب، وكان جوابه الشهير لمسؤولي فيشي: « لا يوجد في المغرب يهود ولا مسلمون، بل فقط رعايا مغاربة ». لم يُرَحَّل أي يهودي مغربي إلى معسكرات الموت. هذه الحماية المطلقة، الفريدة في العالم العربي والإسلامي، لم تمنع الهجرة الجماعية لليهود المغاربة نحو إسرائيل ابتداء من خمسينيات القرن الماضي.
2. هجرة طواعية وليست إجبارية.
لم تكن هجرة اليهود المغاربة نتيجة طرد أو تهديد. بل جاءت في سياق الحركة الصهيونية العالمية التي دعت إلى « الصعود » إلى الأرض الموعودة. غالبيتهم غادروا طواعية، وغالباً بعد أن باعوا ممتلكاتهم (محلات، بيوت، أراض) دون مصادرة. على عكس الفلسطينيين الذين شُرِّدوا عام 1948، لم يكن اليهود المغاربة لاجئين. هم اختاروا إسرائيل وطناً جديداً، بتشجيع من السلطات الإسرائيلية التي نظمت ترحيلهم.
3. من الجنسية الإسرائيلية إلى نسيان المغرب.
بمجرد استقرارهم في إسرائيل، أصبح اليهود المغاربة مواطنين إسرائيليين كاملي الحقوق. شاركوا في كل حروب إسرائيل ضد جيرانها العرب – بما في ذلك ضد المغرب الذي أرسل قواته للقتال إلى جانب الجيوش العربية في حرب أكتوبر 1973. بالنسبة لإسرائيل، كانوا جنوداً في الخطوط الأمامية، فخورين بالدفاع عن « وطنهم الجديد ». وخلال هذه الفترة، نادراً ما أظهر أي منهم تعلقاً عسكرياً أو سياسياً بالمغرب. كان ولاؤهم الكامل لوطنهم الجديد، حتى ولو على حساب وطنهم الأصلي.
4. المطالب المزدوجة: إسرائيل لي وحدي، والمغرب لحفيدي.
المفارقة اليوم مذهلة. فبينما ترفض إسرائيل بعناد منح الجنسية الإسرائيلية لمغاربة مسلمين أو أمازيغ (إلا عبر تحولات دينية صارمة)، بدعوى أن إسرائيل « دولة الشعب اليهودي »، فإن الأصوات الموالية لإسرائيل تطالب المغرب الآن بكرم سخي لا تمنحه لنفسها. هل يتخيل أحد أن مغربياً أمازيغياً يقيم في باريس يطالب بالجنسية الإسرائيلية لأن جده عمل في تل أبيب؟ الجواب سيكون ضحكة ساخرة في إسرائيل.
5. مقارنة قانونية بين مفهومي الجنسية في المغرب وإسرائيل.
يكفي أن نقارن بين التشريعين لندرك حجم الاختلال. يستند المغرب في قانون جنسيته إلى مبدأين أساسيين: حق الدم (الولادة لأب مغربي) وحق الإقليم (الولادة على التراب المغربي). يمكن للأجنبي الحصول على الجنسية المغربية بالتجنيس بعد خمس سنوات من الإقامة المعتادة. أما ازدواجية الجنسية، فرغم أنها مسموحة واقعياً، إلا أنها ليست مشجَّعة ولا معترف بها رسمياً. وفيما يخص نقل الجنسية للأحفاد، ينص القانون المغربي على أنها تفقد عادة بعد الجيل الثالث إذا لم يقم صاحبها بالإقامة في المغرب.
أما إسرائيل، فنظامها مختلف جذرياً. الأساس ليس إقليمياً ولا مدنياً، بل إثني ديني: « حق الدم اليهودي » الذي أرساه قانون العودة لسنة 1950. بموجب هذا القانون، يحق لكل يهودي في العالم، أينما كان، الحصول تلقائياً على الجنسية الإسرائيلية، وكذلك أبناؤه وأحفاده وأزواجه، دون حدود للأجيال. في المقابل، فإن تجنيس غير اليهود (حتى وإن كان زوجاً لأحد اليهود) صعب جداً، ويُخضع لشروط قاسية، منها إقامة لسنوات والتخلي عن أي جنسية أخرى. يُسمح بازدواجية الجنسية لليهود العائدين، لكنها ممنوعة لغير اليهود إلا في حالات نادرة جداً.
هذا التباين الصارخ يظهر أن إسرائيل تطبق قانون جنسية إقصائياً دينياً، بينما يحافظ المغرب على نهج مدني إقليمي مفتوح. مطالبة المغرب بمعاملة تفضيلية لأحفاد اليهود المغاربة، دون أن تمنح إسرائيل أي معاملة بالمثل لأحفاد المغاربة المسلمين، غير مقبولة قانونياً وأخلاقياً.
6. « تمغربيت » هل هي غطاء لاختراق سياسي؟
يستدعي الداعون لعودة اليهود المغاربة خصوصية « تمغربيت » التي سمحت بالتعايش السلمي بين الطوائف. لكنهم ينسون جوهرها: تمغربيت ليست حقاً قابلاً للمقاضاة، بل تراث ثقافي. لا يمكن أن تكون حصان طروادة لفرض مطالب عقارية أو جنسية على دولة ذات سيادة. لو دفعنا المنطق إلى آخره، هل يجب إعادة الجنسية الفرنسية لأقدام سوداء الجزائر؟ أو إعادة الجنسية العثمانية لأحفاد الأرمن؟ العالم تحكمه القوانين، لا الحنين إلى الماضي.
7. ملف الأملاك: بيع طوعي أم مصادرة؟
جانب آخر من الملف يتعلق بالأملاك العقارية والتجارية التي تركها اليهود المغاربة عند رحيلهم. خلافاً لما يُزعم أحياناً، الغالبية العظمى من هذه الأملاك بيعت قبل الهجرة، غالباً بأسعار السوق. هناك بالطبع حالات فردية لهجر أملاك أو أملاك تديرها الدولة، لكن لا توجد مصادرة منهجية مماثلة لما وقع للفلسطينيين عام 1948. المحاكم المغربية مختصة بالنظر في هذه القضايا كل حالة على حدة. أما المطالبة برد جماعي بحجة « العدالة التاريخية » فتعني تجاهل قواعد التقادم وحقوق المشترين حسن النية.
8. خلاصة: سيادة المغرب ورفض الابتزاز.
في النهاية، يبقى المغرب صاحب السيادة في تحديد سياسته الهجرية والجنسية. لا شيء يمنعه نظرياً من تقديم تسهيلات لليهود ذوي الأصل المغربي – كما فعل مع إنشاء مجلس الطوائف اليهودية بالمغرب. لكن الرضوخ للضغوط التي تربط « تطبيع العلاقات » بـ « حقوق اليهود المغاربة » يعني المصادقة على ظلم مزدوج:
● ظلم بحق مغاربة الخارج (مسلمين أو أمازيغ) الذين ظلوا أوفياء لبلادهم دون طلب امتيازات.
● ظلم بحق مبدأ المعاملة بالمثل الذي ترفضه إسرائيل بشدة.
لقد دفع المغرب ثمناً باهظاً من أجل استقلاله ووحدته الترابية. هو ليس فرعاً لإسرائيل. كما لا يجب أن يخضع لحنين مُسَيَّس. تمغربيت الأصيلة، التي يعيشها الشعب المغربي يومياً، ليست للبيع ولا للمساومة. إنها تُعاش، لا تُطالب تحت تهديد ابتزاز هوياتي.
