هجرة الأدمغة المغربية: هل تموّل الدولة بكرمها « خيانة » الكفاءات أم تراهن على المستقبل؟
بقلم، محمد خوخشاني.
مبادرة الدولة بمنح تذاكر سفر مجانية للتلاميذ المغاربة المتفوقين لاجتياز المقابلات الشفوية بفرنسا أثارت جدلاً واسعاً. بين منتقد يصفها بأنها « تبديد للمال العام » يغني الخزانة الفرنسية على حساب التنمية المحلية، وبين مدافع يراها استثماراً طويل الأمد في « القوة الناعمة » وعائدات المغتربين. المقال التالي يحلل هذه المعضلة بأرقام ومقاربات موضوعية.
الجدل: من يربح من هجرة الكفاءات؟
في خطوة استباقية لدعم التميز الدراسي، أعلنت وزارة التربية الوطنية عن توفير تذاكر سفر مجانية ذهاباً وإياباً لفائدة تلاميذ الأقسام التحضيرية العمومية الناجحين في الاختبارات الكتابية للمباريات الفرنسية، والمدعوين لاجتياز الاختبارات الشفوية بفرنسا برسم سنة 2026.
ظاهرياً، تبدو الفكرة صادمة للضمير الوطني: المغرب يتحمل تكاليف التكوين ونفقات السفر، ثم يتخرج هؤلاء الطلاب من مدارس فرنسية مرموقة مثل Polytechnique أو Centrale أو HEC، ليلتحق معظمهم بسوق العمل الفرنسي والأوروبي، مساهمين في تنمية اقتصادات الغرب بينما يعاني بلدهم الأم من نزيف الكفاءات.
السؤال المشروع الذي يطرحه المواطن: « أليس من الأجدى إنفاق هذه الأموال على تحسين الجامعات والمستشفيات المغربية بدلاً من تمويل هجرة الأدمغة؟ »
الأرقام التي تعيد تشكيل النقاش.
لفهم الصورة كاملة، يجب النظر إلى الظاهرة من منظور اقتصادي أوسع. فالمغرب لا يخسر أبناءه بالكامل، بل يحتفظ بهم كـ «سفراء اقتصاديين » ينقلون المعرفة ويوجهون الاستثمارات ويعيدون الأموال إلى الوطن.
تؤكد أرقام مكتب الصرف أن تحويلات مغاربة العالم قفزت من 118.9 مليار درهم سنة 2024 إلى 122 مليار درهم سنة 2025، بزيادة سنوية 2.6% . هذا الرقم يجعل من تحويلات الجالية ثاني أكبر مصدر للعملة الصعبة بعد قطاع السيارات، متقدمة على السياحة والفوسفاط مجتمعة. علاوة على ذلك، يشير تقرير للبنك الدولي إلى أن المغرب يحتل المرتبة الثالثة أفريقياً من حيث حجم التحويلات المالية القادمة من الجالية.
ومع ذلك، تبقى المفارقة المحبطة أن 90% فقط من هذه التحويلات تُخصص للاستهلاك العائلي والادخار والعقار، في حين لا يتجاوز حجم الاستثمار الإنتاجي 10%. ويسعى المغرب حالياً إلى قلب المعادلة عبر مبادرات مثل « المنتدى الاقتصادي الأول لمغاربة العالم » المنعقد بطنجة مايو 2026 لجذب هذه الكفاءات للاستثمار في قطاعات التكنولوجيا والطاقات المتجددة.
مبررات الدولة: لماذا التذكرة المجانية هي رهان استراتيجي؟
من منظور صناع القرار، لا تعتبر هذه التذاكر هدراً، بل هي تجسيد لثلاث استراتيجيات متكاملة:
1. تكريس تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.
ينتمي أبناء الأقسام التحضيرية العمومية إلى أسر متوسطة ومحدودة الدخل. غالبيتهم تفوقوا بجدارة واستحقاق في مسابقة وطنية صارمة. وبدعم الدولة، كانت نفقات السفر ستشكل حاجزاً مالياً يحرم أبناء الشعب من فرصة العمر. التذكرة المجانية هنا هي ضمانة لعدم تحول الامتياز الأكاديمي إلى امتياز طبقي.
2. بناء « لوبي مغربي » نافذ عالمياً.
الكفاءات المغربية في فرنسا ليست مجرد مهاجرين عاديين، بل تشكل اليوم شبكة نفوذ حقيقية داخل الشركات الكبرى (مثل أيرباص، ستيلانتيس، توتال) والمؤسسات المالية الدولية. هؤلاء الخريجون يصبحون سفراء للمغرب، يسهلون تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى المملكة ويوجهون قرارات التوظيف والشراء لصالح بلدهم الأم. كثيراً ما يتخذون مواقع تسمح لهم بالتأثير المباشر في اختيار المغرب كموقع لاستقرار فروع شركاتهم.
3. عودة الأدمغة بنضج أكبر (دوران العقول).
تظهر التجربة أن هجرة الأدمغة لم تعد أحادية الاتجاه. مفهوم « دوران العقول » (Brain Circulation) حل محل « نزيف العقول ». تمتد مسيرة المهاجر عادة لعشر سنوات أو أكثر في الخارج، يكتسب خلالها خبرة دولية وشبكة علاقات واسعة، ثم يعود إلى المغرب:
● إما لإنشاء شركات ناشئة تنقل التكنولوجيا والخبرات.
● أو لقيادة مشاريع كبرى في الأوراش الاستراتيجية كالطاقات المتجددة والميناء طنجة المتوسط والقطاع البنكي.
هذا المغترب العائد يكون أكثر نفعاً من خريج لم يغادر وطنه، لأنه اكتسب ثقافة العمل العالمية والصرامة المهنية.
أين يكمن الخلل الحقيقي إذن؟
ليس العيب في سفر الأبناء المتفوقين، فالحرمان من السفر سيضعف قدرة المغرب التنافسية علمياً وتكنولوجياً. الخلل الحقيقي، الذي تعترف به الحكومة صراحة، يتمثل في فشل البيئة الوطنية في استقطاب هؤلاء الأبناء بعد اكتسابهم للخبرة.
تُظهر الأرقام أن غالبية المغاربة المهاجرين يفضلون استثمار أموالهم في العقار فقط (بنسبة 8% من الاستثمارات المنتجة)، بعيداً عن المشاريع الصناعية أو التكنولوجية. هذا يعني أن البلاد لم تنجح بعد في خلق مناخ الاستثمار الجاذب الذي يجعلهم يُساهمون في الثورة الصناعية والرقمية داخل الوطن، مكتفين بدور « بنك العائلة » الموسع.
الخلاصة: استثمار طويل الأمد، لكن بشروط.
إن توفير تذاكر السفر المجانية هو إعلان غير مكتوب عن ثقة الدولة في أبنائها. هو رهان على أن الجذور تمتد بقوة أكبر من أجنحة الطائرة. المغرب يتحمل تكاليف السفر اليوم، لأنه يعرف أن كفاءات الغد ستظل مرتبطة بوطنها عبر ثلاث قنوات رئيسية:
1. القناة المالية: تحويلات الـ 122 مليار درهم تشكل شريان حياة للاقتصاد الوطني.
2. القناة السياسية: نفوذهم يوجه الاستثمارات الكبرى نحو المملكة.
3. القناة البشرية: عودتهم بالنضج تنقل المعرفة وتحدث قفزات نوعية في الإنتاجية.
فإذا كان السؤال: « من المستفيد الأكبر؟ »، فالإجابة ليست « فرنسا » ولا « المغرب » بشكل مطلق. بل إن المغرب يلعب لعبة بعيدة المدى. نجاح هذا الرهان مرهون بقدرة الحكومة أخيراً على تحويل هؤلاء المتفوقين من مغتربين يرسلون الأموال فقط إلى شركاء في التنمية يستثمرون عقولهم وأموالهم داخل أرض الوطن. وهذا يتطلب، قبل أي شيء آخر، مدارس وجامعات ومستشفيات تليق بطموحاتهم وخبراتهم الدولية.
