الهوية الأمازيغية في صلب المشروع الديمقراطي التحرري.. في دلالات نداء تيار اليسار الجديد المتجدد إلى الحركة الأمازيغية الديمقراطية

الهوية الأمازيغية في صلب المشروع الديمقراطي التحرري.. في دلالات نداء تيار اليسار الجديد المتجدد إلى الحركة الأمازيغية الديمقراطية
شارك

امينة مراد:

عندما يثار النقاش حول الأمازيغية، يحرص البعض على حصرها في بعدها اللغوي أو الثقافي، وكأن الأمر يتعلق بمطلب فئوي أو بقضية تخص فئة محددة من المجتمع. غير أن مسار الحركة الأمازيغية بالمغرب، وما راكمته من نضالات فكرية وحقوقية على امتداد عقود، يكشف أن القضية أبعد من ذلك بكثير. إنها قضية ترتبط بالهوية والمواطنة والديمقراطية والعدالة، وتلامس في العمق سؤال بناء الدولة الحديثة والمجتمع الديمقراطي.

لقد ساهمت الحركة الأمازيغية في إعادة طرح أسئلة ظلت لسنوات طويلة مؤجلة أو محاطة بالكثير من التحفظ. أسئلة تتعلق بعلاقة الدولة بالهوية والثقافة الوطنية، وبمكانة التعدد الثقافي واللغوي في بناء الدولة الوطنية المغربية، وبحدود المقاربات الأحادية التي حاولت اختزال المغرب في رواية واحدة أو هوية واحدة. كما ساهمت في ترسيخ قناعة مفادها أن الاعتراف بالتعدد ليس تهديدا للوحدة، بل شرطًا من شروطها.

وفي سياق عالمي اتسعت فيه النقاشات المرتبطة بالحقوق الثقافية واللغوية وحقوق الشعوب الأصلية، تفاعلت الحركة الأمازيغية مع هذه التحولات الفكرية والحقوقية، واستفادت من مكتسباتها الرمزية والمعرفية. غير أن مشروعيتها الحقيقية لم تكن يومًا مستمدة من الخارج، بل من ارتباطها العميق بأسئلة المجتمع المغربي وتاريخه وذاكرته وتطلعاته إلى الحرية والكرامة والديمقراطية.

إن أهمية القضية الأمازيغية لا تكمن فقط في الدفاع عن لغة أو تراث أو ذاكرة جماعية، بل في كونها تطرح بإلحاح سؤال الاعتراف. والاعتراف هنا ليس مجاملة ثقافية أو إجراء إداريا، بل هو أحد الأسس التي تقوم عليها المواطنة الحديثة. فالديمقراطية لا تختزل في الانتخابات والمؤسسات، وإنما تقوم أيضا وأساسا على شعور كل مواطن ومواطنة بالانتماء للوطن وبأن لهما المكانة نفسها داخله، وأن ثقافتهما ولغتهما وتاريخهما تحظى بالاحترام والإنصاف.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن المجتمعات التي نجحت في تدبير تنوعها الثقافي واللغوي هي تلك التي جعلت من الاختلاف مصدر قوة وإبداع ووحدة، لا سببا للإقصاء أو الهيمنة. أما المجتمعات التي سعت إلى فرض التجانس القسري أو تجاهل مكوناتها المختلفة أو صنع قوالب هوياتية، فقد وجدت نفسها أمام توترات متجددة وأسئلة مؤجلة تعود إلى الواجهة كلما ضاقت مساحات الديمقراطية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تجاوز ذلك الفصل المصطنع بين العدالة الاجتماعية والعدالة الثقافية. فالفقر ليس اقتصاديا فقط، كما أن التهميش لا يكون ماديا فحسب. هناك أيضا تهميش رمزي وثقافي ولغوي قد يمتد أثره لأجيال كاملة. لذلك لا يمكن الحديث عن مشروع ديمقراطي متكامل ما لم يكن قادرا على الجمع بين تحرير الإنسان من الحاجة، وتحريره كذلك من الإقصاء والإنكار.

كما أن النقاش حول القضية الأمازيغية لا ينفصل عن سؤال العدالة المجالية وعن الحق في الأرض والثروة. فليس من قبيل الصدفة أن جزءا مهما من المجالات التي حافظت على اللغة والثقافة الأمازيغيتين عبر التاريخ ما زال يعاني من الهشاشة وضعف البنيات الأساسية ومحدودية فرص التنمية. لذلك فإن الإنصاف الثقافي يظل منقوصا إذا لم يواكبه إنصاف مجالي حقيقي يقلص الفوارق ويضمن الحق في التنمية والعيش الكريم. فالعدالة الثقافية والعدالة المجالية ليستا مسارين متوازيين، بل وجهان لمعركة واحدة عنوانها الكرامة الإنسانية.

ولعل أحد أكبر التحديات المطروحة اليوم يتمثل في الانتقال بالقضية الأمازيغية من مستوى الاعتراف المبدئي إلى مستوى التفعيل الفعلي. فترسيم الأمازيغية شكل خطوة مهمة في مسار الإنصاف، غير أن القيمة الحقيقية لأي مكسب دستوري تقاس بمدى حضوره في المدرسة والإدارة والإعلام والقضاء ومختلف مناحي الحياة العامة. فالدساتير تفتح الأبواب، لكن الإرادة السياسية والسياسات العمومية هي التي تجعل الحقوق واقعا ملموسا.

إن القضية الأمازيغية اليوم ليست قضية هوية في مواجهة هوية، ولا ثقافة في مواجهة ثقافة، بل هي قضية ديمقراطية تحررية بامتياز. إنها قضية ترتبط بحق جميع المغاربة في الاعتراف المتبادل، وفي المشاركة المتساوية في بناء الفضاء الوطني المشترك، بعيدا عن كل أشكال الإقصاء أو التراتبية الثقافية.

ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن القضية الأمازيغية لا ينفصل عن الدفاع عن الديمقراطية، ولا عن النضال من أجل العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية والكرامة الإنسانية. فهذه القضايا ليست ملفات متجاورة يمكن فصل بعضها عن بعض، بل خيوط متشابكة في مشروع تحرري واحد يسعى إلى بناء مغرب أكثر حرية وإنصافًا وتعددية.

إن المغرب الذي نطمح إليه ليس مغربا يخشى تنوعه، بل مغربا يستمد منه قوته. مغربا يتصالح مع تاريخه، ويعترف بكل روافده الحضارية والثقافية، ويجعل من التعدد مصدرا للوحدة. ففي زمن تتجدد فيه أسئلة الهوية والانتماء في مختلف أنحاء العالم، تظل الديمقراطية الحقيقية هي القدرة على تحويل الاختلاف إلى طاقة مشتركة لبناء المستقبل.

وفي هذا الأفق، تظل الأمازيغية أكثر من مجرد قضية ثقافية أو لغوية؛ إنها إحدى البوابات الأساسية نحو مشروع ديمقراطي تحرري يربط بين العدالة الاجتماعية والعدالة الثقافية والعدالة المجالية، ويضع الإنسان المغربي، بكل تنوعه وثرائه، في قلب معركة الحرية والكرامة والتنمية. ذلكم أحد الأهداف العميقة للنداء الذي وجهه تيار اليسار الجديد المتجدد الى المناضلات والمناضلين بمختلف مكونات الحركة الأمازيغية الديمقراطية تفعيلا لأرضيته العميقة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *