الصحراء المغربية، القرار 2797 واتحاد المغرب العربي: المنعطف الضائع لمنطقة معلّقة
بقلم: محمد خوخشاني.
تحليل – ربيع 2026.
بعد أكثر من نصف قرن على اندلاع نزاع الصحراء، ظهرت معطيات دبلوماسية جديدة في 31 أكتوبر 2025. ففي ذلك اليوم، تبنّى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2797، وهو نصّ وصفه البعض بالفعل بالتاريخي، لأنه بدا أنه يحسم بين رؤيتين لا يمكن التوفيق بينهما: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتقرير المصير عبر الاستفتاء الذي تدافع عنه الجزائر وجبهة البوليساريو.
لكن هذا التصويت، بدل أن يطوي الصفحة، بلور التناقضات الإقليمية. كما ذكّر، بألم واضح، بفشل اتحاد المغرب العربي، ذلك التنظيم الذي وُلد عام 1989 في لحظة أمل، وهو اليوم في سبات. فبين استراتيجيات وطنية متباينة، وطرق دبلوماسية مسدودة، وتكاليف اقتصادية باهظة، يبقى المغرب العربي منطقة مجزأة، تتفرج على نفسها.
1. استراتيجيتان، عالميان: المغرب ضد الجزائر.
حتى قبل القرار 2797، كان مسار الجارين المغاربيين متعارضاً في كل المجالات تقريباً. فمن جهة، اختار المغرب الحكم الذاتي التفاوضي تحت سيادته، مدعوماً بمخطط تنموي شامل للأقاليم الجنوبية. ومن جهة أخرى، واصلت الجزائر دعمها العسكري والدبلوماسي والمالي لجبهة البوليساريو، متمسكة بخيار الاستفتاء باعتباره الحل الشرعي الوحيد.
على الصعيد الدبلوماسي، عرف البلدان حظوظاً متباينة جداً. فالمغرب رأى موقفه معترفاً به من عدد متزايد من الشركاء: الولايات المتحدة، فرنسا، إسبانيا، والعديد من الدول الأفريقية أعربت عن دعمها لمخطط الحكم الذاتي. بينما عرفت الجزائر عزلة نسبية، إذ لم يتبنَّ قراءتها للنزاع سوى القليل من الدول.
الأداءات الاقتصادية تعكس أيضاً هذه التوجهات المتباينة. فالمغرب برز كقطب صناعي جاذب، مع قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة في ازدهار. أصبح ميناء طنجة المتوسط منصة للتجارة العالمية، وتطورت طبقة وسطى ديناميكية. على النقيض، تبقى الجزائر معتمدة بشكل كبير على المحروقات، مع نسبة بطالة تتجاوز 25% بين الشباب، وانخفاض متواصل في القدرة الشرائية.
فيما يخص الإشعاع الدولي، استطاع المغرب بناء قوة ناعمة نشطة، تجذب الاستثمارات الأجنبية والسياح. بينما تعاني الجزائر من صورة مرتبطة بنزاع مجمّد، لا يشجع على تدفق رؤوس الأموال الأجنبية خارج قطاع الطاقة. أما فيما يتعلق برفاهية الشعوب، فوفقاً لتقديرات البنك الدولي، استطاع المغرب خفض الفقر بنسبة 60% منذ عام 2001، بينما تحافظ الجزائر، رغم ثرواتها الغازية، على استقرارها الاجتماعي عبر الدعم دون تحول هيكلي مستدام.
هذان النموذجان يتواجهان مباشرة في ملف الصحراء، لكنهما يعكسان أيضاً تصورين متضادين للمنطقة: التكامل الاقتصادي والانفتاح بالنسبة للرباط، مقابل السيادة والتضامن ما بعد الاستعماري بالنسبة للجزائر.
2. القرار 2797 (31 أكتوبر 2025): توضيحات أم مظاهر خادعة؟
النص الذي تبناه مجلس الأمن لا لبس فيه بالنسبة لمسوّقيه. فهو يصف مخطط الحكم الذاتي المغربي لعام 2007 بأنه « أساس واقعي وذي مصداقية » لحل سياسي نهائي. بالنسبة للمغرب، هذا تكريس: المجتمع الدولي، من خلال هذا التصويت، يكون قد اختار الحكم الذاتي بدلاً من الاستفتاء.
الجزائر قاطعت التصويت ونددت بـ «مناورة ». وأكد وزير خارجيتها أحمد عطاف أن القرار لا يغلق الباب بتاتاً أمام تقرير المصير، ويحافظ على « كل ثوابت » المسار الأممي، بما فيها خيار الاستفتاء.
ما الذي يقوله النص بالضبط؟ خبراء الأمم المتحدة يلاحظون توازناً تحريرياً دقيقاً: القرار لا يذكر بشكل صريح التخلي عن الاستفتاء. لكن من خلال جعل الحكم الذاتي أساساً حصرياً للمفاوضات، فإنه يغير المعطى الإجرائي. من الآن فصاعداً، أي حل يجب أن ينطلق من الإطار المغربي، وليس من قائمة خيارات غير متمايزة.
3. ردود فعل دولية: دعم متباين.
أثار القرار 2797 ردود فعل متقابلة تماماً، مما عزز خطوط الصدع الجيوسياسي.
أعربت الولايات المتحدة عن دعمها الواسع، معتبرة أن هذا النص يمثل مخرجاً براغماتياً يسمح باستقرار منطقة حيوية لمصالحها، سواء تعلق الأمر بمكافحة الإرهاب أو بالوصول البحري. أما فرنسا، الحليفة التاريخية للمغرب، فقد عبرت رسمياً عن ارتياحها لنص « يفتح الطريق لحل سياسي واقعي ». روسيا والصين اتخذتا موقفاً أكثر حذراً. ورغم أنهما لم تستعملا حق النقض (الفيتو)، فقد دعتا إلى « عدم استبعاد خيار الاستفتاء » في إشارة إلى رغبتهما في عدم استفزاز الجزائر، الشريك الطاقوي والعسكري المهم.
على الصعيد الأفريقي، الانقسامات واضحة. الاتحاد الأفريقي، الذي لا يزال يعترف بـ «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية » كدولة عضو، أحاط علماً بالقرار دون حماس. عدة دول أفريقية جنوب الصحراء مثل السنغال وساحل العاج وجمهورية الكونغو الديمقراطية هنأت الرباط. في المقابل، دعت جنوب أفريقيا ونيجيريا إلى « عدم التسرع في حل دون موافقة السكان الصحراويين ». وأخيراً، داخل الجامعة العربية، كان الدعم متبايناً: تحت الضغط المغربي، اصطفت الأغلبية خلف الرباط، بينما عبرت الجزائر والعراق وسوريا عن تحفظاتها.
باختصار، القرار 2797 يكرس الريادة الدبلوماسية للمغرب دون أن يحقق إجماعاً عالمياً. الجزائر تحتفظ بداعمين، خاصة بين دول عدم الانحياز وبعض الأعضاء التاريخيين في حركة إنهاء الاستعمار.
4. التكلفة المباشرة للجزائر من دعم البوليساريو.
إحدى الزوايا الميتة في النقاش الدبلوماسي هي الثمن الذي تدفعه الجزائر نفسها للحفاظ على جبهة البوليساريو كفاعل رئيسي في النزاع. وغياب أرقام رسمية – فالجزائر لا تنشر هذه المعطيات – فإن تقديرات أجهزة الاستخبارات الغربية والمنظمات غير الحكومية والمعاهد الاقتصادية تتقارب حول مبالغ كبيرة، تتراوح بين 300 و500 مليون دولار سنوياً.
هذا المبلغ يتوزع تقريباً كالتالي: ما بين 150 و250 مليون دولار مخصصة للدعم المباشر للبوليساريو، بما في ذلك التسليح ورواتب المقاتلين واللوجستيك. صيانة مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف – طعام، تعليم، صحة – تمثل 80 إلى 120 مليون دولار إضافية. التكاليف الدبلوماسية والقانونية الدولية، بما فيها المحامون والضغط ورحلات مسؤولي البوليساريو، تقدر بين 20 و30 مليون دولار. أخيراً، الحفاظ على وجود عسكري جزائري مخصص في المناطق الحدودية، خارج التكاليف الثابتة للجيش الوطني الشعبي، يكلف ما بين 50 و100 مليون دولار سنوياً.
لإعطاء فكرة عما تمثله هذه الأرقام، هذا الدعم السنوي يعادل حوالي 1 إلى 1.5% من ميزانية الجزائر باستثناء الديون. وهو يعادل تكلفة بناء ثلاثة إلى خمسة مستشفيات عمومية كبرى كل عام. وهو أيضاً ما يلزم لتمدرس ما بين 300 ألف و500 ألف طفل جزائري إضافي.
مع انخفاض عائدات المحروقات في 2024-2025 – بسبب تقلب أسعار الغاز والتحول الطاقوي الأوروبي – ازداد الضغط على الميزانية. مصادر داخلية تتحدث عن تأخر في صرف المساعدات الجزائرية للبوليساريو نهاية 2025، دون تأكيد رسمي. بشكل غير رسمي، يعترف بعض الإطارات الجزائرية بأن هذا الدعم أصبح « مكلفاً سياسياً ومشكوكاً فيه اقتصادياً ». السكان الجزائريون، المتأثرون بالتضخم والبطالة، يتساءلون أكثر فأكثر عن جدوى هذه النفقات. فرغم أن التضامن مع الشعب الصحراوي لا يزال علامة أيديولوجية قوية، فإن تآكل الزمن وغياب أي أفق عسكري أو دبلوماسي يجعل هذا الدعم أقل شعبية مما كان عليه قبل عشرين عاماً.
5. عرقوب أخيل: اتحاد المغرب العربي في سبات.
المفارقة المأساوية لهذا النزاع هي أنه كان أحد القبور الرئيسية لاتحاد المغرب العربي، ذلك التنظيم الذي كان من المفترض أن يوحد المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا. تأسس الاتحاد عام 1989 ليكون مختبراً للتكامل الإقليمي المستوحى من الاتحاد الأوروبي. لكن منذ عام 1994، جمد نزاع الصحراء مؤسساته.
العواقب وخيمة. التبادل التجاري داخل المغرب العربي لا يمثل اليوم سوى أقل من 3% من إجمالي تجارة المنطقة، مقابل 70% في أوروبا. كل دولة مغاربية تتفاوض منفردة على اتفاقياتها مع الاتحاد الأوروبي والصين ودول الخليج، مما يفقدها أي قوة تفاوضية جماعية. إغلاق الحدود البرية الجزائرية المغربية، الذي أُعلن عام 1994 وما زال سارياً، يمنع أي ربط شرقي-غربي متماسك. مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب عبر عدة دول أفريقية يبقى افتراضياً دون تعاون جزائري.
الثقل الاقتصادي لهذا التجميد هائل. دراسة للبنك الأفريقي للتنمية نشرت عام 2024 تقدر أن التكامل المغاربي الكامل يمكن أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بنسبة 5 إلى 7% سنوياً، ويخلق مئات الآلاف من فرص العمل، ويخفض التكاليف اللوجستية بنسبة 20%. هذه الخسارة تعادل عدة عشرات من مليارات الدولارات تضيع كل عام.
بالنسبة للمواطن المغاربي، الانعكاسات ملموسة: تأشيرات صعبة، تبادلات محدودة، بطالة مستمرة، غياب مشاريع إقليمية كبرى مثل خطوط القطار فائق السرعة، أو بنى تحتية طاقوية متجددة متبادلة، أو ممرات صناعية مشتركة.
6. تسلسل زمني مبسط للنزاع واتحاد المغرب العربي (1975-2026).
لفهم تسلسل حالات الانسداد بشكل أفضل، لا بد من تذكير موجز. كل شيء بدأ عام 1975، مع المسيرة الخضراء واتفاقية مدريد الثلاثية التي أقرت رحيل إسبانيا. وكانت تلك بداية النزاع المسلح بين المغرب والبوليساريو المدعومة من الجزائر. في العام التالي، أعلنت ما يسمى بـ »الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية »، مما عمق الشرخ الدبلوماسي الأول.
في عام 1988، ظهر بصيص أمل مع القبول المشترك من المغرب والبوليساريو لخطة تسوية الأمم المتحدة القاضية بتنظيم استفتاء. لكن الخلافات حول الهيئة الناخبة استمرت. شكل شهر فبراير 1989 لحظة تفاؤل إقليمي: تأسيس اتحاد المغرب العربي، بضم المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا. تم تنحية النزاع الصحراوي جانباً، دون حله.
في عام 1991، تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار وانتشرت بعثة « المينورسو ». كان الاتحاد لا يزال يعمل، لكن التوترات لم تهدأ. تمثل المنعطف الحقيقي في عام 1994: بعد تفجير إرهابي في مراكش، فكر المغرب في فرض التأشيرة على الجزائريين. فردت الجزائر بإغلاق حدودها البرية مع المغرب. وكانت تلك بداية التجميد الفعلي لاتحاد المغرب العربي. ولم يعد يُنظم أي قمة على مستوى رؤساء الدول.
شهدت سنوات 2000 و2010 إخفاقات متتالية للمفاوضات: خطتا بيكر الأولى والثانية، محادثات مانهاست، لم ينجح شيء. أصبح اتحاد المغرب العربي قشرة فارغة. انهار التبادل التجاري داخل المغرب العربي إلى ما دون 3%. في عام 2020، تسبب الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء في قطيعة دبلوماسية مؤقتة بين الجزائر وواشنطن. وعززت الجزائر دعمها للبوليساريو.
في ديسمبر 2024، اعتمدت فرنسا قانوناً يدعم مخطط الحكم الذاتي المغربي. استدعت الجزائر سفيرها من باريس. وأخيراً، في 31 أكتوبر 2025، وصف قرار الأمم المتحدة 2797 الحكم الذاتي المغربي بـ »الأساس الواقعي وذي المصداقية ». يعتبره المغرب منعطفاً تاريخياً، بينما قاطعته الجزائر. أما اتحاد المغرب العربي، فلا يزال مجمداً. في بداية عام 2026، تُطرح محاولات دبلوماسية ثنائية، ربما بوساطة قطرية، لكن لا يوجد قمة للاتحاد على جدول الأعمال.
العبرة من هذا التسلسل الزمني واضحة: نزاع الصحراء واتحاد المغرب العربي مرتبطان بعلاقة سببية تقريباً. طالما أن القضية الصحراوية لم تحل نهائياً – أو لم يقبل الجاران بتسوية تجميد – سيبقى اتحاد المغرب العربي قشرة فارغة. لكن مع القرار 2797، يعتبر المغرب أنه ربح في الجوهر، بينما ترى الجزائر أن أي اتفاق يجب أن يمر عبر تقرير المصير. المأزق مستمر.
7. أي مستقبل بعد 2025؟ بين التفاؤل والتشاؤم.
القرار 2797 وتجميد اتحاد المغرب العربي وجهان لعملة واحدة. نزاع الصحراء يسمم منذ خمسين عاماً أي أفق لوحدة مغاربية. هناك سيناريوهان ممكنان الآن.
السيناريو المتفائل يقوم على فكرة أن التوضيح الذي قدمته الأمم المتحدة قد يدفع الجزائر في النهاية إلى مراجعة موقفها. فتكاليف دعم البوليساريو تصبح صعبة التبرير سياسياً في زمن القيود الميزانياتية. اعتراف دولي متزايد بالحكم الذاتي المغربي قد يترك البوليساريو دون أوراق ضغط. عندها يمكن لاتحاد المغرب العربي أن يولد من جديد، على أسس سياسية سليمة، وتستفيد الشعوب المغاربية أخيراً من ثمار التكامل الإقليمي.
أما السيناريو المتشائم فهو مختلف تماماً. تتمسك الجزائر بقراءتها للقرار، ويبقى الاتحاد في سبات، ويسرع المغرب من جانب واحد في دمج أقاليمه الجنوبية، مما يخاطر بتصعيد أمني. ستواصل المنطقة خسارة حصصها من الأسواق العالمية، بينما تنسج أوروبا والخليج والصين شبكاتها الثنائية الخاصة، دون انتظار مغرب عربي موحد. الشعوب، من الجانبين، ستواصل دفع الثمن الباهظ لهذا الانقسام.
الخلاصة: المغرب العربي أمام جدار مسدود.
بين الـ 300 إلى 500 مليون دولار التي تنفقها الجزائر سنوياً لدعم البوليساريو، والاستثمارات المغربية الضخمة في الأقاليم الجنوبية والتنمية الاقتصادية الوطنية، هناك هوة استراتيجية. القرار 2797 كرس مقاربة واحدة، لكنه لم يحل المشكلة الأساسية: غياب الثقة بين الرباط والجزائر.
اتحاد المغرب العربي، المريض بهذا النزاع، قد يصبح الضائع الكبير في التاريخ. ومع ذلك، بدونه، سيبقى كل بلد مغاربي صغيراً جداً ليوازن وحده أمام الكتل التجارية العالمية. « الكرزة على القالب » – سواء كانت جميلة أو مرة – ستعتمد على عامل واحد فقط: الإرادة السياسية للقادة في اعتبار أن مصلحة الشعوب الشقيقة تفوق الخلافات الموروثة من الماضي.
المغرب العربي أمام جدار مسدود. عليه أن يختار بين الجمود المكلف والتكامل الحامل للمستقبل. التاريخ لن يقدم له هدايا.
—
◆◆◆◆◆◆◆
مراجع إرشادية:
● قرار مجلس الأمن 2797 (31 أكتوبر 2025)
● البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، تقارير 2024-2025
● التصريحات الرسمية لوزارتي الخارجية المغربية والجزائرية
● تحليلات خبراء (إلياس القصري، مركز الدراسات المغاربية، تونس، 2025)
