بمناسبة الذكرى الثلاثين لصدور مدونة التجارة: ندوة علمية بالرباط تسلط الضوء على حصيلة وآفاق القضاء التجاري بالمغرب
تخليدا للذكرى الثلاثين لدخول مدونة التجارة المغربية حيز التنفيذ (1996-2026)، وتنزيلا للرؤية الاستراتيجية الرامية إلى تحديث منظومة العدالة وتحسين مناخ الأعمال، افتُتحت اليوم، الخميس 25 يونيو 2026، ندوة علمية من تنظيم المجلس الأعلى للسلطة القضائية بشراكة مع رئاسة النيابة العامة وكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بالرباط، تحت عنوان: « القضاء التجاري: الحصيلة والآفاق »، بمقر المجلس بالرباط.
ويشكل هذا الحدث محطة مفصلية لتقييم ثلاثة عقود من الممارسة القضائية التجارية، منذ صدور مدونة التجارة بموجب القانون رقم 15-95 وإحداث المحاكم التجارية بمقتضى القانون رقم 53-95، واللذان ساهما بشكل عميق في بناء إطار قانوني ومؤسساتي ملائم لمتطلبات الاقتصاد الوطني ومواكبة للتحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الاستثمارية العالمية.
وفي كلمة بالمناسبة، أكد السيد مَحمد عبد النباوي، الرئيس الأول لمحكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، على أن إحداث المحاكم التجارية شكل تجسيدا لإرادة المشرع في وضع الأسس لقضاء متخصص وفعال قادر على تحويل النصوص القانونية إلى قواعد عملية قابلة للتطبيق.
وأشار السيد الرئيس المنتدب إلى أن المجلس جعل النهوض بالقضاء التجاري ورشا استراتيجيا ضمن مخططه (2021-2026)، عبر اتخاذ إجراءات عملية لدعم التخصص، وتكثيف برامج التكوين المستمر للقضاة، وتطوير آليات التتبع لتعزيز النجاعة القضائية. كما أشاد بالدور الريادي للجامعة كشريك أساسي للمؤسسة القضائية في إنتاج المعرفة وتشخيص الإشكالات العملية، خاصة في ظل الطفرة الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تفرض تجاوز المفاهيم القانونية التقليدية، مشددا على الأهمية الاستراتيجية للعدالة التجارية في مواكبة التحولات الاقتصادية المتسارعة وتحسين مناخ الاستثمار تنزيلا للتوجيهات الملكية السامية.
من جهته أكد السيد هشام بلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، على الدور المحوري الذي تضطلع به النيابة العامة في الحفاظ على النظام العام الاقتصادي وتحقيق الأمن القضائي للمستثمر، باعتبارهما من الدعائم الأساسية لتوفير بيئة سليمة ومحفزة للاستثمار. وأشار في كلمته إلى أن رئاسة النيابة العامة تولي أهمية قصوى لحماية منظومة الأعمال وضمان المنافسة الشريفة، والحرص على تقليص الزمن القضائي تماشيا مع خصوصية المنازعات التجارية.
واستعرض السيد بلاوي الحصيلة العملية لتدخل النيابات العامة لدى المحاكم التجارية خلال سنة 2025، والتي تجلت في تقديم ما يقارب 1808 ملتمسا كتابيا يتعلق بمساطر صعوبات المقاولة، وإحالة 19 تقريرا بشأن جرائم التفالس والمخالفات المرتبطة بها لتحريك المتابعات الجنائية. واختتم بالإشادة بالمخطط الاستراتيجي لرئاسة النيابة العامة (2026-2028) الذي يهدف إلى مواكبة التحول الرقمي وتأسيس قاعدة بيانات متحركة لرصد إشكاليات صعوبات المقاولة وتطوير الأداء القضائي.
واعتبر السيد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، في الكلمة التي تلاها بالنيابة عنه السيد رشيد وظيفي، مدير الشؤون المدنية والمهن القانونية والقضائية، أن الاحتفاء بمرور العقد الثالث على صدور مدونة التجارة يجسد مسار التحديث القانوني الذي واكب التحولات الاقتصادية في المغرب. وأشارت الكلمة إلى أن الوزارة حرصت على تحديث المنظومة القانونية المرتبطة بالمجال الاقتصادي بهدف دعم مناخ الأعمال وتعزيز جاذبية الاستثمار، حيث استعرضت إطلاق الورش المتعلق بتحديث أحكام الشيك والأوراق التجارية، والعمل على استكمال التنزيل لمقتضيات الكتاب الخامس لمدونة التجارة عبر إصدار النصوص التنظيمية اللازمة التي تشمل تحديد مهام السنديك وأتعابه، بالإضافة إلى المشروع الخاص برقمنة مساطر صعوبات المقاولة لتبسيط الإجراءات وتأمين السرعة في البت في الملفات.
وبدوره أشاد السيد محمد غاشي، رئيس جامعة محمد الخامس، في كلمة ألقاها السيد محمد بنحمو بالنيابة، ببرنامج الندوة التي تضع موضوع القضاء التجاري في موقعه الحقيقي في قلب العلاقة بين العدالة والاقتصاد وبين الأمن القانوني والاستثمار. وأشار إلى أن إحداث المحاكم التجارية شكل اختيارا مؤسساتيا مهما قوامه التخصص والنجاعة، حيث راكم هذا القضاء تجربة متميزة في معالجة المنازعات وتطوير الاجتهاد القضائي وتعزيز الثقة في الاقتصاد وجاذبية الاستثمار. كما أبرزت الكلمة الدور المحوري للجامعة من خلال كلياتها الثلاث في مواكبة هذا النقاش عبر إعداد أجيال من القانونيين، وتوفير فضاء لتحليل النصوص وتقييم التجارب بقراءة علمية تجمع بين المعطى القانوني والتحليل الاقتصادي.
من جهتها شددت السيدة حليمة بنسودة، نائبة عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، في كلمة ألقتها بالنيابة عن عميد الكلية السيد حسن زويري، على أن العدالة التجارية أصبحت اليوم أحد المؤشرات الأساسية لقياس جاذبية مناخ الأعمال وقدرة الدول على استقطاب الاستثمار الوطني والأجنبي. مشيرة إلى أن المقاولة يصعب عليها أن تزدهر في غياب قضاء متخصص وناجع وسريع، يضمن حماية الحقوق وتنفيذ الالتزامات وتسوية النزاعات في آجال معقولة. كما أشادت المتحدثة بالدور الذي يقوم به المجلس الأعلى للسلطة القضائية لتعزيز مكانة القضاء التجاري كآلية فعالة وعصرية لتحقيق التوازن بين متطلبات الاستثمار والعدالة تماشيا مع التوجيهات الملكية السامية.
وتمتد أعمال هذه الندوة على مدى يومين، حيث تسعى إلى فتح نقاش معمق يتقاطع فيه البعد الأكاديمي بالقضائي والاقتصادي؛ وتناقش في الجلسة الأولى موضوع « القضاء التجاري والأمن القانوني وجاذبية الاستثمار » عبر تدارس دور القضاء في تحسين مناخ الأعمال، وإسهامات الاجتهاد القضائي، وأهمية الأمن القانوني والرقمنة في تعزيز التنافسية والقدرة على التوقع. وتتمحور الجلسة الثانية حول « حكامة المقاولات ومعالجة الصعوبات »، مع التركيز على آليات الوقاية من صعوبات المقاولة، ومسؤولية المسيرين في منازعات الشركات، ومدى فعالية المساطر الجماعية لحماية النسيج الاقتصادي. وتُختتم أشغال الندوة بـالجلسة الثالثة التي تسلط الضوء على « الوسائل البديلة لفض المنازعات والفعالية الاقتصادية »، من خلال قراءة في واقع وآفاق التحكيم والوساطة في المنازعات التجارية، وتكاملها مع قضاء الدولة، بما يسهم في تكريس ثقافة التسوية الودية للمنازعات.
