الجيل الصحراوي الجديد في تندوف بين الانتصار للوحدة.. والانتصار للسلام.

الجيل الصحراوي الجديد في تندوف بين الانتصار للوحدة.. والانتصار للسلام.
شارك

ابراهيم اعمار:

لا يمكن فهم التحولات العميقة التي تشهدها مخيمات تندوف اليوم دون الإقرار بالمنعطف الذي شكلته مبادرة الحكم الذاتي المغربية. فبعد نصف قرن من الجمود، بدأ جيل صحراوي جديد، نشأ تحت سطوة العسكر الجزائري، يعلن مراجعة شجاعة لتجربة الانفصال. جيل اكتشف أن أطروحة البوليساريو لم تمنحه سوى المعاناة، بينما على مرمى حجر منه تُبنى مدنٌ تحولت إلى بوابات دولية بين الرمال.

هذا الوعي الجديد لا ينطلق من فراغ؛ فهو يجد سنده في التاريخ والجغرافيا والامتداد الطبيعي للصحراء، ويستند قانونياً إلى الشق الأول من رأي محكمة العدل الدولية لسنة 1975، الذي أقر بوجود روابط البيعة القانونية بين القبائل الصحراوية وسلاطين المغرب. كما يتقاطع مع روح ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على « الحكم الذاتي » كصيغة لتقرير المصير، دون أن يفرض الاستفتاء كطريق حصري.

داخل هذا الجيل، يتبلور مساران بارزان، مختلفان في التكتيك، موحدان في الهدف: الخروج من مأزق الانفصال.

المسار الأول: المنتصرون للوحدة ولمّ الشمل

هؤلاء هم العائدون إلى أرض الوطن، الذين استجابوا للنداء الملكي « إن الوطن غفور رحيم ». ما كان حالات فردية معزولة في التسعينات، تحول اليوم إلى ظاهرة متنامية. أكثر من 18 ألف عائد منذ 1991، وتيرة تسارعت في السنوات الأخيرة لتشمل قيادات سياسية وعسكرية وازنة كانت في قلب البوليساريو.

العودة لم تعد مغامرة في المجهول، بل مسار مؤطر. الدولة المغربية وضعت برنامج إدماج شامل: 

** قانونياً: تسوية الوضعية الإدارية، بطاقة وطنية، جواز سفر، وعفو عن المتابعات.

   *اجتماعياً: سكن، لمّ شمل عائلي، ودعم للاندماج.  

 *اقتصادياً: إدماج في الوظيفة العمومية، قروض لخلق المقاولات، وأراضٍ فلاحية.

 *سياسياً: تمكين العائدين من المشاركة في تدبير شأنهم المحلي. كثير منهم اليوم رؤساء جماعات وبرلمانيون ومنتخبون وسفراء.

 نماذج مثل مصطفى سلمى امربيه آد، اللذان اختُطفا في تندوف لأنهما دافعا عن الحكم الذاتي، وصارا اليوم اصواتاً بارزة من الرباط، تختزل هذه القصة. هؤلاء اختاروا طي صفحة الانفصال نهائياً والالتحاق بوطنهم الأم، في دليل على أن الوحدة الوطنية أقوى من نصف قرن من الدعاية.

المسار الثاني: المنتصرون للسلام والاندماج من الداخل

إذا كان المسار الأول هو « الحسم »، فالمسار الثاني هو « التمهيد ». ويمثله تيار سياسي وُلد من رحم المعاناة داخل المخيمات نفسها: « حركة صحراويون من أجل السلام »، التي أسسها الحاج أحمد بارك الله سنة 2020.

هذه الحركة كسرت جدار الصمت. لأول مرة، يخرج صوت صحراوي من قلب تندوف ليقول علناً:

 1. كفى متاجرة بمأساة ساكنة المخيمات في بورصات العالم.

 2. كفى تحويلنا إلى ورقة لخدمة أجندات يصنعها العسكر الجزائري. 

 3. نريد حلاً سلمياً واقعياً: حكم ذاتي مؤطر دستورياً، يضمن تدبير الشأن المحلي بكرامة، ويكرس عدالة مجالية وتنموية تحت سيادة الوطن الأم  انجازاتها ليست رمزية. فقد فضحت الفساد في تحويل المساعدات الإنسانية، وطالبت بإحصاء ساكنة المخيمات، ورفعت صوتها في جنيف والأمم المتحدة. الأهم أنها نسفت أسطورة « الإجماع الصحراوي » حول الانفصال داخل تيندوف التي كانت تروج لها الجزائر والبوليساريو.

 اليوم، المجتمع الدولي يتحدث عن « تعدد التمثيليات »، وصار يعرف أن هناك صحراويين في تندوف يريدون الحكم الذاتي.

بين المسارين: وعي جديد يهزم الأطروحة بالواقع

المساران ليسا متناقضين، بل متكاملان. « حركة السلام » تكسر الخوف وتقنع الناس بوجود بديل. « مسار العودة » يلتقط هؤلاء المقتنعين ويمنحهم أفقاً عملياً للاندماج.

الجيل الجديد في تندوف يعيش المفارقة يومياً: خطاب الانفصال يبث في المخيم، بينما يرى عبر هاتفه جامعات ومستشفيات وموانئ ومشاريع طاقة ريحية تُبنى في العيون والداخلة وبوجدور والسمارة. يرى مدناً صارت تستضيف منتديات أفريقية وتصدر الطاقة النظيفة لأوروبا. هذا الواقع الاقتصادي هو الذي يهزم الأطروحة الانفصالية، أكثر من أي خطاب سياسي.

إن الوعي الذي يتبلور اليوم في تندوف هو وعي ينتصر للوحدة حيناً، وللسلام حيناً آخر. لكنه في الحالتين معاً يتطلع إلى هدف واحد: الخروج من سجن جغرافي وسياسي فُرض عليه منذ نصف قرن، والدخول في أفق إنساني وسياسي أكثر واقعية واستقراراً.

لم تعد مبادرة الحكم الذاتي مجرد مقترح مغربي. لقد تحولت إلى مطلب يتصاعد من داخل المخيمات نفسها، يرفعه جيل يريد أن يعيش بكرامة، يدبر شأنه المحلي، وينتمي إلى امتداده الطبيعي. جيل قرر أن يبني المستقبل بدل أن يبقى رهينة للماضي.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *