لا شيء يعجبني… لذلك لن أتوقف عن الكتابة..
ابراهيم اعمار:
إذن، سأتوقف عن الكتابة وأقطع شرايين حبري، وأتركها تنزف خيبات ظن وأمل الناخبين في التنزيل السليم للأوراش التنموية الكبرى التي رصدت لها الدولة ميزانيات ضخمة.
لا شيء عاد يعجبني.
لا شيء هي الكلمة التي تقول كل شيء، بعد أن ركب بعض المنتخبين هفوة « القبيلة » لتسويق « وطنية الارتزاق ومواطنة الابتزاز ».
لا شيء عاد يعجبني في تدبير بعض المنتخبين بجهة الداخلة للمال العام، الذين لا يفهمون الوطنية إلا بوصفها مطية للاغتناء في سوق النخاسة السياسية. الذين يرون الكرسي غنيمة، والمواطن سُلما، والفقر والمرض سلعة انتخابية تشترى بالوعود وتباع بالنسيان.
إذن، سأتوقف عن الكتابة وأقطع شرايين حبري، وأتركها تنزف خيبات ظني وأملي في التدبير السليم للشأن المحلي بهذه الجهة.
لكن قبل أن أتوقف، لدي سؤال لمرضى صور الخيال في الذهن:
لا تعلمون أن صوت المواطن البسيط الذي تتاجرون بفقره ومرضه، هو من منحكم الثقة للجلوس على كراسي تدبير الشأن العام المحلي؟
منحكم ثقته ليستيقظ على طريق معبدة، لا على وعود معبدة.
منحكم صوته ليرى مستشفى يعالج، لا شركات توقع للإثراء.
منحكم صوته لتدبروا شأنه، لا لتدبروا شأن أرصدتكم البنكية.
لقد حولتم تدبير المؤسسات إلى تدوير: تدوير للمناصب، وتدوير للصفقات، وتدوير لخيبتنا، مع أن مسؤولية التدبير شرف وليس غنيمة.
وحولتم خدمة الوطن من عقد انتماء، إلى عقد ازدراء.
يا سادة،
خدمة الوطن ليست نشيدا ترددونه على المنصات، ثم تخونونه في الصفقات.
المواطنة ليست بطاقة تصويت تستجدونها كل خمس سنوات، ثم تمزقونها بسوء تدبيركم للمال العام.
إن أخطر ما في الأمر ليس فسادكم، بل تطبيعنا معه. أن نصل إلى « لا شيء يعجبني » ونصمت. أن نقطع شرايين الحبر ونغادر.
لذلك، قررت ألا أقطعها.
سأترك حبري ينزف، نعم، لكن على هذه الصفحة.
سأنزف أسماء المشاريع المؤجلة، وأرقام الميزانيات الضائعة، ووعود الحملات المنسية.
سأنزف حتى يصبح نزيف الحبر شاهدا، وحتى تصبح « لا شيء يعجبني » تهمة تلاحقكم في صناديق الاقتراع القادمة، لربط المسؤولية بالمحاسبة.
لأن المواطن البسيط قد يسامح في الخبز، لكنه لا يسامح في المصلحة الوطنية.
وقد يصبر على المرض، لكنه لا يصبر على من تاجر بمرضه.
إذن، لن أتوقف عن الكتابة.
سأكتب حتى تصبح « لا شيء يعجبني » هي الجملة التي تقولونها أنتم، عندما يسحب منكم المواطن كرسيه، ويدعوكم أمام القضاء للمساءلة عن مال الشعب.
