اليسار المغربي بين ضرورة التجديد وافاق إعادة البناء
محمد العربي النبري:
اليسار في المغرب اليوم واقف في مفترق طرق. اما ان يجدد نفسه ويبقى فاعلا. مؤثرا في العمل السياسي، او يبقى يردد شعارات الماضي ويختفي. في الانتخابات الأخيرة تراجعت الاحزاب اليسارية بشكل كبير مما يفيد ان المواطن وخصوصا الشباب لم يعد يرى في احزاب اليسار عنوانا للنضال والاحزاب نفسها لم تستطيع تجديد خطابها للتواصل مع الشباب بلغتهم..
لقد تغيرت ساحة الصراع فلم تعد المعركة معركة رأسمال وشغيلة بشكلها التقليدي (مواجهة الباطرونا والطبقة العمالية داخل المصنع ) في الواقع الحالي والمستقبلي الوجود للمصنع فرب العمل غير معروف .. اوقات العمل غير محددة!؟ وبالتالي لا حديث عن حق العامل في ضمان اجتماعي او تحديد اوقات العمل ولا جدوى من تنظيم وقفات احتجاجية أمام المعمل او اعلان عن اضراب عن العمل او على بيان نقابي او حزبي.
المغرب يعيش قضايا كبرى اجتماعية حقوقية وسياسية وبيئية : عطالة حاملي الشواهد العليا .غلاء المعيشة. المناخ الرقمنة.الهجرة. الحريات الفردية .الذكاء الاصطناعي العمل عن بعد … كلها قضايا واشكالات تجاوزت الخطاب اليساري الكلاسيكي. مما نتج عنه صعود خطاب جديد..
الاسلام السياسي النيولبرالية . خطاب اللامبالاة والشعبوية وزواج السلطة والمال. تحالف الأصولية المخزنية والاصولية الدينية. والتسويق المغلوط لمفهوم الدولة الاجتماعية؛ كل هذه الخطابات الملغومة وغيرها اخذت مساحات كبيرة في الحقل السياسي، في حين أنزوى اليسار وغيب نفسه عن حلبة الصراع الحقيقية.. فظل منكمشا في برجه العاجي دون تجديد لمفاهيمه ومواقفه لمواكبة التحولات الجيوسياسية وقضايا العصر الجديدة المتعددة. فعوض ان يتواجد في قلب نقاش الحاضر المزرى، المستقبل المخيف بأبيات جديدة متجددة بقي هم قيادته الوطنية حراسة تراث الماضي والتشبث بكرسي القيادة التنظيمية، وتهميش واقصاء الكفاءات المناضلة والممانعة التي تخالف طريقة تدبير القيادة للتنظيم الحزبي. (غياب الديمقراطية الداخلية طرد. المناضلين)
ان عدم تجديد الفكري اليساري وعدم تكييف آلياته النضالية والترافعية مع المستجدات المرتبطة بنوعية الخطاب المبني على. الرقمنة والذكاء الاصطناعي بعلاقة مع الهوية الوطنية بما فيها، اللغة الدين والثقافة، وما يتطلبه المجتمع من توفير تعليم ديمقراطي يلبي حاجات البلاد في الشغل، وصحة، تضمن الحق في الولوج للمرفق الصحي العمومي بالمجان وتكافؤ الفرص بين المواطنين والمجالات. هو نتيجة حتمية تتمظهر في تنامي أزمة الثقة والعزوف:
ففي انتخابات 2021 بلغت نسبة المشاركة 50.35٪ حسب وزارة الداخلية وفي صفوف الشباب 18-35 سنة نزلت لأقل من 30٪ وحسب استطلاع « مؤسسة هانس سايدل » 2022 الاحزاب التي تعتبر نفسها ضمن الاحزاب اليسارية حصلت مجتمعة على 41 مقعدا من اصل 395 في 2021 مقابل 95 مقعدا في انتخابات 2011 اي تراجع بأكثر من 56٪في عشر سنوات .
وحسب استطلاع arab barometre « البارومتر العربي »2023: 67٪ من المغاربة لا يثقون في الاحزاب السياسية. و54٪ يعتبرون أن « جميع السياسيين » فاسدون.
كما أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات 2022 يشير الى ان 82٪ من تمويل الاحزاب يأتي من الدعم العمومي بينما في الحملات الانتخابية تتجاوز ذلك ب 3 مرات ويأتي من جهات مجهولة .
حسب تقرير 2023 حول هجرة الكفاءات الصحية لمنظمة للصحة العالمية اكثر من 14 الف طبيب و5.7 مليون مواطن في الخارج وفي المقابل 35٪ من الشباب عاطل.
بكل بساطة يسار القرن 20 وما قبله لا يمكنه الحوار على اسئلة القرن 21 وما بعده. والتجديد ليس رفاهية. مسألة بقاء والا سنبقى متحفا دون التأثير في مخيال الأجيال الصاعدة..ان تجديد اليسار يستلزم في الظرف الحالي مداخل متعددة أهمها:
1/ مدخل الخطاب: يعني الانتقال من لغة المفاهيم والتنظير المحض (البيانات وصناعة القرار والمواقف داخل المقرات في جولات ماراتونية والحديث عن « النضال الطبقي » « والامبرىالية » إلى لغة العصر لغة الشباب والرقمنة ويربط الحرية والكرامة. والكرامة بالخبز والخبز بالعدالة
2/مدخل القضايا: من المصنع الى الشارع الى الأنترنيت.
في عصرنا تتسارع الاحداث وتتنامى قضايا الشعوب لتتخذ اشكالا جديدة لتوسع الصراع وتتعدد اطرافه مما يحتم على اليسار ان يتبناها، قضايا المناخ والبيئة الماء. الجفاف، الطاقة كل هذه قضايا طبقية. ( طبقة تحترم البيئة لتستفيد منها طبقة أخرى ). هذا يقتضي الانتقال من شعار الحفاظ على البيئة. الى رفع شعار العدالة البيئية….
الرقمنة والذكاء الاصطناعي: علاقة العمل. الخصوصية البطالة التكنولوجية الحريات الفردية، هجرة الأدمغة. الهروب الجماعي من الوطن .
3/،مدخل التنظيم ضرورة الانتقال من صيغة الزعيم الى تنظيم الشبكة التنظيمي. مما يحتم على اليسار المغربي تجديد وسائله وهياكيله التنظيمية والانفتاح على المقاولات الصغرى الواقعية والافتراضية والتواجد الفعلي في مدارس الحراكات الاجتماعية والاستفادة من القوى اليسارية الشبابية خصوصا الجامعية منها . فالقوة في الشارع وليس في المقرات الحزبية
4/ مدخل الاقتراح عوض النقد فقط. المواطن يريد برامج فعلية بديلة قابلة للتنزيل، وليس الاقتصار على النقد.
تجديد الفكر اليساري يحتم القطيعة مع الماضي العقيم وهي ليست نكران التاريخ بل هي نكران الاخطاء هي قطيعة مع ثقافة الزعيم الابدي والقرارات الفوقية. وبدون مراجعة نقدية تغيب شجاعة طلب الثقة من المواطن من جديد .
تجديد الاليات يطالب من الاحزاب اليسارية اكثر من اي زمن مضى تحقيق المعادلة والتي هي:
تجديد اليسار = قطيعة مع الماضي+ قراءة الواقع+ جرأة الاقتراح.
