المقدَّس المُختطَف: قراءة سياسية في توظيف عالمي.
بقلم، محمد خوخشاني.
تمهيد: حقيقة قديمة قدم المجتمعات البشرية.
ثمَّة حقيقة تاريخية قديمة قدم المجتمعات البشرية: ليس هناك أخطر من فكرة صائبة حين تُحرف لخدمة قضية سيئة. وهذا التحذير، الذي يضعه نصّ (أ. هـ) في صدارة مقاله، يجد صدًى خاصاً حين يتعلق الأمر بالدين. إذ حين تصبح العقيدة، التي من شأنها تقريب الناس، أداة لتفرقتهم، تتوقف عن كونها طريقاً إلى السلام لتتحول إلى قناع للخصومة.
هذه الظاهرة ليست عارضاً في التاريخ، ولا هي حكرٌ على حضارة أو دين بعينه. بل هي نتاج آلية سياسية محددة: اغتصاب الشرعية العليا لخدمة طموحات دنيوية. ما يسعى هذا المقال إلى استكشافه هو أشعةٌ (راديوغرافية) شاملة لهذه العملية، في ضوء أعمال ابن خلدون، ومعطيات العلوم السياسية المعاصرة، والأمثلة التاريخية التي تملأ ذاكرتنا الجمعية، سواء أكانت صادرة من العالم الإسلامي، أم اليهودي، أم المسيحي.
أولاً: الآلية الأساسية: اغتصاب الشرعية الإلهية
1.1 القفزة الإبستمولوجية: من السياسي إلى المتعالي.
تكمُن النقطة العصيبة في نصّ (أ. هـ) في التمييز بين عبارة «أريد السلطة» وعبارة «أريد السلطة باسم الله». وهذا الفرق ليس لغوياً؛ إنه أنطولوجي. فالوصول إلى السلطة المطلقة لا يتطلب القوة أو المكر فحسب، بل يتطلب امتلاك الشرعية القصوى. فبإرساء إرادته في السماء، يخرج المتلاعب من حقل التاريخي المُشترط (الكونتينجنت)، ولا يعود يحكم بعقد اجتماعي، بل بمرسوم إلهي. هذا هو أساس الثيوقراطية (حكم رجال الدين): إذ لا يصبح الحاكم مسؤولاً أمام الشعب، بل أمام جهة يدّعي أنه الوحيد القادر على تفسيرها. وهكذا تصبح السلطة منيعة لأنها مُقدَّسة.
أظهرت دراسة نُشرت في مارس 2023 في Journal of Economic Growth للباحثين جانيت سايندينغ بينتزين وغونيش غوكمن، حللت 1,265 مجتمعاً ما قبل حديث و176 دولة معاصرة، نتائج بليغة: فالمجتمعات التي لجأت تاريخياً إلى «الشرعية الإلهية» للسلطة هي اليوم أكثر استبداداً، وسكانها أكثر تديناً. وخلص الباحثان إلى أن «الشرعية الإلهية لتركيز السلطة في أيدي مجموعة صغيرة جداً قد تدعم استمرار الاستبداد، لأن هذه المجموعة الصغيرة تتلقى تفويضها من الأعلى، وبالتالي لا يتعين عليها استشارة الشعب».
1.2 الدين كأداة للسيطرة: معطيات رقمية.
تُؤكد دراسة تحليلية شاملة (ميتا-أناليز) أجرتها بريهان غوزوم ونُشرت في 2026 بمجلة Agathos هذا التوجُّه بدقة إحصائية لافتة. إذ كشفت الدراسة أن الخطابات الدينية في الأنظمة الاستبدادية تعزز شرعية النظام بأثر إجمالي قدره 0.42، وتوطد التكامل البيروقراطي بـ 0.36، وتسهم في تقييد المعارضة بـ 0.51. بعبارة أخرى، الدين ليس مجرد زينة رمزية للسلطة الاستبدادية؛ بل هو ترسٌ آليٌّ جوهري فيها، وآلية تحكم فعلية.
تعطي هذه الأرقام اتساقاً تجريبياً لما وصفه (أ. هـ) بقلمه الحاد: «لم نعد نناقش الأفكار: بل نتهم. لم نعد ندحض الحجج: بل نحكم. لم نعد نسعى للإقناع: بل نستبعد.» فالعقل، في الواقع، ديمقراطي: فهو يدعو إلى التمحيص والبرهان والإجماع. وبإعلان السؤال إهانةً لله، يُرسي الطاغية ما يسميه الفلاسفة «الإرهاب الذاتي»، حيث يصبح كل فرد حارساً لأرثوذكسية الآخر. ولم يعد الصمت اختياراً، بل شرطاً للبقاء. وهكذا تنحط العقيدة التي ترفع الإنسان إلى مرتبة قفل فكري.
ثانياً: ابن خلدون والعصبية المعكوسة: درسٌ لعصرنا.
2.1 العصبية: إسمنت الحضارات.
رأى ابن خلدون في مقدّمته (1377) في «العصبية» ـ أي التضامن الجماعي والتماسك الاجتماعي وروح الجماعة ـ المحرّك الأساسي لصعود الدول. فليس هناك إمبراطوريات شاسعة وقوية إلا حين تُدعم هذه العصبية بدين جامع يضمن وحدة المشروع، ويُضفي ديناميكية وروح التضحية في تنفيذه. فالدين، من هذا المنظور، عامل تجميع وملاط اجتماعي.
2.2 الآلية المعكوسة: التشرذم المجتمعي.
لكن ما يصفه (أ. هـ) هو الآلية المعكوسة: فالمتلاعب لا يخلق رابطاً اجتماعياً، بل يقطعه. فبتحويل الخصم إلى «كافر» والنقاش إلى «معركة مقدسة»، يقوم بتفتيت المجتمع. لماذا؟ لأن السلطة المطلقة تنفر من الفراغ السياسي، لكنها تعشق الخوف. فباستحداث عدوٍّ داخلي (هو الذي يشكّ)، تبرر سلطةً بلا حدود. فالمجتمع لا ينهار تحت القنابل، بل بتآكل ثقته الداخلية، تماماً كما تنبأ المؤرخ العربي قبل سبعة قرون.
تُؤكد البحوث المعاصرة هذه القراءة الخلدونية. وتشير دراسة حول توظيف الدين في الأنظمة الاستبدادية إلى أن آثار السيطرة تكون قوية بشكل خاص في الشرق الأوسط وفي السياقات التي يكون فيها الدين مؤسسياً بقوة. فيصبح التشرذم المجتمعي أداةً للحكم: فرِّق تسد، مع تقديس التفرقة.
ثالثاً: دراسات حالة: ثلاثة أوجه لتوظيف الدين في العالم الإسلامي.
3.1 إيران: الثيوقراطية المطلقة.
تشكّل إيران المثال الأكثر اكتمالاً لهذه الآلية في العالم المعاصر. فمنذ ثورة 1979، يحكم البلاد نظام ثيوقراطي فريد من نوعه: إذ يوجد برلمان ورئيس منتخبان من الشعب، لكن كل السلطة تتركز في يد شخصية واحدة هو «المرشد الأعلى»، الذي لا يكاد يعرف سلطةً رقابية.
فهو في آن واحد رئيس الدولة والسلطة الدينية العليا. يقود القوات المسلحة، ويعين رئيس السلطة القضائية ومدير الإذاعة والتلفزيون الرسمي. وكما لخصه أحد صحفيي الـ BBC، «هذا كأن يكون لديك ملك آخر، لكنه ملك ديني». وعواقب هذا الخلط بين المجالين مذهلة. كشفت دراسة نُشرت في Perspectives on Politics أن نسبة الإيرانيين الذين يعتبرون أنفسهم «متدينين جداً» انخفضت من 35% إلى 20% في ظل الجمهورية الإسلامية. فالثيوقراطية، بدلاً من تعزيز الإيمان، تُضعفه. وقد أعرب المعارضون الإسلاميون منذ عقود عن قلقهم من أن دمج المؤسسات الدينية والدولية يحد من الاحترام للدين. ومع ذلك، يستمر النظام: فقد خلف المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، والده علي خامنئي في 2026، مُداماً سلالة ثيوقراطية.
3.2 حزب الله وحماس: الدين كقناة لحرب بالوكالة.
يجسّد حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية وجهاً آخر لهذا التوظيف: الدين كإيديولوجية تعبئة مسلحة ومقاومة، في خدمة أجندات إقليمية. تأسس حزب الله عام 1985 بدعم إيراني، وبنى نفسه حول إيديولوجية شيعية تدمج محاربة إسرائيل، والدفاع عن المظلومين، والطاعة للمرشد الأعلى الإيراني. وقد كثّر أمينه العام حسن نصر الله من الخطب التي تُصوّر الجهاد والاستشهاد كفضائل قصوى، مبرراً التدخل العسكري خارج الحدود اللبنانية، لا سيما في سوريا والعراق.
أما حماس، المنبثقة عن الإخوان المسلمين، فقد أدرجت في ميثاقها التأسيسي (1988) قراءة حرفية للقرآن، داعيةً إلى تدمير إسرائيل ومصوّرة الصراع كمعركة دينية أبدية. ورغم محاولة ميثاق 2017 تليين الخطاب، إلا أن الحركة لا تزال تبرر أعمالها المسلحة بمراجع قرآنية، محولةً كل دورة عنف إلى «معركة مقدسة». في كلتا الحالتين، يصبح الدين خزاناً للشرعية لأفعال سياسية وعسكرية كانت، لولا هذه المسحة الإلهية، معرّضة للنقد العقلاني.
3.3 تنظيم الدولة الإسلامية (داعش): الدين كآلة حرب.
إذا كانت إيران تمثل الثيوقراطية المؤسسية، وحزب الله يمثل الحرب بالوكالة، فإن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يجسّد النسخة الأكثر راديكالية وعنفاً في توظيف المقدس. مارست المنظمة سيطرة سردية شاملة عبر جهاز دعائي متطور، شمل مركز الحياة الإعلامي ووكالة أعماق.
استخدم داعش بشكل منهجي نصوصاً دينية مقتطعة من سياقها لتعزيز سلاسل القيادة الداخلية، مدعياً أن عدم اتباع أمر يبدو مدعوماً بهذه النصوص يشكل «إنكاراً أو استهزاءً بآيات القرآن». وبهذا، كفّر التنظيم شرائح واسعة من العالم الإسلامي، محولاً الإيمان إلى أداة تمييز وعنف. بلغ الإرهاب الذاتي الذي وصفه (أ. هـ) ذروته هنا: فالشك يصبح ردة، والردة تصبح إعداماً.
3.4 الفاتيكان: ثيوقراطية توافقية في المقابل.
على النقيض من الطيف، نجد الفاتيكان، الذي يُوصف غالباً بالملكية المطلقة والثيوقراطية. فالبابا يملك فيها جميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. لكن هذا النظام الثيوقراطي، رغم كونه مطلقاً هيكلياً، لا يعمل كأداة قمع. فبأقل من 2000 شخص لإدارة أكثر من 1.3 مليار كاثوليكي في العالم، فإن سلطة البابا «نسبية جداً».
هذه المقارنة مفيدة: فهي تظهر أن الثيوقراطية ليست بالضرورة مرادفة للاستبداد. ما يُحدِث الفارق هو الإرادة أو عدمها في فرض رؤية واحدة بالقسر. وكما يلاحظ (أ. هـ): «المتدين المخلص يقرّب الناس؛ والمتلاعب الديني يفرّقهم». فالفاتيكان، رغم طابعه المطلق، لم يجعل الحرمان الكنسي أداة حكم عادية، ولا جعل من الحملات الصليبية مبدأ للسياسة الخارجية.
رابعاً: المرآة ذات الانعكاسين: توظيف اليهودية في إسرائيل.
4.1 «إسرائيل الكبرى»: حين تصبح التوراة غطاءً توسعياً.
إذا لم يكن التوظيف السياسي للدين حكراً على دين معين، فإنه يجد في إسرائيل تعبيراً لا يقل راديكالية عما رأيناه في إيران أو حزب الله. فمفهوم «إسرائيل الكبرى» (إيريتز إسرائيل هاشليما) ـ الذي يشير إلى دولة يهودية حدودها تطابق حدود المملكة التوراتية في زمن الملك سليمان ـ فرض نفسه في السنوات الأخيرة كمحرك أيديولوجي مركزي لليمين واليمين المتطرف الإسرائيليين.
يستمد هذا المشروع التوسعي جذوره من تفسير حرفي ومنزوع السياق للتوراة، ولا سيما الآية من سفر التكوين (15، 18) حيث يعد الله إبراهيم بالأرض «من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات». وهذا النقش الكتابي ليس عرضياً: فهو موجود عند مدخل الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، ويتخلل بعض البرامج التعليمية. بل إن جنوداً إسرائيليين يظهرون أحياناً على زيهم العسكري خرائط «إسرائيل الكبرى» التي تشمل الضفة الغربية وغزة وأجزاء من لبنان والأردن وسوريا والعراق وحتى مصر.
4.2 أصوات سياسية على وقع الثيوقراطية.
في 12 أغسطس 2025، صرّح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومعه خريطة، بأنه يشعر «بالانتماء الشديد» لرؤية إسرائيل الكبرى وأنه مُكلَّف بـ«رسالة تاريخية وروحية». وهذا الموقف ليس معزولاً. فبتسلئيل سموتريتش، وزير المالية ورئيس حزب الصهيونية الدينية، تحدث في 2023 أمام خريطة تضم الأردن والأراضي الفلسطينية، بينما ضاعف إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي آنذاك، تصريحاته المؤيدة للضم الكامل.
يجسد هؤلاء الشخصيات تياراً سياسياً يدمج الآن الدين والقومية والاستيطان والحرب. حوالي 22% من السكان اليهود في إسرائيل يعرّفون أنفسهم بالحركة الصهيونية الدينية ويدعمون طموحاتها الاستيطانية، و15% من السكان اليهود متقبلون لفكرة إسرائيل الكبرى ذاتها. هذه الأرقام، رغم أنها لا تمثل أغلبية، تعطي لهذا التيار ثقلاً سياسياً حاسماً في نظام الائتلافات الإسرائيلي.
4.3 السيطرة التدريجية على المؤسسات.
تكمن أصالة الظاهرة الإسرائيلية في أسلوبها: فعلى عكس حماس أو حزب الله، اللذين يعملان جزئياً خارج الدولة أو ضدها، يقوم اليمين الديني الإسرائيلي بتحويل الدولة من الداخل، عبر صناديق الاقتراع والائتلافات البرلمانية. تزداد الأحزاب الدينية القومية (شاس، يهودية التوراة المتحدة، الصهيونية الدينية، عوتسما يهوديت) ثقلاً في السياسات العامة: الفصل بين الجنسين، التمويل الضخم للمدارس الدينية، السلطة الحاخامية المتزايدة، وفوق كل شيء، تصور السيادة الإقليمية كتحقيق لوعد إلهي.
بالنسبة للفلسطينيين، ليس هذا الانحراف مجرد تغيير في النبرة: فهو يحول تفوقاً عرقياً-قومياً قائماً إلى نظام ديني يصبح فيه الاستيطان خلاصاً. فعمليات هدم القرى البدوية في النقب، ورفض منح المدن العربية نفس حقوق التوسع الممنوحة للمدن اليهودية، والاستيطان في الضفة الغربية، باتت تُبرَّر اليوم ليس فقط بحجج أمنية، بل بقراءة دينية للأرض.
خامساً: تماثل الآليات: مقارنة بلغة النص.
تكشف مقارنة الحالتين ـ التوظيف الإسلامي في إيران وحزب الله وحماس، والتوظيف اليهودي الذي يحمله اليمين الإسرائيلي ـ عن تطابق بنيوي مذهل، رغم اختلاف المفردات اللاهوتية والسياق الجيوسياسي. ففي كلا العالمين، يُنتزع النص المقدس ـ التوراة من جهة، والقرآن من جهة أخرى ـ من بعده الروحي ليُحوَّل إلى غطاء إقليمي وسياسي. فالوعد المقطوع لإبراهيم، عند هؤلاء، يصبح أساساً للتوسع نحو الفرات؛ وأمر الجهاد أو المقاومة، عند أولئك، يصبح مبرراً لحرب لا نهاية لها ضد المحتل أو الكافر.
تشترك الشخصيات السياسية التي تحمل هذه الخطابات ـ نتنياهو، سموتريتش، بن غفير في إسرائيل؛ والمرشد الأعلى الإيراني، نصر الله، وقادة حماس ـ في رد الفعل ذاته: فهم يقدمون طموحاتهم ليس كخيارات طارئة، بل كتنفيذ لمخطط إلهي. وهم يضعون أنفسهم كالمفسرين الوحيدين للإرادة السماوية، مما يمكنهم من تشويه أي معارضة مسبقاً باعتبارها تمرداً على الله نفسه. تختلف الوسائل ـ استيطان وضم من جهة، وإرهاب وحرب بالوكالة من جهة أخرى ـ لكن المنطق واحد: يصبح الدين ذريعة للغزو، وقناعاً للهيمنة.
العواقب على الإيمان نفسه متوازية أيضاً. ففي إيران، أدت ثيوقراطية السلطة إلى انخفاض التدين المعلن من 35% إلى 20%؛ وفي إسرائيل، تبتعد الشريحة الأصغر سناً والأكثر تعليماً من السكان اليهود تدريجياً عن اليهودية المؤسسية، سئمت من توظيف التوراة في خدمة مشروع قومي. في كلتا الحالتين، ينتج عن تقديس السياسة عكس ما هو مرجو: إذ يُفتت الحماسة الأصيلة ويُغذي تشككاً متزايداً تجاه السلطات الدينية.
وهكذا، تحت سماء مختلفة، وخلف نصوص مختلفة، نجد الإنسان ذاته: ذلك الذي، إذ يعجز عن الإقناع بالعقل، يفضّل الفرض بالوحي. التماثل تام، وهو يتهم، وراء الأديان، استمرارية إغراء بشري كوني.
سادساً: نقد داخلي في التقاليد الدينية.
من الضروري التأكيد على أن هذه التوظيفات ليست قراءات أصيلة أو إجماعيه للنصوص المقدسة. بل يُكافحها من الداخل أصوات دينية ولاهوتية.
في اليهودية، ندد الحاخام المناهض للصهيونية يوئيل تييتلباوم، زعيم السلالة الحسيدية ساتمار، طوال حياته بالصهيونية باعتبارها «تمرداً على الأوامر الإلهية»، معتبراً أن قيام دولة يهودية قبل مجيء المسيح هو خطيئة. ويشاركه العديد من الحاخامات الأرثوذكس غير الصهيونيين أو المناهضين للصهيونية في هذه القراءة، مذكرين بأن الوعد التوراتي مشروط بطاعة أخلاقية، وليس بشيك على بياض إقليمي.
وفي الإسلام، يدين العديد من اللاهوتيين ـ سواء كانوا سنة كشيخ الأزهر، أو شيعة معتدلين ـ الاستخدام السياسي للدين باعتباره خيانة لجوهره الروحي. ويذكرون أن القرآن يعلم حرية الضمير («لا إكراه في الدين»)، وأن الجهاد هو في المقام الأول جهاد النفس. فتوظيف داعش أو حماس أو النظام الإيراني هو إذن انحراف، وليس تقليداً.
هذا النقد الداخلي جوهري: فهو يثبت أن المشكلة ليست في الدين ذاته، بل في الإنسان الذي يستولي عليه لإشباع نزعاته السلطوية.
سابعاً: القاسم المشترك: الخوف والطموح والسلطة.
ما تكشفه هذه التوظيفات، سواء كانت يهودية أو إسلامية، هو استمرارية إغراء بشري كوني: استخدام السماء لتشرعنة طموحات أرضية. سواء تحدثنا عن «إسرائيل الكبرى» أو «الجمهورية الإسلامية»، وسواء رفعنا التوراة أو القرآن، فالآلية واحدة. لم نعد نناقش الأفكار: بل نتهم. لم نعد ندحض الحجج: بل نحكم. لم نعد نسعى للإقناع: بل نستبعد.
كما تذكر الأبحاث، فإن المجتمعات التي لجأت إلى التشرعنة الإلهية للسلطة هي اليوم أكثر استبداداً. فالعنف ليس علامة القدرة الإلهية، بل عرض لشرعية مهتزة. فالحاجة إلى القوة أو الترهيب أو الحرمان الكنسي هي اعتراف بوهن تلك السلطة.
وهكذا، وراء قناع «إسرائيل الكبرى»، لا نكتشف الله، بل الإنسان، بطموحاته الإقليمية، ومخاوفه الوجودية، وتعطشه للسلطة. وراء قناع «محور المقاومة»، نجد الإنسان ذاته، بنفس الشهوات. الخوف من الآخر، وكراهية الغريب، والرغبة في الهيمنة: هذه هي المحركات الحقيقية.
ثامناً: حل الدولتين: مرآة المسؤوليات ونافذة تغلق.
لا يمكن لتحليلنا لأقنعة الدين أن يتغاضى عن الواقع السياسي الملموس الذي يغذي الخطابات المتطرفة التي حللناها. فإذا كان الدين يُوظَّف بهذه السهولة في الشرق الأوسط، فلأن صراعاً على السيادة والإقليم لم يُحلَّ قط. فالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو الوقود الملموس الذي بدونه كانت خطابات حماس وحزب الله واليمين الإسرائيلي المتطرف ستفقد جزءاً كبيراً من تأثيرها على الضمائر. هذا ليس رأياً، بل خلاصة أثبتتها المنظمات الدولية والقانون.
8.1 مسؤولية إسرائيلية: الاحتلال كمصدر لعدم الاستقرار الهيكلي.
في 2025، بلغ توسع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية أعلى مستوى له منذ أن بدأت الأمم المتحدة متابعته في 2017. إن توسع المستوطنات، بما فيها في القدس الشرقية، ليس مجرد سياسة تهيئة إقليمية؛ بل يمثل العامل الرئيسي لعدم الاستقرار الهيكلي في المنطقة. فهو يعيق وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم، ويجزّئ حيزهم الحيوي، ويقوض بشكل غير قابل للإصلاح جدوى قيام دولة فلسطينية متصلة وسيادية.
حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من أن جدوى حل الدولتين تتآكل باستمرار وبلغت أخطر مستوى لها منذ أكثر من جيل. وأكد أن التوسع الاستيطاني المتواصل، والضم بحكم الأمر الواقع، وعمليات التهجير القسري، قد أوصلتنا بشكل خطير إلى نقطة اللاعودة. وقد أمرت محكمة العدل الدولية، في فتواها الاستشارية الصادرة في 19 يوليو 2024، إسرائيل بوقف أي نشاط استيطاني جديد ووضع حد لـ«وجودها غير القانوني» في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذه المسؤولية القانونية والسياسية باتت اليوم لا تقبل الجدل.
وهذا الوضع من القمع والحرمان المستمر هو بالضبط التربة التي ينبت فيها المتلاعبون الدينيون الفلسطينيون. فحماس لم تفرض نفسها في الأذهان بقوة حججها اللاهوتية وحدها؛ بل ازدهرت على اليأس الذي ولّده الاحتلال، والإهانة اليومية، وغياب الأفق السياسي. وبهذا المعنى، فإن سياسة الاستيطان وإدامة الوضع الراهن، التي يقودها اليمين الديني الإسرائيلي، تُغذّي موضوعياً التطرف الذي تدّعي محاربته. هذه هي الحلقة الأولى من المسؤولية الإسرائيلية: فبتقديس التوسع الإقليمي باسم التوراة، تجعل الحل السياسي مستحيلاً، وتُعزز بعنفها الخاص عنف خصومها.
8.2 مسؤولية فلسطينية: الرفض والإرهاب كذريعتين.
بالمقابل، يسهم توظيف الإسلام من قبل حماس والجهاد الإسلامي، وإلى حد ما من قبل السلطة الفلسطينية حين تستسلم لخطاب الشارع، في تأمين الصراع. فالميثاق التأسيسي لحماس عام 1988، الذي يدعو إلى تدمير إسرائيل ويصوّر الصراع كمعركة دينية أبدية، يشكل عقبة أيديولوجية كبرى أمام أي اعتراف متبادل.
وبجعل الإرهاب وإطلاق الصواريخ على المدنيين «مقاومة مقدسة»، تشرعن هذه التنظيمات في أعين أنصارها أفعالاً تُعتبر، في القانون الدولي، جرائم حرب. وبفعلها هذا، تقدم لليمين الإسرائيلي بالضبط الحجة التي ينتظرها: استحالة التفاوض مع محاورين ينكرون حق إسرائيل في الوجود ويستهدفون مدنييها. إن الرفض المستمر لبعض الفصائل بالاعتراف بدولة إسرائيل، مقروناً بتمجيد الاستشهاد وإنكار أي حل سلمي، يشكل القفل الثاني للمأزق. لا يتعلق الأمر بوضع المحتل والمحتَل على قدم المساواة الأخلاقية، بل بالاعتراف بأن التطرف من كلا الجانبين يعزز بعضه البعض في حلقة مفرغة.
8.3 الحل المكرس في القانون الدولي: اعتراف متبادل.
يبقى حل الدولتين ـ إسرائيل وفلسطين تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمان، على أساس حدود 1967، مع القدس عاصمة لكليهما ـ الإطار الوحيد الراسخ في القانون الدولي، والمُقَرّ في الجمعية العامة، والمدعوم من المجتمع الدولي. وهو حجر الزاوية لأي مخرج من الأزمة.
برز زخم دولي غير مسبوق في سبتمبر 2025: اعترف أكثر من 150 دولة بدولة فلسطين. واتخذت فرنسا والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا والبرتغال هذه الخطوة رسمياً. وقدّم الرئيس إيمانويل ماكرون خطة مفصّلة أمام الأمم المتحدة تتمحور حول اعتراف متبادل بدولتين: دولة فلسطين منزوعة السلاح تعترف بإسرائيل، ودولة إسرائيل تعترف بدولة فلسطين. يثبت هذا الزخم الدبلوماسي أن الإجماع الدولي متين، لكن الإرادة السياسية للفاعلين المحليين هي ما ينقص بشدة.
8.4 الرأي العام وفشل النخب.
معطيات الرأي العام، في هذا الصدد، بليغة ومُدينة لكلا الجانبين. في 2025، 27% فقط من الإسرائيليين يؤيدون حل الدولتين، بينما يعارضه 63%. أما على الجانب الفلسطيني، فيؤيده 33% ويعارضه 55%. تتناقض هذه الأرقام مع عام 2012، حيث كانت أغلبية الإسرائيليين (61%) تؤيده. واليوم، لا يزال إسرائيلي واحد من كل خمسة يؤمن بإمكانية التعايش السلمي مع دولة فلسطينية. هذا التآكل في التأييد الشعبي ليس وليد الصدفة؛ بل هو نتيجة مباشرة لعقود من الخطابات المشحونة، من كلا الطرفين، التي شيطنت الآخر وقدمت أي حل وسط كخيانة.
مسؤولية القادة هنا مباشرة. فبنيامين نتنياهو، بإعلانه في 2025 أنه يشعر «بالانتماء الشديد» لرؤية إسرائيل الكبرى، قد أقّر فعلياً بالتخلي عن الحل السياسي. ومن الجانب الآخر، ساهمت حماس، برفضها الاعتراف بإسرائيل ومواصلتها الاستراتيجية العسكرية، بنشاط مماثل في دفن هذا الاحتمال. فالمتلاعبون الدينيون، سواء كانوا يهوداً أو مسلمين، يتحملون مسؤولية تاريخية مباشرة في إفشال السلام: لقد حوّلوا صراعاً سياسياً قابلاً للحل في إطار التسوية إلى حرب لاهوتية غير قابلة للحل في إطار العقيدة.
8.5 غياب الحل السياسي كأمّ التوظيفات.
وهكذا، فإن عقدة المشكلة هنا: غياب الحل السياسي يسمح لمغتصبي المقدس بالازدهار. فالاحتلال يمنح المصداقية لمن يبشرون بالمقاومة المسلحة الأبدية. والإرهاب يمنح المصداقية لمن يبشرون بالتوسع الإقليمي الأبدي. كل طرف يستخدم تجاوزات الطرف الآخر لتبرير تجاوزاته، ويصبح الدين لغة هذا التبرير الأقصى.
أما حل الدولتين، في المقابل، فله فضيلة نزع فتيل القنبلة اللاهوتية بإعادتها إلى أرضية سياسية، قابلة للتفاوض وإنسانية. فهو يُلزم الإسرائيليين بالتخلي عن أسطورة «إسرائيل الكبرى»، والفلسطينيين عن أسطورة «التحرير الكامل». وهو يعيد لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله. لكن ذلك يتطلب أن يتحلى قادة من الجانبين بالشجاعة للنظر وراء القناع الديني، والاعتراف بأن ما يجري، وراء الوعود الإلهية، هو حياة ملايين الرجال والنساء، وحقهم في وجود هادئ.
تاسعاً: عواقب عالمية: حين يصبح الإيمان تمييزاً.
لا يقتصر توظيف الدين على ميادين القتال أو القصور الرئاسية. بل يتغلغل في المجتمعات، بما فيها الديمقراطيات الغربية، ويغذي تمييزاً يومياً.
كشف استطلاع حديث في فرنسا أن 7% من المستطلعين يصرحون بأنهم تعرضوا لتمييز قائم على الدين في السنوات الخمس الماضية، مقابل 5% في 2016. وتصل هذه النسبة إلى 34% لدى المسلمين أو من يُنظر إليهم كمسلمين، مقابل 4% للمسيحيين. فالدين، بتوظيفه في الخطابات السياسية، يصبح علامةً للإقصاء، ومعياراً للشبهة الجماعية.
تتعزز هذه الظاهرة بخطابات «صدام الحضارات» أو «حرب الأديان»، التي تجوهر الهويات وتحول كل مؤمن إلى ممثل محتمل لتهديد. والعقل، مرة أخرى، هو الضحية الأولى.
عاشراً: خاتمة: شجاعة النظر وراء كل الأقنعة.
دعانا نص (أ. هـ) إلى «النظر وراء القناع» للدين المُوظَّف. وهذه الدعوة تشمل كل الأديان وكل المعسكرات. وراء قناع «إسرائيل الكبرى»، لا نكتشف الله، بل الإنسان، بطموحاته الإقليمية، ومخاوفه الوجودية، وتعطشه للسلطة. وراء قناع «محور المقاومة»، نجد الإنسان ذاته، بنفس الشهوات.
لكن هذا التحليل للأقنعة يجب أن يرافقه الآن تحليل للمسؤوليات السياسية. فاحتلال الأراضي الفلسطينية هو السبب البنيوي للصراع؛ وهو التربة التي تنبت عليها الخطابات الأكثر تطرفاً. فالاستيطان، غير القانوني في القانون الدولي، يغذي اليأس والتطرف. وبالمقابل، فإن رفض بعض الفصائل الفلسطينية الاعتراف بدولة إسرائيل واللجوء إلى الإرهاب، يُبقيان على الخوف وإغراء الانكماش الهوياتي لدى الإسرائيليين. كلا الجانبين يتحمل جزءاً من المسؤولية في إدامة الصراع، والمتلاعبون الدينيون، من كلا الجانبين، هم المستفيدون الرئيسيون من هذا المأزق.
ويبقى حل الدولتين المخرج السياسي الوحيد الجدير بالثقة. وله فضيلة فصل السياسي عن اللاهوتي، وجعل الصراع قابلاً للتفاوض، ونزع سلاح الخطابات المسيانية. لكنه يتطلب من القادة ـ الإسرائيليين والفلسطينيين ـ أن يتخلوا عن أساطيرهم المؤسسة لاعتناق واقع براغماتي. ويتطلب أن يتحلوا بالشجاعة ليقولوا لشعوبهم أن السلام ليس وعداً إلهياً، بل تسوية إنسانية.
فالإيمان الحقيقي، سواء كان يهودياً أو مسيحياً أو إسلامياً، لم يحتج قط إلى الكراهية للبقاء. إنما هم البشر الذين احتاجوا أحياناً إلى الدين لتبرير طموحاتهم. المتدين المخلص يقرّب الناس؛ والمتلاعب الديني يفرّقهم. الأول يخدم عقيدته؛ والثاني يستخدم العقيدة.
لذا، فلنحذر من كل أولئك الذين يحولون كل خلاف إلى حرب، وكل خصم إلى كافر، وكل نقاش إلى معركة مقدسة ـ سواء استشهدوا بالتوراة أو القرآن، بالأرض الموعودة أو الجهاد، بالانتخاب الإلهي أو الحرب المقدسة. لأنه حين يصبح الدين قناعاً، يجب أن نتحلى بالشجاعة للنظر وراء القناع. فسنكتشف هناك دائماً، بلا استثناء، ليس الله، بل الإنسان، بطموحاته، ومخاوفه، وتعطشه للسلطة.
يعلمنا التاريخ مع ذلك أن الأديان لم تحتج قط إلى الكراهية للبقاء. إنما هم البشر الذين احتاجوا أحياناً إلى الدين لتبرير طموحاتهم. حان الوقت، لزماننا المضطرب، أن نرد لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله ـ دون خلط بينهما، ودون ترك الطموحين يصادرون المقدس لاستعباد الضمائر.
●○○●○○●○○●○○●
المراجع: Bentzen, J.S. & Gokmen, G. (2023). « The Power of Religion », Journal of Economic Growth, 28(1), 45-78 ; Gozum, P. (2026). « Religion as an instrument of political governance in authoritarian regimes », Agathos, 17(1), 377 ; الأمم المتحدة، تقرير الاستيطان 2025 ; محكمة العدل الدولية، الفتوى الاستشارية الصادرة في 19 يوليو 2024 ; استطلاع التمييز في فرنسا 2025 ; تحليلات الكنيست والأحزاب الدينية الإسرائيلية ; معطيات الرأي العام حول حل الدولتين (2025).
