النزوح نحو سبتة: بين اليأس الاجتماعي والمناورة الجيوسياسية.
بقلم، محمد خوخشاني.
مقدمة
ستظل الصور القادمة من سبتة في هذه الأيام الأخيرة رمزاً صارخاً لانكسارات عالم البحر الأبيض المتوسط. اندفع آلاف المغاربة، شباباً وشيوخاً، نحو هذا الجيب الإسباني، مخترقين البحر على عوامات أو سباحة، في حركة اتخذت ملامح موجة بشرية حقيقية. ووفقاً للسلطات الإسبانية، فقد عبر الحدود في أيام معدودة ما يصل إلى 60 ألف شخص، أي ما يعادل قرابة 70% من سكان المدينة الذاتية. هذه الظاهرة، التي طالت أيضاً الجيب الآخر مليلية، تتجاوز مجرد محاولة هجرة لتكشف عن أزمة متعددة الأوجه: اجتماعية، سياسية، وإنسانية بعمق.
جذور المأساة: نزوح مولود من اليأس.
إذا كان السبب المباشر لهذا التدفق الهائل يبدو مرتبطاً بحملة تضليل حول قرار للمحكمة العليا الإسبانية، فإن هذه الحركة تجد جذورها في حقائق اجتماعية واقتصادية أعمق بكثير.
وراء هذا « التدفق »، كما تعبر النصوص الشعرية النثرية لمحمد خوخشاني، يتجلى نفي رغم الإرادة، معاناة تعجز الكلمات عن تسميتها. المغرب، رغم الخطابات الرسمية عن الازدهار، يعاني أزمة اجتماعية حادة. بلغت البطالة بين الشباب مستويات حرجة، وأثقل التضخم كاهل القدرة الشرائية، وتضاءلت آفاق المستقبل لشرائح عريضة من السكان، خاصة في المناطق البعيدة عن المراكز الكبرى.
جاء هذا المد البشري لـ »يسحق، بقسوة لا ترحم، الخطاب الرسمي للملك الذي يعد باستمرار بمستقبل مشرق لرعاياه »، وفق تحليل افتتاحية Jeune Indépendant. إنها ليست مجرد انتقال، بل تمزق، رحلة لا تشبه أي سفر: رحلة رجال ونساء يحزمون حياتهم « في حقيبة صغيرة جداً لا تتسع لذكرياتهم » ليفروا من مأزق.
ظاهرة غامضة: بين العفوية والتوظيف السياسي.
حجم وسرعة النزوح يطرحان سؤال المنشأ. هل هي حركة عفوية بحتة، أم نتيجة تلاعب؟
إذا كان الخبراء يجمعون على غياب دليل على تنظيم مباشر من الحكومة المغربية، فإنهم يرون أيضاً أنه من الصعب اعتبار الظاهرة عفوية تماماً. ففي اليوم السابق للاقتحام، كانت السلطات المغربية قد خففت القيود على الحدود، مما هيأ ظروف حركة جماهيرية ضخمة. « لا أقول إن الرباط شجعت هذه التدفقات، لكن من المؤكد أنها حدت من أي محاولة للسيطرة خلال هذه الفترة القصيرة جداً »، يلخص محلل، معتبراً أنها « حالة واضحة من التلاعب ».
سعت الرباط بهذا إلى الضغط على مدريد، للحصول في الوقت نفسه على تنازلات اقتصادية وتذكيرها بدورها الذي لا غنى عنه في إدارة التدفقات الهجرية، مع مواجهة التقارب الإسباني-الجزائري. تذكرنا الحلقة بأزمة ماي 2021، عندما سمح المغرب بعبور 8 آلاف شخص انتقاماً لاستقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو. الرهان كبير: تذكير أوروبا بأنه بدون تعاون الرباط، فإن حدودها الجنوبية مسامية.
أزمة سياسية تهز أوروبا.
أحدث التدفق موجة صدمة سياسية، تجاوزت شبه الجزيرة الإيبيرية بكثير. واصفاً الوضع بـ »انتهاك السلامة الترابية لإسبانيا »، نشر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الجيش وتوجه إلى المكان لمحاولة استعادة النظام.
استُغلت الأزمة فوراً من قبل التشكيلات السياسية اليمينية واليمينية المتطرفة، التي نددت بـ »غزو » ودليل على ضعف الحكومة. كما جددت توترات مع أوروبا. هددت إيطاليا، بقيادة جيورجيا ميلوني، ثم علقت جزئياً اتفاقية شينغن مع إسبانيا، مطالبة برد حازم تجاه ما اعتبرته « تهديداً ملموساً لأمن حدود أوروبا ».
هذا الرد، الذي وصفته مدريد بـ »السوريالي » و »الديماغوجي »، يسلط الضوء على هشاشة التضامن الأوروبي في وجه الأزمات الهجرية. كما تذكر التحليلات، « معالجة أزمة سبتة كفشل إسباني والتفكير في تعليق شينغن لا يساعد إلا أولئك الذين يرغبون في اختبار المشروع الأوروبي ».
خاتمة: « الضفتان ليستا مدعوتين لإدارة الظهر لبعضهما ».
وراء الحسابات السياسية والتحليلات الجيوسياسية، تبقى أزمة سبتة قبل كل شيء مأساة إنسانية. الحصيلة المؤقتة لأكثر من 50 غريقاً، وصور الشباب النائمين في الشوارع بمدينة مشبعة، تذكرنا أنه وراء التدفقات توجد حيوات.
تردد الأبيات الشعرية لمحمد خوخشاني كدعوة لرؤية أخرى: « الضفتان ليستا مدعوتين لإدارة الظهر لبعضهما ». البحر الأبيض المتوسط، « هذا الجسر السائل الذي يربط المصائر »، لا ينبغي أن يكون مقبرة أو حاجزاً، بل فضاء « للاحترام والتعاون والعدالة ».
يسلط النزوح نحو سبتة الضوء على ضرورة معالجة الأسباب العميقة للهجرة: اليأس الاقتصادي والاجتماعي. ويذكر أيضاً أن الشعوب، المغربية والإسبانية، « ليس لديها ما تكسبه من الريبة ». في وجه المأساة، المخرج الدائم الوحيد هو الذي سيسمح لكل إنسان بـ »العيش كريماً على الأرض التي رآه يولد، دون أن يكون مضطراً للبحث في مكان آخر عن حق الأمل ».
