الرياضة والسياسة: أين ينتهي حق الرياضي في التعبير وتبدأ حدود الحياد؟

الرياضة والسياسة: أين ينتهي حق الرياضي في التعبير وتبدأ حدود الحياد؟
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

من قمصان سبتة في ملاعب إسبانيا إلى حالة الزلزولي والجمع بين المسؤولية الرياضية والعمل السياسي في المغرب… هل ما زال ممكنًا الحديث عن رياضة محايدة؟

لطالما قيل إن الرياضة تجمع ما تفرقه السياسة، وإن الملعب ينبغي أن يبقى فضاءً للمنافسة النزيهة بعيدًا عن الصراعات السياسية والحزبية. غير أن الواقع يكشف أن العلاقة بين الرياضة والسياسة أصبحت أكثر تعقيدًا من مجرد شعار عن «الحياد الرياضي».

فالرياضة اليوم ليست مجرد مباراة ونتيجة وكأس. إنها صناعة جماهيرية وإعلامية واقتصادية ورمزية ضخمة، والرياضيون المشهورون يصلون إلى ملايين الناس في لحظات قليلة. ولذلك كان طبيعيًا أن تكتشف السياسة في الرياضة وسيلة للتأثير، وأن تكتشف الرياضة بدورها في السياسة مصدرًا للتمويل والتشريع والحضور الاجتماعي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:

إلى أي حد يمكن للرياضة أن تتفاعل مع السياسة من دون أن تتحول إلى أداة سياسية؟

سبتة تدخل ملعب كرة القدم

جاءت الأحداث الأخيرة في إسبانيا لتجعل هذا السؤال أكثر إلحاحًا.

بعد أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في نهاية يوليوز 2026، والتي ارتبطت بدخول أكثر من 70 ألف شخص بصورة غير نظامية خلال تلك الفترة، أطلقت جمعية رجال الأعمال في فالنسيا AVE مبادرة للتضامن مع سكان سبتة، حملت شعار:

«Todos somos Caballas»

أي «كلنا سبتاويون»، في إشارة إلى التسمية التي تطلق على سكان المدينة.

وانتقلت المبادرة إلى ملاعب كرة القدم، حيث ارتدى عدد من اللاعبين القمصان التي تحمل الرسالة قبل المباريات. وقدمت المبادرة باعتبارها رسالة تضامن مع سكان سبتة في ظروف صعبة.

لكن سبتة ليست مجرد مدينة إسبانية عادية.

إنها مدينة تقع على الساحل الإفريقي، وترتبط مباشرة بملفات الهجرة والحدود والسيادة وبالعلاقات المغربية الإسبانية. لذلك فإن العبارة، مهما كان المقصد المعلن من ورائها، تحمل بالضرورة قابلية لتأويل سياسي يتجاوز المجال الرياضي.

وهنا ظهرت المفارقة.

فقد شارك عدد كبير من اللاعبين، بينما اختار آخرون، مثل مبابي وفينيسيوس وكوناتي، عدم إظهار العبارة بالطريقة نفسها، في حين لم يشارك برشلونة في المبادرة.

وهكذا تحولت قطعة قماش رياضية إلى قضية سياسية ومجتمعية وإعلامية.

الزلزولي: الحالة الأكثر حساسية

لكن الحالة التي تجعل النقاش أكثر تعقيدًا هي حالة الدولي المغربي عبد الصمد الزلزولي، لاعب ريال بيتيس الإسباني.

فقد ظهر الزلزولي قبل مباراة ريال بيتيس أمام فياريال مرتديًا، إلى جانب زملائه، القميص الذي يحمل عبارة «Todos Somos Caballas». وكانت المبادرة جماعية وشارك فيها لاعبو الفريقين.

في ظاهر الأمر، كان الزلزولي يقوم بما قام به زملاؤه في الفريق.

لكن وضعه الشخصي جعل المسألة أكثر حساسية.

فالزلزولي لاعب مغربي دولي يمثل المنتخب الوطني المغربي، وبالتالي فإن ظهوره بعبارة تتعلق بمدينة تعتبرها الدولة الإسبانية جزءًا من أراضيها، بينما يعتبر المغرب سبتة مدينة محتلة، منح الواقعة بعدًا إضافيًا لا يمكن تجاهله.

وهنا ينبغي التمييز بين الواقعة وبين تفسيرها.

الواقعة هي أن اللاعب ارتدى القميص ضمن مبادرة جماعية لفريقه.

أما القول إن ذلك يمثل تبنيًا منه لموقف سياسي بشأن سيادة سبتة، فهو تفسير لم يثبت من خلال تصريح سابق له.

بل إن الزلزولي خرج بعد الجدل بتوضيح صريح، قال فيه إن القميص لم يكن يحمل أي هدف سياسي أو ازدراء للشعب المغربي، وإنما كان في نظره رسالة اجتماعية للتضامن مع سكان مدينة يعيشون وضعًا صعبًا، بغض النظر عن جنسيتهم. كما أكد اعتزازه بجذوره المغربية واستمراره في تمثيلها.

وهذا التصريح ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار عند تحليل القضية.

فليس من الموضوعية أن ننسب إلى اللاعب موقفًا سياسيًا شخصيًا لم يعلنه، في حين أنه أعلن بنفسه تفسيرًا مختلفًا.

لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الدلالة السياسية التي اكتسبتها الصورة بسبب السياق الذي ظهرت فيه.

وهنا تحديدًا تكمن صعوبة علاقة الرياضة بالسياسة:

«قد تكون نية الرياضي اجتماعية، لكن الرمز الذي يحمله قد تكون له دلالات سياسية تتجاوز نيته.»

هل كان الزلزولي أمام خيار سياسي؟

من المعطيات المتاحة، لا يمكن الجزم بأن الزلزولي كان صاحب المبادرة أو أنه اختار منفردًا ارتداء القميص.

التقارير تشير إلى أن الأمر كان جزءًا من نشاط جماعي للاعبي ريال بيتيس وفياريال قبل المباراة، وأن النادي دعم اللاعب بعد الجدل الذي أعقب الواقعة.

وهذه نقطة مهمة.

فاللاعب المحترف ينتمي إلى منظومة رياضية، وقد يجد نفسه مشاركًا في نشاط ينظمه ناديه أو الدوري الذي يلعب فيه. وبالتالي فإن تحميله وحده المسؤولية عن الرسالة يحتاج إلى معرفة دقيقة بمن اتخذ القرار وكيف قُدمت المبادرة للاعبين.

لكن هذه الواقعة تطرح في المقابل سؤالًا مشروعًا:

هل يحق للنادي أن يطلب من لاعب أجنبي، وخصوصًا لاعب دولي يمثل منتخب بلاده، أن يحمل رسالة ذات حساسية سياسية مرتبطة ببلده الأصلي؟

هذا السؤال لا يحتاج إلى إدانة الزلزولي ولا إلى تبرئته؛ بل يحتاج إلى قواعد واضحة للمؤسسات الرياضية.

عندما يصبح اللاعب سفيرًا دون أن يقصد.

هذه الحالة تكشف شيئًا مهمًا.

اللاعب الدولي لا يعيش في فراغ.

فهو يمثل ناديه عندما يلعب مع ناديه، ويمثل منتخب بلاده عندما يلعب دوليًا، لكنه يبقى في نظر الجمهور مرتبطًا بالهويتين معًا.

ولهذا فإن ما قد يبدو بالنسبة إلى لاعب آخر مجرد مبادرة اجتماعية، يمكن أن يحمل بالنسبة إلى لاعب دولي مغربي دلالة مختلفة.

وهذا لا يعني أن اللاعب فقد حريته الفردية.

بل يعني أن المؤسسات الرياضية يجب أن تدرك اختلاف السياقات الوطنية للاعبين قبل وضعهم أمام رسائل ذات حمولة سياسية أو جيوسياسية محتملة.

وهنا يمكن أن يكون درس الزلزولي أكبر من قضية الزلزولي نفسه.

هل الحياد الرياضي يعني منع الرياضي من التعبير؟

بالتأكيد لا.

فالرياضي مواطن قبل أن يكون لاعبًا، وله حقه في التعبير عن مواقفه وفق القانون.

لكن يجب التفريق بين:

الرياضي باعتباره مواطنًا،

و

الرياضي باعتباره ممثلًا لنادٍ أو منتخب أو مؤسسة رياضية.

في الحالة الأولى يكون التعبير شخصيًا.

أما في الحالة الثانية، فإن القميص أو الشعار قد يحمل معنى مؤسساتيًا يتجاوز الشخص نفسه.

لذلك تصبح مسألة الاختيار الحر حاسمة.

إذا كان اللاعب يشارك بإرادته، فذلك يختلف جذريًا عن فرض الرسالة عليه.

من قمصان سبتة إلى فوزي لقجع.

في الحالة المغربية، تظهر زاوية أخرى من العلاقة بين الرياضة والسياسة.

فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، دخل المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة في يوليوز 2026، وهو ما جمع في شخص واحد بين موقع رياضي وطني بالغ التأثير وموقع حزبي سياسي. وقد أعلن لاحقًا عدم ترشحه للانتخابات التشريعية، رغم استمرار انخراطه السياسي.

وهنا لا ينبغي الخلط بين حق الشخص في ممارسة السياسة وبين استقلال المؤسسة الرياضية التي يرأسها.

فمن حق المسؤول الرياضي، باعتباره مواطنًا، أن يمارس السياسة.

لكن الجمع بين الموقعين يطرح سؤالًا مؤسساتيًا مشروعًا:

كيف نضمن ألا تختلط صلاحيات الموقع الرياضي بالعمل الحزبي؟

وهذا السؤال لا يتعلق بلقجع وحده، ولا ينبغي أن يكون حكمًا مسبقًا عليه؛ بل ينبغي أن ينطبق على أي مسؤول رياضي في أي بلد يقرر ممارسة العمل السياسي.

السياسة تستفيد من الرياضة… والرياضة تستفيد من السياسة.

من الصعب فهم العلاقة بين المجالين باعتبارها علاقة من طرف واحد.

السياسة تستفيد من الرياضة بسبب شعبيتها الهائلة.

فالرياضي المشهور يستطيع الوصول إلى ملايين المواطنين خلال دقائق، بينما قد تحتاج الأحزاب والمؤسسات السياسية إلى سنوات من العمل للوصول إلى الجمهور نفسه.

كما أن الإنجازات الرياضية الكبرى تتحول في كثير من البلدان إلى عناصر من القوة الناعمة للدولة وإلى مصادر للفخر الوطني.

وفي المقابل، تحتاج الرياضة إلى السياسة والمؤسسات العامة في مجالات عديدة: البنية التحتية، التشريع، التمويل، الأمن، تنظيم المنافسات، والعلاقات الدولية.

إذن العلاقة موجودة، وهي ليست بالضرورة سلبية.

المشكلة لا تبدأ من وجود العلاقة، وإنما من اختلالها.

أين ينبغي أن تتوقف السياسة وأين تبدأ الرياضة؟

ربما يمكن وضع قاعدة بسيطة:

«للرياضي أن يكون مواطنًا، لكن لا ينبغي تحويل المؤسسة الرياضية إلى حزب سياسي.»

ومن هذه القاعدة يمكن استخلاص عدة مبادئ.

أولًا: حرية الرياضي.

لا ينبغي إجباره على تبني رسالة سياسية لا يؤمن بها.

ثانيًا: استقلال المؤسسة الرياضية.

لا ينبغي للنادي أو الاتحاد أن يتحول إلى ذراع لحزب أو حكومة.

ثالثًا: التمييز بين التضامن الإنساني والدعاية السياسية.

مكافحة العنصرية أو دعم ضحايا الكوارث شيء، والدعاية لموقف حزبي أو انتخابي شيء آخر.

رابعًا: احترام خصوصية اللاعبين الدوليين.

عندما تكون الرسالة مرتبطة بقضية تمس بلد اللاعب أو هويته الوطنية، ينبغي التعامل مع المسألة بحساسية أكبر.

خامسًا: عدم استخدام شعبية الرياضيين للإكراه السياسي.

«Tout est politique»… ولكن ليس كل شيء حزبيًا

ربما تكون عبارة «Tout est politique» صحيحة من زاوية فلسفية؛ فمعظم القرارات العامة لها أبعاد سياسية، بما فيها الرياضة.

لكن تحويل هذه العبارة إلى قاعدة عملية تقود إلى أن كل شيء يجب أن يصبح حزبيًا سيكون أمرًا مختلفًا تمامًا.

فالمجتمع يحتاج إلى مساحات مشتركة يستطيع فيها المختلفون أن يلتقوا.

والرياضة واحدة من أهم هذه المساحات.

يمكن أن يكون المشجع محافظًا أو تقدميًا، مؤيدًا لهذه الحكومة أو معارضًا لها، لكنه يجلس في المدرج نفسه إلى جانب خصمه السياسي ويشجع الفريق ذاته.

وهذه إحدى أعظم الوظائف الاجتماعية للرياضة:

أنها لا تلغي الاختلاف، لكنها توفر فضاءً يمكن أن يعيش فيه المختلفون اختلافهم دون أن يتحول كل لقاء بينهم إلى صراع سياسي.

الخلاصة: الزلزولي ليس هو القضية… وإنما القاعدة التي تحمي الجميع.

قضية الزلزولي تكشف أن العلاقة بين الرياضة والسياسة ليست مسألة نظرية.

فاللاعب ارتدى قميصًا ضمن مبادرة جماعية، ثم وجد نفسه في قلب نقاش سياسي واسع. وهو قال بوضوح إن قصده اجتماعي لا سياسي، وأكد اعتزازه بالمغرب. وفي المقابل، فإن حساسية شعار «Todos Somos Caballas» في السياق المغربي جعلت كثيرين يرون في الصورة دلالة سياسية تتجاوز النوايا المعلنة.

وهنا ينبغي ألا يكون السؤال:

هل الزلزولي مع هذا الطرف أو ضد ذاك؟

بل:

هل تملك المؤسسات الرياضية قواعد واضحة تحمي اللاعب عندما يجد نفسه، بقصد أو من دون قصد، داخل قضية سياسية؟

هذا هو السؤال الأهم.

فإذا كان اللاعب حرًا، وإذا كانت المؤسسات الرياضية مستقلة، وإذا كانت الرسائل السياسية لا تُفرض على الرياضيين، أمكن للرياضة أن تحافظ على دورها الجامع.

أما إذا أصبح اللاعب مطالبًا بأن يحمل رسالة سياسية لمجرد أنه ينتمي إلى نادٍ أو بطولة، فإن حدود الرياضة والسياسة تبدأ في التلاشي.

ولذلك، فإن القضية لا تتعلق بسبتة وحدها، ولا بالزلزولي وحده، ولا بإسبانيا وحدها، ولا بالمغرب وحده.

إنها قضية مبدأ:

كيف نحافظ على حرية الرياضي من جهة، وعلى حياد المؤسسة الرياضية من جهة أخرى؟

وربما يمكن اختصار الجواب في عبارة واحدة:

«Tout est peut-être politique, mais tout ne doit pas devenir partisan.

قد يكون كل شيء سياسيًا، لكن ليس من الضروري أن يصبح كل شيء حزبيًا.»

فالقوة الحقيقية للرياضة ليست في أن تصبح طرفًا في السياسة، وإنما في أن تظل قادرة على جمع أشخاص مختلفين سياسيًا حول شيء واحد: المنافسة، والموهبة، والاحترام، وروح اللعب.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *