أزمة هرمز: ما يكشفه الفوسفاط والـمكتب الشريف للفوسفاط والسدود عن الأمن الغذائي للمغرب.
الجزء الأول.
من سيادة الموارد إلى الصمود الغذائي والاجتماعي.
بقلم، محمد خوخشاني.
إنّ أزمة هرمز هي أولاً أزمة جيوسياسية وطاقية. وهي أيضاً أزمة لسلاسل التوريد العالمية. لكنها، خلف اضطرابات النفط والنقل البحري والكبريت والأسمدة، تكشف عن سؤال أعمق بكثير: ما الذي يمكّن بلداً ما فعلاً من الحفاظ على الأمن الغذائي لسكانه حين تصبح الأسواق العالمية هشّة؟
بالنسبة للمغرب، لا تكمن الإجابة في اكتفاء ذاتي غذائي مفترض. فالمملكة لا تزال تعتمد على الواردات، ولا سيما الحبوب. وتقدّر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) احتياجات استيراد القمح لموسم 2026/2027 بنحو 5 ملايين طن، رغم أنّ الحصاد الحبوبي المغربي لسنة 2026 يُقدَّر بـ 6,3 ملايين طن، أي أعلى بنسبة 16% من متوسط السنوات الخمس الأخيرة.
غير أنّ هذا الاعتماد لا ينبغي أن يحجب واقعاً آخر: فالمغرب يمتلك موارد وبنيات تحتية تمنحه قدرة صمود خاصة.
وفي مقدمة هذه الرصيد تبرز الفوسفاط، والمنظومة الصناعية المتطورة حول المكتب الشريف للفوسفاط، وعلى مستوى آخر، البنيات التحتية المائية الموروثة عن عقود من سياسة تعبئة المياه.
وهذا بالضبط ما تتيح أزمة هرمز فهمه.
الفوسفاط: ثروة معدنية أصبحت رهاناً غذائياً.
يتبادر إلى الذهن بصفة تلقائية أنّ الفوسفاط ثروة معدنية موجهة للتصدير ومدرّة للعملة الصعبة.
لكنّ هذه الرؤية أصبحت ضيقة جداً.
فالفوسفاط أيضاً أحد العناصر الأساسية في صناعة الأسمدة. وهو يتدخل، بشكل غير مباشر، في قدرة الزراعات على الحفاظ على مردوديتها.
والسلسلة بسيطة:
فوسفاط ← أسمدة ← تسميد ← مردود فلاحي ← توفّر غذائي.
وتمنح أزمة هرمز لهذه السلسلة بُعداً جيوسياسياً جديداً.
فعندما تضطرب الطرق البحرية، وعندما يصبح الطاقة أكثر كلفة، وعندما تتصدّع الإمدادات العالمية بالمدخلات الفلاحية، لم يعد السؤال فقط: من يملك النفط أو الغاز؟ بل يصبح أيضاً: من يملك الموارد التي تمكّن من تغذية الأرض؟
وهنا يتخذ موقع المغرب كامل دلالته.
صحيح أنّ المملكة لا تنتج كل ما تحتاجه زراعتها. لكنّ وجود احتياطات كبيرة من الفوسفاط وصناعة قادرة على تحويل هذه الثروة إلى أسمدة يشكّل عنصر صمود في مواجهة الصدمات الدولية.
وهكذا تذكّرنا أزمة هرمز بحقيقة كثيراً ما تميل الأسواق العالمية إلى إخفائها: الأمن الغذائي يبدأ قبل المتجر بكثير، وقبل الحقل نفسه. يبدأ بالموارد والماء والطاقة والأسمدة والبنيات التحتية التي تجعل الإنتاج الفلاحي ممكناً.
المكتب الشريف للفوسفاط : من ثروة باطن الأرض إلى السيادة الفلاحية.
وهنا يستحق دور الـمكتب الشريف للفوسفاط أن يُفهم من زاوية تتجاوز صورة الشركة المصدّرة.
فالرهان الاستراتيجي ليس فقط بيع الفوسفاط. بل هو التحكم، قدر الإمكان، في جزء من سلسلة القيمة التي تمتد من المورد المعدني إلى السماد.
وفي عالم يطبعه الصراع والعقوبات والانقطاعات اللوجستية والقيود التجارية، تصبح هذه القدرة الصناعية عنصراً من الأمن الاقتصادي.
وقد أظهرت أزمة هرمز بالضبط هشاشة سلاسل التوريد العالمية للمواد الأولية اللازمة لصناعة الأسمدة.
وهكذا، فالفوسفاط المغربي لا يغذّي المغاربة مباشرة. لكنه يمكن أن يساهم في أمنهم الغذائي عبر إتاحة مدخل لا غنى عنه للإنتاج الفلاحي.
والفارق جوهري.
فالفوسفاط ليس الاستقلال الغذائي. بل هو أحد أدوات الصمود الغذائي الممكنة.
السدود: خيار استراتيجي تتجلّى أهميته مع الزمن.
إلى هذا المورد المعدني يُضاف بُعد آخر: الماء.
المغرب بلد يواجه بنيوياً إجهاداً مائياً. غير أنّ الدولة، منذ الاستقلال، ولا سيما ابتداءً من الستينيات والسبعينيات، أطلقت سياسة طموحة لتعبئة المياه عبر السدود والسقي.
وقد تقرّرت سياسة «مليون هكتار مسقي» تحديداً سنة 1967، بهدف بلوغ هذا المستوى من السقي في أفق سنة 2000. ويذكّر البنك الدولي بحجم الاستثمارات المنجزة في السدود والسقي خلال تلك الفترة.
وترتبط هذه السياسة ارتباطاً وثيقاً بعهد الملك الراحل الحسن الثاني، الذي جعل منها محوراً رئيسياً للاستراتيجية المائية الوطنية.
ومع التراجع التاريخي، أصبح من الممكن قياس مداها بشكل آخر.
فحين تكون الأمطار منتظمة، قد تبدو السدود مجرد منشآت مائية.
وحين تتوالى سنوات الجفاف، تصبح بنيات تحتية استراتيجية للأمن الوطني.
وحين تعود التساقطات، كما في 2026، تتيح استعادة جزء من الاحتياطات التي تدعم في آن واحد التزويد بالماء والنشاط الفلاحي. غير أنّ الفاو تشدّد على أنّ هذا التحسّن الظرفي لا ينبغي أن يُنسي الطابع البنيوي لندرة الماء في المغرب.
وبعبارة أخرى، السدود لا تلغي المشكل المائي. بل تمنح البلاد هوامش مناورة في مواجهته.
الماء والفوسفاط: سيادتان تلتقيان في الحقل.
وهنا يلتقي التاريخان.
من جهة:
الماء يجعل الإنتاج ممكناً.
ومن جهة أخرى:
الأسمدة تساهم في إنتاجية هذا الإنتاج.
وبين الاثنين يوجد الفلاح.
وعندئذ نفهم لماذا لا يمكن اختزال الأمن الغذائي في سؤال كم طناً من القمح يحصد بلد ما كل سنة.
فهو يتوقف على منظومة أوسع بكثير:
ماء + أراضٍ فلاحية + بذور + أسمدة + طاقة + بنيات تحتية + بحث + نقل + تخزين + قدرة استيراد.
والمغرب يمتلك جزءاً مهماً من هذه المنظومة.
لكنه لا يتحكم فيها بالكامل.
وهذا التمييز بالضبط هو ما يتيح تجنّب إفراطين: إفراط تشاؤمي يقدّم البلاد كأنها ضعيفة تماماً أمام الأسواق الدولية، وإفراط تفاؤلي يتحدث عن استقلال غذائي في حين تبقى واردات الحبوب مهمة بنيوياً.
2026: حصاد جيد لا ينبغي أن يُنسي الهشاشات.
إنّ وضع 2026 مفيد للغاية.
فبعد سنوات من الجفاف، أتاحت التساقطات تحسّناً مذهلاً في الظروف الفلاحية. وتقدّر الفاو الإنتاج الحبوبي لسنة 2026 بـ 6,3 ملايين طن، أي نحو 16% فوق المتوسط الخماسي. وبالتالي يُتوقع أن تكون احتياجات استيراد القمح أقل من متوسطها المعتاد.
لكنّ هذا التحسّن لا يعني أنّ الهشاشة اختفت.
فحملة فلاحية سيئة يمكن أن تغيّر بسرعة احتياجات الاستيراد. وتوتر جيوسياسي جديد يمكن أن يرفع كلفة النقل. واضطراب في أسواق الأسمدة يمكن أن يؤثر على الحملة المقبلة. وفترة جفاف جديدة يمكن أن تقلّص المردودية.
والفاو نفسها تشدّد اليوم على ضرورة معالجة الأمن المائي والأمن الغذائي معاً.
وعليه، فالسؤال الحقيقي لم يعد فقط:
«هل ينتج المغرب ما يكفي؟»
بل أصبح:
«هل يمتلك المغرب قدرات كافية لاستيعاب صدمة خارجية دون أن تتحوّل بسرعة إلى أزمة غذائية واجتماعية؟»
الأمن الغذائي كعامل للاستقرار الاجتماعي.
وهنا يتخذ التأمل بُعداً اجتماعياً.
سيكون من المبالغة طبعاً الادعاء بأنّ الفوسفاط والـمكتب الشريف للفوسفاط والسدود تكفي لمنع أي توتر اجتماعي.
فالمجتمع قد يعرف صعوبات رغم توفّر غذائي جيد. فالبطالة والتفاوتات والسكن والخدمات العمومية والقدرة الشرائية وإدراكات الظلم تؤدي أيضاً دوراً كبيراً.
لكنّ العكس صحيح تماماً: فانعدام الأمن الغذائي وارتفاع أسعار المواد الأساسية يمكن أن يضخّما بسرعة توتراً اجتماعياً قائماً.
وبالتالي فإنّ توفّر المواد الغذائية وانتظام الإمدادات والتحكم النسبي في كلفة الإنتاج تشكّل عوامل مهمة للاستقرار.
ولهذا ينبغي اعتبار الأمن الغذائي مكوّناً من الأمن الاجتماعي بالمعنى الواسع.
فالخبز والطحين والحبوب والماء والمواد الغذائية الأساسية ليست أبداً مجرد سلع.
إنها تمسّ مباشرة بالشروط المادية للحياة اليومية.
من سياسة السدود إلى سياسة جديدة للصمود.
غير أنّ الإرث المائي للمغرب لا ينبغي أن يقود إلى مجرد الاحتفاء بالماضي.
فالتحديات تغيّرت.
فالتغير المناخي وندرة الموارد المائية والضغط على الفرشة المائية والتطور الديموغرافي تفرض اليوم جيلاً جديداً من السياسات العمومية.
فالسؤال لم يعد فقط بناء السدود.
بل أيضاً الاستخدام الأفضل لكل متر مكعب من الماء.
وتشدّد الفاو بالضبط على ضرورة تعزيز التنسيق بين سياسات الماء والسياسات الفلاحية وتحسين إدارة الموازنات بين الأمن المائي والأمن الغذائي.
وهذا يقتضي على الخصوص إعطاء الأولوية لنجاعة السقي ومحاربة الفاقد وحماية الفرشة المائية والبحث الزراعي وتكييف الزراعات وتحسين الربط بين السياسة الفلاحية والسياسة المائية.
الرهان الحقيقي: تحويل المزايا إلى سيادة مستدامة.
إنّ درس هرمز أوسع في النهاية من مجرد مسألة الأسمدة.
فهو يذكّر بأنّ البلد يكون أكثر صموداً كلما تحكّم في الموارد الاستراتيجية الضرورية لاشتغاله.
والمغرب يمتلك ميزة كبيرة بفوسفاطه.
ولديه أيضاً جهاز صناعي قادر على تحويل هذا المورد.
وقد بنى، منذ عدة عقود، بنية تحتية مائية مهمة.
ويستفيد أخيراً من زراعة متنوعة وقدرة استيراد تتيحان له استكمال إنتاجه الوطني.
لكنّ هذا الرصيد يجب تحويله إلى استراتيجية متماسكة.
فالأمن الغذائي غداً لن يقوم فقط على وفرة الأمطار الظرفية، ولا فقط على الواردات، ولا فقط على الثروة الفوسفاطية.
بل سيقوم على الجمع الذكي بين هذه الموارد وهذه القدرات.
درس للمستقبل.
ربما ذكّرت أزمة هرمز المغرب، بشكل مفارق، بشيء كانت عقود من السياسة العمومية قد علّمته إياه: السيادة لا تعني بالضرورة إنتاج كل شيء بنفسه. بل تعني أيضاً امتلاك موارد كافية وقدرات صناعية وبنيات تحتية وهوامش مناورة لعدم تحمّل الصدمات القادمة من الخارج بالكامل.
والفوسفاط أحد هذه الروافع.
والـمكتب الشريف للفوسفاط أحد أدواتها الصناعية.
والسدود أحد الإرثات الكبرى للسياسة المائية التي أُطلقت في القرن الماضي.
والزراعة ميدان تطبيقها.
والمستهلك المغربي هو، في النهاية، المستفيد الأقصى.
لذلك سيكون الحديث أدق لا عن استقلال غذائي، بل عن صمود غذائي وطني.
صمود يمكن أن يساهم في تخفيف الآثار الاقتصادية للأزمات الدولية، وبالتالي في الحدّ من أحد مصادر التوترات الاجتماعية المحتملة.
لكنّ هذا الصمود لا يُكتسب نهائياً أبداً.
بل يجب صيانته وتحديثه، والأهم من ذلك، التفكير فيه على المدى الطويل.
فربما لا تكمن السيادة الغذائية الحقيقية للمغرب في وعد بإنتاج كل ما يستهلكه. بل في قدرته على مواصلة تغذية سكانه حين يصبح العالم من حوله أكثر غموضاً.
