بعد أزمة هرمز: أي عقيدة وطنية لمواصلة إطعام المغاربة؟

بعد أزمة هرمز: أي عقيدة وطنية لمواصلة إطعام المغاربة؟
شارك

الماء والحبوب والفوسفاط والفلاحة والقدرة الشرائية: خمسة أعمدة لصمود غذائي مستدام.

الجزء الثاني.

بقلم، محمد خوخشاني.

إذا كانت الحلقة الأولى من هذا البحث قد أتاحت لنا الوقوف على ما وفره الفوسفاط، والمكتب الشريف للفوسفاط، والسياسة المائية للمغرب من عناصر للصمود الغذائي، فإن سؤالاً أكثر إلحاحاً يفرض نفسه اليوم:

هل سيتمكن المغرب من مواصلة إطعام سكانه في عالم تتزايد فيه مخاطر الجفاف والأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات المرتبطة بالمواد الأولية؟

السؤال ليس افتراضياً.

إنه مطروح بالفعل.

فأزمة هرمز، وتداعيات الصراعات الدولية على طرق التجارة، واضطرابات أسواق الأسمدة، فضلاً عن سنوات الجفاف المتتالية، أظهرت أن أزمة تبدأ على بعد آلاف الكيلومترات يمكن أن تصل بسرعة إلى الحقل المغربي، ثم إلى الأسواق، ثم إلى سلة المستهلك.

لكن سنة 2026 تحمل لنا، في المقابل، درساً آخر. فبعد سنوات متتالية من الجفاف، أتاحت التساقطات المطرية المهمة تحسناً كبيراً في الإنتاج الزراعي. وتقدر منظمة الأغذية والزراعة إنتاج الحبوب في المغرب سنة 2026 بنحو 6.3 ملايين طن، أي بزيادة تناهز 16 في المائة مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الأخيرة، فيما ينتظر أن تظل حاجيات المغرب من واردات القمح لموسم 2026–2027 دون متوسطها المعتاد.

المشكلة، إذن، ليست في معرفة ما إذا كان المغرب قادراً على تحقيق موسم فلاحي جيد. وإنما في معرفة ما إذا كان قادراً على تحويل الموسم الجيد إلى قدرة مستدامة على مقاومة المواسم السيئة.

أولاً: لا ينبغي الخلط بين المحصول الجيد والأمن الغذائي.

لا شك أن وفرة المحصول الحبوبي خبر جيد.

لكنها، بمفردها، لا تشكل سياسة للأمن الغذائي.

فالمغرب لا يزال يعتمد بدرجة مهمة على واردات الحبوب لتلبية حاجيات الاستهلاك الداخلي. ولذلك لا يمكن لأداء فلاحي جيد في سنة واحدة أن يلغي هشاشة هيكلية مرتبطة بالمناخ وبالأسواق الدولية.

إن الأمن الغذائي الحقيقي ينبغي أن يُبنى على مدى عدة سنوات.

وينبغي أن يكون البلد قادراً على التعامل مع ثلاث حالات مختلفة:

سنة مواتية، وسنة عادية، وسنة جفاف.

فالقدرة على اجتياز الحالات الثلاث هي التي تشكل في نهاية المطاف جوهر الصمود الغذائي.

وهذا يقتضي، من بين أمور أخرى، توفير مخزونات كافية، وآليات مرنة للاستيراد، وفلاحة قادرة على التكيف بسرعة، وسياسة أسعار تحمي المستهلك من دون أن تثقل كاهل المنتج.

فالأمن الغذائي هو أيضاً مسألة استشراف واستباق.

ثانياً: وضع الماء في قمة سلم الأولويات الاستراتيجية.

يتوفر المغرب اليوم على رصيد مهم من المنشآت المائية. ويضم البلد أكثر من 150 سداً كبيراً، إلى جانب تطوير مشاريع تحويل المياه، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.

غير أن تحدي العقود المقبلة لن يتمثل فقط في توفير مزيد من المياه.

بل سيكمن، قبل كل شيء، في إنتاج المزيد بكمية أقل من المياه.

ولعل ذلك يمثل أحد أكبر التحولات التي ينبغي أن تستعد لها الفلاحة المغربية.

فالمطلوب أصبح معادلة جديدة:

كل قطرة ماء ينبغي أن تنتج قيمة غذائية واقتصادية واجتماعية أكبر.

وهذا يعني الانتقال من منطق زيادة الموارد المائية فقط إلى منطق رفع مردودية كل متر مكعب من الماء.

ثالثاً: من منطق السدود إلى منظومة متكاملة للماء

لقد مكنت السياسة الكبرى للسدود، التي انطلقت في المغرب منذ عقود، من بناء رصيد مائي استراتيجي مهم.

لكن التحديات الراهنة تفرض الذهاب أبعد من ذلك.

فالسد ليس سوى عنصر واحد داخل منظومة متكاملة.

ومن الضروري اليوم التفكير في:

السدود + تحويل المياه + الري الناجع + حماية الفرشات المائية + تحلية مياه البحر + إعادة استعمال المياه المعالجة + اقتصاد الماء + حماية الأحواض المائية.

هذه هي التركيبة التي يمكن أن تخفف من هشاشة البلاد أمام ندرة المياه.

وتكتسي تحلية مياه البحر، في هذا السياق، أهمية خاصة. فهي لا تستطيع وحدها أن تحل محل الموارد التقليدية، لكنها تستطيع أن تساهم في تنويع مصادر التزويد، ولا سيما بالنسبة إلى مياه الشرب وبعض الأنشطة الفلاحية ذات القيمة المضافة المرتفعة.

وهكذا لم يعد الهدف مجرد البحث عن موارد مائية جديدة، وإنما بناء مزيج مائي وطني متكامل.

رابعاً: تخصيص المياه للزراعات الأكثر انسجاماً مع الواقع المائي.

ربما يكون هذا هو النقاش الأصعب.

فليست كل الزراعات متساوية من حيث حاجتها إلى الماء، ولا من حيث مردودها الغذائي أو الاقتصادي.

ومن ثم سيكون من الضروري الإجابة عن سؤال حساس:

ما هي الزراعات التي ينبغي للمغرب أن يعطيها الأولوية عندما تصبح المياه نادرة؟

قد توفر الزراعة الموجهة أساساً للتصدير العملة الصعبة وفرص الشغل والقيمة المضافة.

وقد تساهم الزراعة الموجهة إلى السوق الداخلية في تعزيز الأمن الغذائي.

والهدفان مشروعان.

لكن عندما تصبح المياه نادرة، تصبح المفاضلات أمراً لا مفر منه.

وليس المطلوب إقامة تعارض مبسط بين الزراعة التصديرية والزراعة الموجهة للاستهلاك الداخلي، وإنما البحث عن أفضل توازن بين القيمة الاقتصادية، وفرص الشغل، والاستهلاك الوطني، والكلفة المائية لكل إنتاج.

خامساً: الحفاظ على الميزة الفوسفاطية.

إذا كان الماء هو الشرط الأول للإنتاج الزراعي، فإن الأسمدة تمثل أحد محدداته الأساسية الأخرى.

ويمتلك المغرب هنا ميزة استثنائية بفضل موارده الفوسفاطية وبفضل الأداة الصناعية التي طورها المكتب الشريف للفوسفاط.

لكن هذه الميزة لا ينبغي اعتبارها أمراً مضموناً إلى الأبد.

فأزمة هرمز أظهرت أن سلسلة إنتاج الأسمدة نفسها يمكن أن تتعرض لاضطرابات دولية.

لذلك ينبغي أن تتجه الاستراتيجية المستقبلية إلى تأمين ليس الفوسفاط وحده، وإنما السلسلة الصناعية الكاملة للأسمدة: الطاقة، والكبريت، والأمونيا، والنقل، واللوجستيك، والتحويل الصناعي.

والهدف ينبغي أن يكون واضحاً:

تحويل الميزة الفوسفاطية المغربية إلى ميزة مستدامة للفلاحة المغربية، وليس فقط إلى ثروة موجهة للأسواق الخارجية.

وهذه مسألة تتعلق بالسيادة الاقتصادية بقدر ما تتعلق بالسيادة الفلاحية.

سادساً: لا يكفي أن ننتج أكثر إذا كنا سنهدر أكثر

هناك مورد آخر للأمن الغذائي كثيراً ما يحظى باهتمام أقل مما يستحق:

الحد من ضياع المنتجات بعد الحصاد.

فزيادة الإنتاج ليست دائماً الحل الوحيد.

بل ينبغي أيضاً أن نضيع كميات أقل.

لقد أبرزت النقاشات المرتبطة بالمنظومة الغذائية المغربية أهمية التخزين، وسلسلة التبريد، والتوزيع، وتحسين اللوجستيك، ولا سيما بالنسبة إلى المنتجات سريعة التلف.

إن كل كمية يتم إنقاذها بعد الحصاد هي، في جانب من الجوانب، كمية إضافية متاحة للاستهلاك من دون الحاجة إلى استهلاك مزيد من المياه أو الأراضي أو الأسمدة.

ولهذا ينبغي أن تصبح مرافق التخزين، وسلسلة التبريد، والتحويل الغذائي، واللوجستيك، مكونات أساسية في سياسة الأمن الغذائي.

سابعاً: الأمن الغذائي يجب أن يكون ترابياً أيضاً.

المغرب ليس مجالاً فلاحياً متجانساً.

فالشروط المناخية، والموارد المائية، ونوعية التربة، وأنواع الزراعات، وحاجيات السكان تختلف اختلافاً كبيراً بين الجهات.

ولهذا ينبغي أن تكون السياسة الغذائية الصامدة ذات بعد ترابي واضح.

أي أن تتمكن كل جهة من تثمين مواردها وإمكاناتها، مع بقائها مندمجة في السوق الوطنية.

وهذا يقتضي، عند الاقتضاء، تعزيز التخزين الجهوي، وسلاسل التوزيع القصيرة، والمنصات اللوجستية، ووحدات التحويل والتثمين المحلي.

فالصمود الغذائي لا يبدأ فقط من المستوى الوطني، بل يبدأ أيضاً من قدرة كل منطقة على الصمود أمام الاضطرابات.

ثامناً: لا ينبغي أبداً إغفال القدرة الشرائية.

هناك تمييز أساسي بين الأمن الغذائي والقدرة على الوصول إلى الغذاء.

فقد يتوفر بلد ما على كميات كافية من المواد الغذائية، بينما تعجز فئات من سكانه عن اقتنائها بسبب ضعف دخلها.

إن توفر الغذاء ليس سوى المستوى الأول.

ثم تأتي بعده:

القدرة على الاقتناء + الجودة الغذائية + استقرار الأسعار.

وهنا تتحول المسألة الغذائية إلى مسألة اجتماعية بامتياز.

ولهذا لا يمكن فصل السياسة الفلاحية عن السياسة الاجتماعية.

فالمستهلك ينبغي أن يكون قادراً على الوصول إلى المواد الأساسية بأسعار تتلاءم مع دخله، في حين ينبغي للفلاح أن يحصل على دخل يضمن له الاستمرار في الإنتاج.

وبين الطرفين، يتعين على الدولة أن تبتكر آليات ذكية للتنظيم والتدخل، بدل الاقتصار على التدخل في اللحظة التي تنفجر فيها الأسعار.

تاسعاً: نحو «ميثاق وطني للصمود الغذائي».

إن مجموع هذه الاعتبارات يمكن أن يقود إلى مرحلة جديدة، هي مرحلة ميثاق وطني للصمود الغذائي.

وليس المقصود بالضرورة إنشاء استراتيجية بيروقراطية جديدة، وإنما بناء انسجام أكبر بين السياسات القائمة.

ويمكن أن يقوم هذا الميثاق على ستة التزامات أساسية:

1. تأمين الماء

مواصلة تعبئة الموارد، لكن مع إعطاء الأولوية لاقتصاد الماء، وحماية الفرشات المائية، وتطوير الموارد غير التقليدية.

2. تأمين الحبوب

الحفاظ على قدرة وطنية على الإنتاج، مع الإبقاء على إمكانات الاستيراد والتخزين التي تسمح بمواجهة المواسم الفلاحية الصعبة.

3. تأمين الأسمدة

تثمين الميزة الفوسفاطية وتعزيز أمن السلسلة الصناعية للأسمدة.

4. تقليص الهدر

زيادة الاستثمار في التخزين، وسلسلة التبريد، والتحويل، واللوجستيك.

5. تكييف الفلاحة مع المناخ

تسريع البحث في الأصناف المقاومة للجفاف، والممارسات المقتصدة في الماء، والأنظمة الزراعية الملائمة لمختلف المجالات الترابية.

6. حماية المستهلك من دون التضحية بالمنتج

بناء آليات تنظيم قادرة على الحد من الارتفاعات الحادة للأسعار، مع ضمان دخل عادل ومشجع للفلاحين.

عاشراً: الاختبار الحقيقي هو القدرة على عبور الأزمة من دون أزمة غذائية.

لعل هذه هي الخلاصة الأهم التي تتيحها أزمة هرمز.

فالدولة لا تكون صامدة حقاً لمجرد أنها قادرة على تحقيق موسم فلاحي استثنائي.

إنها تكون صامدة عندما تستطيع اجتياز الجفاف، أو أزمة جيوسياسية، أو ارتفاع أسعار الأسمدة، أو اضطراب الملاحة البحرية، أو موسم فلاحي ضعيف، من دون أن تتحول هذه الصدمات مجتمعة إلى أزمة غذائية.

ويمتلك المغرب بالفعل أوراقاً مهمة:

الفوسفاط، والمكتب الشريف للفوسفاط، والسدود، وشبكات الري، والطاقات المتجددة، وتحلية مياه البحر، وفلاحة متنوعة، وموقعاً بحرياً استراتيجياً، وقدرة على الاستيراد.

لكن أياً من هذه الأوراق لا يكفي بمفرده.

المهم هو كيفية جمعها وتنسيقها داخل رؤية وطنية واحدة.

وهنا بالضبط يكمن تحدي العقود المقبلة.

الخلاصة: إطعام المغرب غداً سيكون أولاً مسألة استباق.

ربما لن يستطيع المغرب أن يصبح مستقلاً تماماً عن الأسواق الغذائية الدولية.

وليس من الضروري أن يكون هذا هو الهدف الأكثر واقعية.

فالرهان الحقيقي يوجد في مكان آخر:

تقليص مواطن الهشاشة، وتنويع مصادر التزويد، وحماية الموارد الطبيعية، والاحتفاظ بهوامش كافية لامتصاص الصدمات.

إن السيادة الغذائية في القرن الحادي والعشرين لن تكون سيادة بلد ينتج كل ما يستهلكه.

بل ستكون سيادة بلد يعرف بدقة:

ما الذي يجب أن ينتجه، وما الذي ينبغي أن يستورده، وما الذي يجب أن يخزنه، وما الذي لا يجوز أن يفقد السيطرة عليه.

والمغرب يمتلك بالفعل جزءاً مهماً من مقومات هذه الرؤية.

فالسدود كانت جواباً استراتيجياً على تحدي الماء في زمنها.

والفوسفاط والمكتب الشريف للفوسفاط شكلا قوة صناعية قائمة على مورد استراتيجي.

والسياسات الفلاحية والمائية الراهنة تسعى إلى تكييف الإنتاج مع القيود الجديدة.

أما التحدي المقبل، فيتمثل في ربط هذه السياسات ضمن رؤية واحدة ومتكاملة.

فالماء والغذاء والطاقة والصناعة لم يعد ممكناً التفكير فيها بشكل منفصل.

ولعل أزمة هرمز تكون قد ذكّرتنا بهذه الحقيقة البسيطة: إن أمن الدولة لا يقاس فقط بحدودها أو باحتياطاتها المالية.

بل يقاس أيضاً بقدرتها، عندما تضطرب طرق العالم ويتغير المناخ، على الإجابة عن سؤال يبدو بسيطاً لكنه في غاية التعقيد:

كيف نواصل إطعام شعبنا؟

بالنسبة إلى المغرب، توجد بالفعل أجزاء مهمة من الإجابة.

ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المكتسبات إلى صمود غذائي مستدام وعادل ومتاح لجميع المغاربة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *