الصحراء المغربية: من إدارة النزاع إلى صناعة الحل
ابراهيم اعمار :
تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من إدارة النزاع إلى صناعة الحل. فبعد عقود من المفاوضات المتقطعة، بدأ السؤال الدولي يتغير: ليس فقط كيف يستمر المسار السياسي، بل كيف يتحول إلى تسوية واقعية وقابلة للتنفيذ.
في هذا السياق، لم تعد مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 مجرد مقترح مغربي، بل أصبحت، وفق القرار الأممي 2797، أساساً للتفاوض من أجل حل سياسي واقعي ومتوافق عليه. وبذلك انتقل الحكم الذاتي من مبادرة مطروحة إلى مرجعية سياسية للمسار الأممي.
ويأتي الموقف الأمريكي ليعزز هذا التحول؛ فواشنطن تؤكد ثبات موقفها من مغربية الصحراء ودعمها للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وهنا يلتقي الموقف الأمريكي مع المسار الأممي: تثبيت أرضية الحل، ثم الانتقال من التفاوض حوله إلى بحث شروط تنفيذه.
وفي قلب هذا المسار تبقى السيادة الوطنية ثابتاً لا يقبل الالتباس. فالحكم الذاتي، في التصور المغربي، ليس بديلاً عن السيادة، بل إطاراً لتدبير شؤون الأقاليم الجنوبية في ظلها، عبر مؤسسات تمثيلية واختصاصات واضحة ومشاركة سياسية فعلية.
وهنا تحديداً تبدأ المرحلة الأصعب: القرار وحده لا يصنع الحل. فالقرار الأممي يحدد الإطار، والتفاوض يحدد التوافق، لكن التنفيذ هو الذي يمنح التسوية معناها ويحولها من نص سياسي إلى واقع مؤسساتي. لذلك فإن نجاح المرحلة المقبلة سيقاس بمدى القدرة على ترجمة مبادرة الحكم الذاتي إلى مؤسسات وحكامة وتنمية وحقوق ومشاركة حقيقية.
ومن هذه الزاوية، يصبح تقرير المصير أيضاً مفهوماً عملياً لا مجرد شعار. فجوهره تمكين السكان من ممارسة إرادتهم وتدبير شؤونهم، وهو ما يمكن أن يجسده حكم ذاتي فعلي قائم على المشاركة والاختيار والمؤسسات.
أما البعد الإقليمي، وفي مقدمته الجزائر، فيظل حاسماً في الوصول إلى تسوية نهائية. فالانتقال من إدارة النزاع إلى صناعة السلام يتطلب إرادة سياسية تتجاوز منطق الصراع، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون المغاربي.
وهكذا تتضح معادلة المرحلة: القرار الأممي يفتح الطريق، والموقف الدولي يثبّت الاتجاه، والسيادة تحدد الإطار، لكن التنفيذ هو الذي يصنع الحل.
لذلك لم يعد السؤال فقط: «ما هو الحل؟» بل أصبح: «كيف ننتقل من القرار إلى التنفيذ؟»
فالحكم الذاتي لن ينجح لأنه كُتب في وثيقة، بل عندما يتحول إلى مؤسسات حقيقية، وحقوق حقيقية، ومواطن شريك في صناعة مستقبله.
من إدارة النزاع إلى صناعة الحل، ومن القرار إلى التنفيذ، ومن التنفيذ إلى السلام.
