في الحاجة إلى مرحلة  » نقاهة  » فكرية وإعادة ترتيب الصّمت:

في الحاجة إلى مرحلة  » نقاهة  » فكرية وإعادة ترتيب الصّمت:
شارك

بقلم سعيد ألعنزي تاشفين ..

     ** يقول كريشنا مورتي :

     » مَن يلوم الآخرين لا يزالُ في أوّل الشّوطِ من رحلته ، و مَن يلوم نفسه فقد بلغَ منتصف الشّوط ، أمّا مَن لا يلوم أحداً فقد وصَل  » .

 ** قياسا بوح في مأساة الحلاج :

      أستمد هذا العنوان من  » لوي ماسينيون  » ، بحيث يحتاج المرء حينا من الدهر إلى الجلوس مع نفسه وممارسة تأمل هاديء في مأساته ثم إعادة ترتيب الإخفاقات كلها التي بصمت عمرا بأكمله ، فتاريخ الأنبياء والرسل وعظماء التاريخ يفيد أن النكبات تلازم التجربة عندما تكون عميقة ؛ لذا حري ممارسة نوع من المونولوغ بكثير من الرغبة في البكاء ( يقينا لا ضعفا ) لمآلات حُبلى بالكثير من التأثيرات والإنزياحات ضمن حرب طروادة التي قتلت فارسها . ولست هنا أبوح بانفعال جارف حيال سلوك محدد أو إزاء فعل مباشر ضد فعل آخر، أبدا ؛ بل ما أدعيه ها هنا يعزى إلى محصلة ذاتية تمتح روحها من تأمل رصين في سرديات متعددة منها ضمن مفارقة مربكة : السياسة !! حقوق الإنسان !! التفكير !! الترافع !! تحفيز تجارب لمّ الشمل !! الصداقة !! التحالف الموضوعي .. على نقيض ؛ الوحدة !! الهروب الواعي من كل الترابطات !! اللاّتفكير !! اللامبالاة !! التراجع عن دعم النسق !! الابتعاد !! الصمت المنهجي !! ..

 ** سرديات الأعطاب :

     علميا يعتبر تودوروف أول من استعمل توصيفة السرديات عام 1969 ، وذاتيا مَنحُ الوقار للسرديات كتأملات كبرى يثير لدي أكثر من وجع في سياقات  » الإنكسار  » الموجع لحلم تحصين سردية المشترك الإنساني خلف ما يحاصر الحلم من نكبات مكلِّفة نفسيا . وأزعم أن سقوط السرديات، في جغرافية تستنزف كل شيء، يوطد تراجيديا السيرورات وإخفاق الصيرورة ؛ وبالتالي يليق إعادة ملاءمة الحلم مع ضغط الإفلاس الذي يُرخي بضلاله على ثنايا الحلم . والسرديات الكبرى منها: القبيلة ، العائلة ، الدم ، المجتمع ،  » الطائفة  »  الحقوقية ، النسق الفكري ، البنية الوجدانية ، التحالف الموضوعي ، التنمية المستدامة ، الجهوية ، الإنصاف الترابي، الحلم بثورة ثقافية بيضاء ، الفعل السوسيولوجي .. وغيرها من بناءات سردية تنهار تحت قذائف الإفلاس في توفير وإسناد ثقافة التحصين . والنتيجة ، من آسف ، لن تكون غير وجع يتجدد بعد كل سردية صغرى تؤسَّس في كنف هذا الحلم البسيط في ترك بصمة تُزكَّى لدى الضامن الأنطولوجي الأعلى لوجود كل ما هو موجود بعيد بعيدًا جدا عن أية رغبة شخصية ضيقة ؛ وما أطماع الدنيا وهوس التفوق ونهم التموقع إلا تعبيرات عن إفلاس الإنسان إذا لا تستند على وازع يروم خدمة المجتمع ، لذلك يحضرني دوما هذا القول الذهبي  » استفتي قلبك  » ؛ فأستفتيه فيُفتيني ويتجدد الوجع من جديد وكفى بربي وكيلا ؛ وتستمر لعبة الوجود الملطخة بكثير من الاستصغار ؛ والشك لا غرو يفيد في تبخيس النبض .

** في الحاجة إلى الصمت المنهجي :

     لا يكون المثقف مثقفاً ، وهذا منطلق لست أدعيه ، إلا عندما يضع نفسه على هامش كل الإهتمامات ؛ فيصبح شمعة تحترق لإنارة سبل المجتمع ؛ فيناضل ، ويكتب ، ويحضر ، ويحاضر ، ويفعل ، وينفعل ، ويتفاعل ، ويخطيء ، ويصيب ، ويتحمس ، ويفشل ، ويمضي ، ويرجع ، ويفرح ، ويحزن .. خدمة للمشترك الكبير المفعم بالإيجابية . ولعمري ، أيها الذين أمنوا ، في المعرض ذاته ، إنني أتذكر استشهاد سقراط لصالح المدينة ؛ فقتلته ولم تترحّم عليه !! ، وأستحضر حلم أفلاطون لبناء مدينة يحكمها الحكماء فسخر منه الغوغاء !! ، ولا أتناسى أريسطو الذي وضع أسس المنطق فسخِرت منها الدهماء ، ولا أبتعد عن ذكرى النبي محمد ( عليه أفضل الصلاة ) وهو يوصَف بأقبح الألقاب تحت رقابة الله سبحانه من لدن قبيلته وبلدته ؛ وما ودّعه الله وما قال ، وما بكاء التوحيدي إلا نتيجة لإفلاس حلمه الصغير ، وإحراق كتب إبن رشد كان تجل لمكر التاريخ ، وما حكاية سبينوزا المنبوذ إلا توقعا لموت العقل في بنية الشك .. وكلها ، بالنسبة لي ، سرديات لا تفارق مُخيلتي قطّ في معرض التموقع المتجدد في حياتي البسيطة دون أي حلم إلا في حدود إدراك الكفاف والعفاف و  » سْتْر الله  » بين تقلبات الدنيا . ولأنني أستحضر القاعدة  » لا قياس ب ( مع ) وجود الفارق  »  فلا أقارن نفسي بالعظماء إلا من باب الاهتداء ، كما لست إلا مرجعا لنفسي بما يفضي إلى قناعات موغلة في التجربة الذاتية مع كثير من الدرامية بعيدا عن أية مطامح دنيوية عابرة للإنسان الذي خُلق هلوعا ، مع ضمان موفور الحق في التعبير لكل قراءة تحاكم نيتي وهو تعالى يتولى السرائر خلف من يتولى فينا الظهائر وهو كفيل بالعباد .

** ترتيب القرار :

     » ربي اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون  » كانت ولادة شاقة جدا كلّفت قلب الرسول محمد عليه السلام حزنا لازمه ردحا من الزمان بعدما تألم من ذويه وأهله الذين كان يرتجي منهم أن يكونوا سندا وظهيرا ؛ ثم أصبحوا وجعَا . لقد خاب ظن النبي وحصلت نكبة عميقة بوجدانه تحت طائلة سقوط السند في قلب معركة تحتاج حليفا موضوعيا يخفف عنه شقاء تبليغ الرسالة على غرار باقي زملائه من المرسلين الذين عاشوا تجارب مريرة في معرض إنفاذ الرسالة ضمن سياقات الجحود . وأعتبر النبوّة سردية كبرى تتكرر بأشكال أخرى أقل عناية ، رغم عدم استقامة القياس ، بحيث يضطر المرء حينا إلى استلهام وجع سقوطٍ مكلف لما يؤمن به من سرديات معيارية تحت قصف سوء التقدير ؛ والعاقبة للمتقين . لهذا كما قال حنّة مينة ذات أرق أصابه :  » سأهرب منهم جميعا إلى نفسي  » ؛ ولا ضيْر أن يعود المرء إلى نفسه ويبني لها فيها عالما بسيطا في مساحات ممتدة من الصمت ، إذ يتطلب الأمر بضع سنوات لنتعلم الكلام ويتطلب العمر كله لنتعلم الصمت ؛ و هو ما أسميه ب  » الصمت المنهجي  » الكفيل كدفع على مضض لدحض كل رغبة في توطيد المشترك الإنساني الذي يستعصي في دوائر البشر المتقلبة بين يدي الرحمان . لذا بعد مسافات من عبور من مرارة إلى أخرى أبلُغ ما يلي ؛ وهي هذه الاستنتاجات :

** نافلة البوح :

     أشارك إن شاء الله بَوْحي عبر  » لايف  » بحسابي هذا غذا أو بعد غذ لمناقشة مضمون ما كتبت هنا ، تحت وقع قناعة ذاتية غير مؤسّسة على أي رد فعل حتى أبيّن حجم الإخفاقات التي تلازم كل تجربة طموحة لصالح المجتمع بقفار هذه الجغرافية ، مع سقوط السرديات كلها ، وانبعاث سردية صغرى على شكيلة حلم ذاتي بسيط بعيدا عن أضواء الفعل نحو ما يسميه المتصوفة ب  » التَّخلِية والتَّحلِية  » ؛ وما التخلية إلا التخلي عن كل شيء من مطامح الدنيا وهوسها وضجيجها وتناقضاتها ، وما التحلية إلا العيش بهدوء وانصهار مع نواميس الملكوت بصمت منهجي يرنو حُسن تملّك القوة العاقلة كما قال أفلاطون في معرض دعوته إلى عدم الاستسلام لهوس كلٍّ من القوة الشهوانية والقوة الغضبية ؛ والنتيجة تحصيل حاصل من خلال الحاجة إلى بناء سردية ذاتية بعد إفلاس السرديات الكبرى كلها .

    وبناء على ما سلف ؛ سأوضح مواقفي حيال الكلمات والأشياء كما قال ميشل فوكو وهي تعبُر مساحات التفاعل هنا وهناك من لدن سكان أسامر تحديداً ، ثم أتخذ مباشرة قرار إنفاذ الصمت المنهجي بالتخلي ( يرادف التخلية عند المتصوفة ) عن كل شيء إلا عن ما سماه ابن سيناء ب  » الإنيّة  » كمرادف لما سماه مارثن هايدغر ب  » الكينونة  » كمنطق يناسب منطق  » التحلية  » ( العودة إلى النفس ) عبر مغادرة كل فعل يلزمني وألزمه ؛ والله سبحانه دوما خلف القصد وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .

      ** الصورة تعبير عن مضمون ما قاله الشاعر محمد الجواهري :

        » لم يبقَ عندِيَّ ما يبتزُّهُ الألمُ … فالصَّمت أفضلُ ما يُطوَى عليهِ فمُ « ✓✓ في الحاجة إلى مرحلة  » نقاهة  » فكرية وإعادة ترتيب الصّمت :

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *