صمت الليل

صمت الليل
شارك

ثريا الطاهري الورطاسي

طنجة 24 ديسمبر 2023

مساء الخير لكل الساهرين، والساهرات ممن يشاطرونني أرق الليل بنشوته وسكونه الابدي ، ويطلقون العنان لكل مكنونات ذواتهن / ذواتهم ، من مناجاة ومن تعب وحتى من ألام وما يصاحبها من تأوهات وكل ما تعج به، ولمن ألقت الدنيا في طريق وحدتهم وجعا وظلاما أعتى من ظلمة  الليل، ولمن ناجيتهم جاعلة ليلتي نصيبا من أرقهن (م) ، ولكل من أعزهن( م) وأحترمهن (م) على الدوام .

السهر أو الأرق هو زفرة الليل، وقد يكون جميلا حينما تختاره ، و سيئا حينما يختارك ، فتحاول أن تقنع نفسك بأن كل هذا السواد وما يدور في فلكه ، هو مجرد حلم ليس إلا ، غير انه سرعان ما يستفزك بهدوئه ، ويطوح بك جماله وروعته في عالم من التقلبات ، فيقلب عليك الذكريات ،  ويبعثرها  الكلمات في قلبك لامحالة ، فيجعلك محلقا مسافرا في عوالم كونية لا تعلمها ، ويأتي ذاك الهدوء ليدق ناقوس الاخبار بأن الضجيج  هو مستقر ، ونابع  من دواخلك الملتهبة

و يأتي الليل ليحكي ما تخفيه قلوبنا خاصة تلك التي يرهقها السهر ويقضها الأرق، فيستعصانا التفكير ونتوه بين صمت الروح وانفاس الليل، ونرتمي في أحضان السكون ونتيه في حكايات ماضوية وغيرها  معاشة ، تملأ أفكارنا ومشاعرنا ، مجرد من كل الاوصاف الخاصة بها وكأنها فقاعات صابون منزلقة ، وتطالعنا العديد من ظلال وجوه تناسيناها مرغمين ، فنطلق العنان لجموح ذكريات منفلتة من زمان أحلام ماضوية ارتبطنا بها حبا وكراهية ، على حد سواء .

             فيقولون عنه ، ذاك الليل أنه هاديء لمن هي / هو

لوقتها (ه)  طاوي(ة) ، وغير منكوي(ة) بجمر أرقه ، فهو حكي  مسترسل لا يفهمه إلا من عاشه بكل لحظات السكينة ، وطمأنينة الاختلاء  بالنفس في عتمة وسكون  الليل ، بعيدا عن أي تشويش لحظي مؤرق ينتزعك مجبرا من سكينة  الهدوء ووحدانية عزلتك . فتستحضر شريط كل الخبايا رغما عنك، فيطوح بك في متاهة رحلة الأسئلة التي تملؤك   بظلامها الدامس ، فتتراوح بين ضفتي ثنائية القبول الهادئ

والرفض الممنهج ،  وتصبح صديقا (ة) لهلوساتك تحدثها، تسامرها، تحاسبها معاتبا تارة ، ومطمئنا اليها مرات أخرى . فتنساب منك (ي) الكلمات التي لا تستشعرها إلا في سكون الليل وصمته، وتحضرك صور ذكريات متأرجحة بين تناقضات الحياة، فيصير معها ليلك لا منتهية استفزازاته.

إنه الليل، يأبى إلا أن يأكل كل شيء بسرعة غريبة ومجنونة، ولا يعجز إلا عن محو الأرق وانتشالك من عتمته، وأنت المتخبط في دوامة مواضيع لا رابط بينها، فتسافر بين محطات البشر وساحاتهم المتباينة، فتأخذك الأحاسيس إلى أحلام، وتطوح بك إلى متاهات لا حدود لها ، فيشل تفكيرك

 وتتوسط دغل من الخواء والتوهان لتنغمس في أرخبيل ليلي لا جغرافية لأنفاسه.

إنه الليل بكل أرقه وحرقة دمعه وشجون لحظاته، وبهدوئه المستفز، فيهزك حنين الأحباب وتسترجعها مرغما ذكريات من غادروك إلى العلياء، وتتوالى ازمنة الماضي في استرجاع طوعي يمزق الجدار الضبابي الذي يحجب عنك كل الملامح، فيعوقك الفهم ويستعصياك التعبير، فتستعين بالبحث عن حلم جميل، أو عزيز أضاء وجوده عتمة ليلك، وتتخيلها همسة تبعدك عن أنين الأرق ، فترتمي في أحضان فجر نقي

تستهله بقراءة سورة الملك وتَسْبَح في ملكوت الرحمان مرددا « اللهم آنسنا في غربة الليالي وهون علينا كل صعب  » .

     هامش للتأمل :

 في البدء اعتذر اذا ما وجد أي قارئ نفسه فيما أكتب، دون ان أقصد ذلك ، وقد  أعبر عن شعور  » الاخر  » بكلمات ربما لم يستطع هو/ هي – ولسبب ما –  التعبير عنها، ولذا اجدني ملزمة بتجديد الشكر و الاعتذار ، فلربما كانت كتابتي هذه من الهلوسات التي تحضرني وانا أعيش الأيام الأخيرة من هذه السنة الميلادية التي كانت قاسية ومليئة بالمتناقضات.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *