خريف الفصول.. خريف العمر، إلى أرواح الأحبة الذين رحلوا
م.إسماعيلي
حينما يحل الخريف تبدأ أوراق الأشجار في السقوط الواحدة تلو الأخرى وتتكسر الأغصان تباعا وتغادر العصافير أعشاشها وتهاجر الطيور بعيدا فيكون ذلك إيذانا باكتمال دورة السنة وانقضاء الحول واستعدادا للرحيل إلى مكان وعالم آخر.. وإذا كان خريف الطبيعة يسمح لنا بانتظار قدوم ربيع آخر لنفتح نوافذ بيوتنا واستنشاق نسيم عليل وشم عطر ورد جميل أو طيب زهر ندي وننصت لزقزقة عصافير أو تغريدة طير ونرى الشمس وهي تلقي بخيوطها الذهبية فوق بساط الطبيعة المزهوة باختلاف ألوان مناظرها لتصنع لنا عمرا جديدا وحلما جميلا وقلبا يافعا فخريف العمر نهاية المطاف لدورة هذه الحياة وبداية التهيؤ للرحيل إلى عالم آخر دون عودة.. بداية فراق الأحبة وغياب الأصدقاء ورحيل الأقرباء.. لن تعود أسراب الطيور كما رحلت ولا باقة الورد كما تشكلت..
كنا جميعا نلتقي ونفترق.. نغيب ونعود.. نسافر ونرجع.. نغضب ونرضى.. قد لا نرى بعضنا بالعين المجردة إلى حين لكن عين القلب لم تغفل عن الأحبة أبدا.. قد لا نسمع أصوات بعضنا لمدة ولا نتواصل لكن لا ينقطع القلب عن الإصغاء للأعزاء لأن الصداقة لا تحتاج إلى ألفاظ وكلمات وعبارات.. كنا ننسى كل شيء حين نلتقي ثانية ونجتمع إلا صداقتنا فلم نتخلى عنها وكانت دائما سبب اجتماعنا ولقاءنا من جديد..
حانت شمس المغيب فبدأ رحيل الأصدقاء واحدا تلو الآخر دون شروق.. تذكرة سفر بلا عودة.. نزوح قبل الأوان.. مغادرة إلى عالم آخر.. ولا ندرى على من الدور في الرحيل القادم..
وهكذا بدأت الأوراق تتساقط والأغصان تتكسر والأشجار تتهاوى والطيور ترحل دون رجعة.
كم هو مؤلم أن تتذكر أحبة رحلوا دون عودة..
كم هو مؤلم أن ترفع صوتك ضاحكا لتخفي أنات قلبك وصوت بكائك..
كم هو مؤلم أن ترتدي قناع الفرح لتخفي ملامح وجهك الحزين..
لنا في الذكريات شجون من أجلها تدمع العيون.. وفي الفراق لوعة ولهيب لكل أخ وحبيب.. صديق وقريب..
يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: « تواصلوا مع أصحابكم.. فالصاحب الوفي مصباح مضيء.. قد لا تدرك نوره إلا إذا أظلمت بك الدنيا.. »
فسلام على من دام في القلب ذكراهم.. فإن رحلوا دعونا الله أن يرحمهم ويتولاهم.. وإن غابوا عن العين قلنا يا رب احفظهم وارعاهم.
