قبة السوق تازة بين الحريق والنسيان..
عبد المنعم الكزان
بقبة السوق بتازة الذي أتى على جدران وسلع أكثر من أربعين محلا تجاريا، أيقظ في نوستالجيا الزمان كجزء من الفضاء والذاكرة، تلك التي كانت وميضا أشرقت به رواية الأستاذ عبد الإله مسكمار التي حملت عنوان « قبة السوق « ..
و كأن المؤلف أصر على تصوير فيلم واقعي يجمد من خلاله الزمن، قبل أن تتبخر رائحة عطر الحلاقين والعطارين، وكما تبخر معها ضباب الحمامات قديمة (صب الما، الباشا، قبة السوق،حمام اليهود).
لم يعد هناك حي للصفارين ولا للنجارين أو القطانين أوالخياطين و الطرافين ولا الفندق ،… ابتلعهم الزمن كما ابتلع شخوص الرواية (الحاج الصديق مسكمار، جاره الحاج عبد الله الحماس و العياشي …)، ولا حتى موسم معاكسة الفتيات عصر كل مساء في الصيف وأيام السوق البراني، فهل أصبح مصير تازة هو مصير شخوص الرواية الذين ابتلعهم الزمن ؟
حريق قبة السوق لا يمكن اعتباره حدثا عابرا مهما كانت نتائج التحقيقات، صحيح أن الدولة والسلطات بدأت قبل عقد من زمن تبذل مجهودات كللت بإصلاح الأسوار وإصلاحات أخرى بما فيها إصلاح قبة السوق، لكن ذلك دون تدابير وقائية تراعي خصوصية أزقة المدينة العتيقة، خاصة بعد أن أغلقت تقريبا كل « سبلات الماء » العديدة التي كانت تزخر بها المدينة العتيقة، والتي لا تتعدى المسافة بينها وبين مكان الحريق أمتار. ما يؤكد أن الإصلاحات غير مكتملة، وإن كانت حافظت على جزء من ذاكرة « مدينة النحاس » واسوارها وأبوابها.
غير أن قرونا من التواجد المادي لكل الإمبراطوريات المغربية دون استثناء التي شكلت هذه المدينة مرة مركزا لتأسيسها ومرة حاضنة، لا يكفيها عقد واحد من الترميم بعد عقود من التهميش والإهمال.
قبل شهور خلت، خرج عدد من التجار الذين شاهد الجميع فيديوهاتهم وهم يركضون بين الدخان لإطفاء النار أو يبحثون وسط الرماد عن بقية حياة_ احتجاجا على عدة قضايا:( التهميش، غياب الإنارة، إغلاق « سبالات الماء » ، انهيار الأسوار و إغلاق الجامع لكبير، وتصاميم التهيئة العشوائية التي حولت فضاء المدينة وامتداداها إلى غابة من عمارات فارغة، قرارات الكراء غير المنصفة للتجار الصغار،…) .
جاء الحريق ليصدح مجددا بأن الوضع أخطر مما يعتقد البعض، وأن عقودا من تحويل مخصصات الجهات والمدن التي أريد لتازة أن تكون ظلا لها لا يجب أن يستمر، كما لا يجب أن تستمر معها هجرات الآلاف من أبنائها طيلة عقود.
إن « قبة السوق » ليست مكان احترق وكفى، إنها شاهد على قسوة الجغرافيا وعبقرية المكان، و على ذاكرة دول مرت من هنا: أمازيغ، أدارسة، مرابطون، موحدون ، مرينيون ،سعديون، علويون، و على ذاكرة ركب الحجيج والتجار والعلماء والعساكر.
قرب قبة السوق، في المشور مر سلاطين وتجول سفراء ومبعوثون على مر القرون.. ،وقربها درس فقهاء وعلماء ، ونزل المسافرون، و لازالت هنا خزانات المخطوطات، الجامع الكبير المغلق منذ سنوات كجزء من ذاكرة أريد لها أن تنام. وهنا أيضا تعلم أطفال تنفسوا نسيم الصباح عشقا لهذا الوطن:( عسكريا، أمنيا، رياضيا، فنيا، أكاديميا، ديلوماسيا… )
في طفولتي، كما الآن، عندما أمر مع والدتي من القبة ، وهي التي درست في مدرسة للبنات ، أشعر دائما أنها تحمل سرا صغيرا كلما رأت تلك الأزقة. ربما لأنها كانت تعرف زمنا آخر: زمن كانت تستفيق فيه على أغاني محمد عبد الوهاب المنبعثة من غرامافون لمعلم « مسكمار » وتأتي بالحليب من عند العياشي الذي كان يستجلبه من قبيلتي كل صباح ومساء ، وعبد الله الحماس يطهو الكرعين على الفاخر ليلا ليطعم الوافدين على القبة، و »الطبالة والغياطة » بجلالبهم البنية، العائدين كل صباح من رقصات الباردية على طلقات البارود في اعراس القبيلة صيفا » ، و سينما الأطلس و الدكاكين العتيقة وعشرات القصص، و عائلات هجرت المكان … بعضها إلى خارج المدينة، وبعضها خارج المملكة. حرفيون ماتوا دون أن يتركوا تلاميذ، فماتت الحرف معهم، وكأن المدينة لا يربطها أي صلة بالماضي.
لهذا، كان الحريق لحظة مكاشفة، لم نعد نملك تراثنا، لا نحميه، ولا نعرف قيمته، الإهمال يقتل تاريخنا قبل أن تقتله النار.
قبة السوق ليست مجرد سوق، إنها طبقات من التاريخ، وشم في الذاكرة. حين تمشي فيها تشعر أنك تمشي فوق زمن لا فوق أرض. الجدران والاسوار روايات حجرية، تحمل أثر يد موحدي أو مرابطي أو مريني أو سعدي أو علوي ، إنها أمكنة لا يمكن معاملتها كفضاءات عادية لتترك لقدر الاحتراق .
تازة حالة انكماش تاريخي واقتصادي، فالمدينة التي كانت ذات يوم مدينة « الترس والبرج » تحولت إلى فضاء مهمل في نظر المسؤولين أيضا لا يعرفون إلا المصادقة على غابات الأسمنت الفارغة التي تخفي جمال المدينة.
في كل زيارة للمدينة القديمة تشعر بأن المكان يشيخ. أبواب و أسوار وآثار تحولت إلى غبار، مساجد وحمامات عتيقة مغلقة، مدارس عتيقة مهجورة، أزقة تتألم تحت وطأت الزمن، وما تبقى من الناس يحاربون كي يبقوا… كي لا يختفوا مثل شخوص رواية « قبة السوق ».
الحريق هو أيضا بداية سؤال يجب أن يطرح بوضوح:
ماذا نريد أن نفعل بهذه المدينة؟
هل نتركها تموت يوما بعد يوم؟
أم نريد أن نستعيد روحها، نستعيد حكاياتها، وشخوصها ولو رمزيا _ وتمنحها فرصة لتبعث من جديد؟
هل نتركها رمادا، أم نعيدها كما كانت تستقبل ركبان الحجاج والتجار وتبهر الزوار ؟؟
إن إعادة الحياة إلى قبة السوق لا تكون فقط بترميم السقف وإعادة بناء المحلات، بل بمصالحة الناس مع الفضاء، بإعادة الحرف و تشجيع التراث الحرفي بدل قتله، بإعادة الوجه الحضاري للمدينة، بالاحتفاء بالجبال التي تحرس المدينة .
قبة السوق كما في رواية مسكمار ليست مكانا فقط، بل رواية مستمرة. تتبدل فصولها لكنها لا تنتهي، الحريق يدعو إلى الألم والعزاء، لكن نرجو أن يكون بداية لعودة الحياة ، يربط الماضي بالحاضر، ويمنح تازة ما تستحقه :
مدينة تحترم ذاكرتها، و يحترم ناسها..
