السلطة بين الهيمنة والفعل الجماعي: قراءة فلسفية وتحليل سياسي للحالة المغربية
محمد السميري
مقدمة
يُعدّ مفهوم السلطة من أكثر المفاهيم إشكالًا في الفلسفة السياسية، إذ غالبًا ما يُستعمل بطريقة بديهية، وكأنه مفهوم واضح لا يحتاج إلى مساءلة، رغم أنه محمّل بتاريخ نظري طويل ومتعدد التفسيرات. ففي السياق السياسي العربي، والمغربي على وجه الخصوص، غالبًا ما يُختزل مفهوم السلطة في مؤسسات الدولة وأجهزتها، وتُقاس قوته بمدى القدرة على الضبط والإكراه وفرض النظام. غير أن هذا الفهم ليس محايدًا، بل هو نتاج تقليد فلسفي وسياسي ربط السلطة بالعنف والهيمنة، متجاهلًا بعدها التشاركي والجماعي¹.
تندرج إسهامات الفيلسوفة السياسية حنّا آرندت1096 – 1975 ( ضمن أبرز المحاولات النقدية لهذا التقليد، إذ أعادت تعريف السلطة بوصفها قدرة جماعية على الفعل المشترك، لا علاقة لها في جوهرها بالعنف أو السيطرة². هذا التصور يتيح أدوات تحليلية لفهم أزمات الشرعية السياسية، والفراغ في الفضاء العمومي، وحدود العلاقة بين الدولة والمجتمع في السياقات المعاصرة. من هذا المنطلق، ينطلق هذا البحث من تصور آرندت للسلطة، ليطبقه على الحالة المغربية، مع التركيز على العلاقة بين الدولة والمجتمع، والفعل الاحتجاجي كأحد مظاهر السلطة الجماعية الناشئة.
______________
الإشكالية
يتمحور هذا البحث حول السؤال المركزي: إلى أي حد يمكن لتصور حنّا آرندت للسلطة، بوصفها فعلًا جماعيًا ينبثق من الفضاء العمومي، أن يساهم في فهم أزمة السلطة والشرعية السياسية في المغرب؟ ومن هذا السؤال تتفرع أسئلة فرعية، من بينها: ما الأسس الفلسفية التي يقوم عليها تصور آرندت للسلطة؟ كيف تميّز بين السلطة والعنف؟ وكيف يمكن قراءة العلاقة بين الدولة والمجتمع في المغرب على ضوء هذا التمييز؟ وهل يمكن اعتبار الاحتجاجات الاجتماعية في المغرب تعبيرًا عن سلطة مواطنية بالمعنى الآرندتي³؟
______________
فرضيات البحث
يفترض البحث أن التصور السائد للسلطة في المغرب لا يزال أسيرًا للمنظور الكلاسيكي الذي يربطها بالهيمنة والضبط، وأن هذا التصور يفسّر جزئيًا ضعف الشرعية السياسية رغم قوة الدولة مؤسساتيًا. كما يفترض أن تصور آرندت يوفر إطارًا لفهم التناقض بين قوة الدولة وهشاشة الفعل الجماعي، وأن الاحتجاجات الاجتماعية والفضاءات العمومية غير الرسمية تمثل محاولات لإنتاج سلطة مواطنية غير معترف بها مؤسساتيًا. ويُفترض أيضًا أن غياب آليات دمج الفعل الجماعي في المجال السياسي الرسمي يؤدي إلى توتر دائم بين الدولة والمجتمع⁴.
______________
منهجية البحث
يعتمد البحث على منهج تحليلي–تأويلي، يقوم على قراءة نصوص حنّا آرندت الأساسية وتحليل مفاهيمها حول السلطة والفعل الجماعي، مع تفكيك الخلفيات الفلسفية لمفهوم السلطة في التراث السياسي الغربي، ثم توظيف هذا الإطار المفهومي لقراءة الواقع السياسي المغربي. ويستأنس البحث أيضًا بتحليلات فلسفية وسياسية عربية معاصرة، بهدف ربط النظرية بالفعل السياسي المحلي⁵.
______________
أولًا: السلطة بوصفها هيمنة – الجذور الفلسفية للتصور الكلاسيكي
تعود الجذور الأولى لربط السلطة بالهيمنة إلى الفلسفة السياسية اليونانية، حيث كان السؤال الأساسي الذي وجّه التفكير السياسي هو: من يحكم؟ وكيف تُنظّم الطاعة؟ فقد صنّف أفلاطون وأرسطو الأنظمة السياسية وفق الجهة التي تمارس الحكم، لا وفق كيفية تشكّل السلطة نفسها أو مصادر مشروعيتها الاجتماعية. وهكذا جرى التعامل مع السلطة باعتبارها مرادفة للسيطرة المشروعة، أي لعلاقة عمودية بين الحاكم والمحكوم⁶.
انتقل هذا التصور إلى الفكر السياسي الحديث مع جان بودان، الذي ربط السلطة بمفهوم السيادة المطلقة، ثم مع توماس هوبز، الذي جعل احتكار العنف أساس قيام الدولة وضمان الأمن. وفي القرن العشرين، تكرّس هذا الفهم مع ماكس فيبر، الذي عرّف الدولة بأنها الكيان الذي يحتكر “العنف المشروع” داخل مجال ترابي محدد⁷. وترى آرندت أن هذا المسار النظري أدّى إلى تفريغ السياسة من بعدها التشاركي، وتحويلها إلى مجرد تقنية للحكم والإدارة، وفصلها عن الفعل الجماعي للمواطنين⁸.
______________
ثانيًا: حنّا آرندت وإعادة تعريف السلطة
تُحدث آرندت قطيعة جذرية مع هذا التقليد، إذ ترى أن السلطة لا تقوم على العنف، بل على الفعل المشترك. ففي كتابها في العنف، تميّز بين السلطة والعنف، معتبرة أن العنف لا يولّد سلطة، بل يظهر عندما تفشل السلطة أو تتآكل⁹. فالسلطة تنشأ بين الناس، وتقوم على الاتفاق، ولا تُختزل في الدولة، ولا تُمارَس بشكل فردي أو قسري.
وتؤكد آرندت أن السلطة “تنتمي إلى الجماعة، وتبقى قائمة ما دامت الجماعة موحدة”¹⁰، وهو ما يجعلها ظاهرة سياسية خالصة، مرتبطة بالفضاء العمومي، أي المكان الذي يظهر فيه المواطنون بوصفهم فاعلين سياسيين قادرين على الكلام والفعل المشترك. بهذا المعنى، لا تكون السلطة أداة حكم، بل شرطًا لوجود السياسة ذاتها.
______________
ثالثًا: السلطة والعنف – أزمة الشرعية في الدولة الحديثة
يتيح التمييز الآرندتي بين السلطة والعنف فهم مفارقة أساسية، مفادها أن ازدياد اعتماد الدولة على العنف يدل على ضعف سلطتها السياسية، لا على قوتها. فالعنف قد يفرض الطاعة، لكنه لا يخلق الاعتراف ولا يؤسس لشرعية دائمة، بينما تقوم السلطة على القبول الطوعي والمشاركة. لذلك ترى آرندت أن الدولة الديمقراطية لا تكون شرعية إلا بقدر إحالتها المستمرة على إرادة المواطنين، وعلى قدرتهم الفعلية على المشاركة في الشأن العام¹¹.
______________
رابعًا: الحالة المغربية – السلطة بين التفويض والفراغ العمومي
في النقاش العمومي المغربي، تُستعمل كلمة السلطة بكثرة، لكنها غالبًا بلا مضمون سياسي حقيقي، إذ يقتصر الحديث على “هيبة الدولة” و”فرض النظام”، وكأن السلطة لا تكون إلا حين تُطاع الأوامر ويُضبط الشارع. غير أن هذا الخطاب يخفي سؤالًا جوهريًا: هل السلطة فعلًا في يد المجتمع، أم أنها مفصولة عنه ومفروضة عليه؟
مع تصاعد الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، ومع تآكل الدولة الاجتماعية، عاد الاحتجاج الاجتماعي إلى الواجهة، لكنه واجه خطابًا يرصد كل تعبير جماعي بوصفه تهديدًا للاستقرار، وكل فعل احتجاجي كخروج عن القنوات “المشروعة”. من هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة التفكير في معنى السلطة، لا بوصفها أداة ضبط، بل بوصفها علاقة سياسية قائمة على المشاركة بين الدولة والمجتمع¹².
من منظور آرندت، السلطة تنشأ حين يتصرف الناس معًا، ويتفقون، ويخلقون فضاءً عموميًا يعبرون فيه عن مصالحهم المشتركة، فتكون السلطة ليس ما يُمارس على المجتمع، بل ما ينبثق من داخله. إذا نظرنا إلى الواقع المغربي من هذه الزاوية، فإننا نصطدم بمفارقة حادة: الدولة حاضرة بقوة على المستوى المؤسساتي والتشريعي، لكنها تعاني من ضعف في إنتاج الشرعية الاجتماعية، كما أن المشاركة السياسية تبقى محدودة، بينما يُطلب من المواطن أن يثق في سياسات لا يشارك في صياغتها¹³.
في هذا الفراغ، لا تختفي السياسة، بل تعود في شكل الاحتجاج، وهو في جوهره تعبير عن غياب قنوات سياسية فعالة. حين يخرج الناس في الريف أو جرادة أو زاكورة، أو يقاطعون شركات كبرى، فهم لا “يخرقون النظام”، بل يحاولون، بوسائل محدودة، أن يصنعوا لأنفسهم مكانًا في المجال العام، وأن يقولوا إن لهم كلمة فيما يخص شروط عيشهم. فلا يمكن فصل هذه الاحتجاجات عن الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية التي عمّقت الفوارق وقلّصت دور الدولة الاجتماعي، ودفعت كلفة الأزمات إلى الفئات الشعبية¹⁴.
يشكّل حراك الريف مثالًا بارزًا، فقد عبّر عن مطالب اجتماعية مشروعة، بلغة سياسية واضحة وبسلمية، ونجح في خلق فضاء عمومي محلي أعاد الاعتبار للكرامة والعدالة المجالية. لكن هذا الفضاء لم يُنظر إليه كرافعة لإعادة بناء الثقة، بل كخطر ينبغي تفكيكه، مما أدى إلى كسر سلطة اجتماعية ناشئة، بدل تحويلها إلى قوة سياسية تفاوضية. نفس المنطق ينطبق على حركة 20 فبراير، التي أظهرت قدرة المجتمع على الفعل الجماعي المنظم وفرضت إصلاحات حقيقية، لكنها أُغلقت بسرعة، دون استيعاب الطاقة السياسية التي أنتجتها¹⁵.
المشكلة إذن ليست في الاحتجاج ذاته، بل في تصور ضيق للسلطة يرى في المجتمع خطرًا دائمًا يجب ضبطه، لا شريكًا ينبغي الاعتراف به. هذا التصور يجعل الدولة قوية ظاهريًا لكنها هشة سياسيًا، لأنه يفصل السلطة عن قاعدتها الاجتماعية ويحوّل السياسة إلى إدارة تقنية بلا روح. من هذا المنظور، لا يمكن الحديث عن دولة اجتماعية حقيقية دون فضاء عمومي حي، ولا عن عدالة اجتماعية دون سلطة مواطنية قادرة على التأثير. السلطة التي لا تُبنى مع الناس تُمارَس ضدهم، حتى وإن ارتدت لغة الإصلاح والاستقرار¹⁶.
______________
خاتمة
يبيّن هذا البحث أن تصور حنّا آرندت للسلطة يوفر إطارًا تحليليًا لفهم أزمات السياسة في السياقات المعاصرة، ويفسّر التوتر بين الدولة والمجتمع في المغرب، لا بوصفه أزمة أمنية أو ظرفية، بل كأزمة سلطة وفضاء عمومي. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف نُقلّص الاحتجاجات، بل كيف نعيد للسياسة معناها، وكيف نخلق شروط فعل جماعي منظم قادر على تحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة اقتراح وضغط ديمقراطي. بدون ذلك، سيظل الاحتجاج يعود في دورات متكررة، وستظل الدولة تُدير الأزمات بدل حلها.
تعلّمنا آرندت أن السلطة لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالفعل المشترك. وفي المغرب، حيث تتسع الهوة بين الخطاب الاجتماعي والواقع المعيش، يبدو أن استعادة هذا المعنى للسلطة لم تعد ترفًا فكريًا، بل شرطًا سياسيًا ملحًا لأي أفق تقدمي حقيقي¹⁷.
______________
المراجع
- حنّا آرندت، في العنف، ترجمة إبراهيم العريس، دار الساقي، بيروت.
- حنّا آرندت، الوضع البشري، ترجمة فاطمة الشايب، دار الكتاب الجديد المتحدة.
- عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي.
- عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
- يورغن هابرماس، الفضاء العمومي، ترجمة حسن صقر، المنظمة العربية للترجمة.
- محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العرب
