حينما يسكننا الفراغ
ذ/ المختار عنقا الادريسي.
طنجة 30 . 12 . 2025
【 هذه وقفة تأملية تصغى لما خلفه بيت الأسرة حين غاب عنه الأهل، وتكتب عن الفراغ لا بوصفه غيابا فقط، بل بوصفه امتلاءً آخر من نوع موجع 】
ها قد انغلقت بوابة منزلنا بحي الرميلة/ عين الشق، لا بصوت المفاتيح وحدها، بل بصمت ثقيل يشبه ختم الزمن على صفحة مكتملة. انغلقت بعد أن غادرها الأحبة إلى العلياء تباعا، بدءا من الوالد، فالوالدة، ثم آخر العنقود من الإخوة… رحمهم الله جميعا، وجعل مثواهم نورا وسكينة وأسكنهم فسيح الجنان.
منذ ذلك العهد لم يعد البيت بيتا بالمعنى المتداول، بل صار أثرا عَمَّه السكون. لا سكون الطمأنينة، بل سكون ما بعد الرحيل، ذلك الصمت الذي لا يخلو من همسٍ خفيٍّ، ولا من ارتداد أصوات قديمة لا يسمعها إلا من عاشها أو عايشها. فالفراغ الذي استوطن البيت ليس فراغ الجدران بل فراغ الوجوه التاريخية. الغرف لازالت كما هي، لكنها بلا نظرات والأبواب قابعة في أماكنها، لكنها بلا طَرْق مألوف. أما النوافذ فتطل على الزقاق نفسه، غير أن العيون التي كانت تستقبل نسمات الصباح من خلالها لم يعد لها وجود، فصار الضوء معها يتيما، يدخل ولا يجد من يبادله التحية أو الحياة.
منذ ذلك العهد لم يكن البيت مجرد مأوى عائلي متواضع، بل كان في زمن مبكر من بداية سبعينيات القرن الماضي، » زاوية فكرية » نضالية بكل ما تحمله الكلمة من معاني ودلالات قيمية، فيه تَجَمَّعْنا ونحن – آنذاك – تلاميذ بقسم البكالوريا، نحمل أسئلة المرحلة وقلق البدايات وحلم التغيير الذي كان أكبر من أعمارنا. فضمنا رفقة مجموعة من الأصدقاء والصديقات، يوم كنا شبابا في مقتبل العمر، نؤمن بأن العالم قابل لأن يعاد ترتيبه بالكلمة … النقاش … المحبة… الصفاء … الاختلاف النبيل. ومما كان يزيد لقاءاتنا نضجا ورُقِيًّا ومتعة وعمقا ، تلك السهرات التي كانت تمتد إلى أوقات متأخرة من الليل، نرتشف فيها كؤوس الشاي وفناجين القهوة التي كانت تُعِدُّها بحنان متزايد المرحومة والدتي التي لم تكن ربة بيت ، بقدر ما كانت أُمًّا للجميع ، وهي السابقة لعصرها بشكل لافت للانتباه ، فاتحة بيتها وقلبها ليحتضن كل » رواد الزاوية » ، ومحتضنة اختلافاتنا، قلقنا، أسئلتنا طموحنا اللامحدود، دون أي خوف أو وتردد ، كأنها كانت تدرك بحس الأمهات، أن ما يجري بين جدران البيت ليس عبثا بل تمارين أولية على الكرامة وقيم المواطنة والالتزام وتحمل المسؤوليات، فكانت تشاركنا طروحاتنا بابتساماتها الصافية وبساطتها المعهودة وطيبوبتها المفتقدة وكرمها الحاتمي. في ذلك البيت المقفر
تتحول الذكريات التي نسجناها جميعا إلى صمت مطبق، تأتي الوحشة معه، فأتخيلني أفتح الباب لأتسلل، وأجلس في البهو بانتظار الابتسامة المفتقدة، الأسئلة المؤجلة، الوجع الذي يُذَكِّر بأن هذا البيت كان ذات يوم عامرا بالصفاء، المحبة، الإخاء
… فغدا اليوم موحشا إلا من ذكريات منقوشة في القلب والذاكرة. نقوشا لا يمحوها الإغلاق أو تبعدها الهجرة، ولا يطالها غبار السنين. فكلما مررت باستحياء قربه – لأني لم أدخله منذ أن انتقل أخي الصغير المرحوم رشيد إلى عفو الله ورحمته – أكتشف أن الأحبة لم يغادروه تماما، وإنما غيروا طرق تواجدهم وحضورهم. ليبقى ذاك الفراغ ليس عدما خالصا.
وإنما امتلاء من نوع آخر، سرعان ما يتحول من وحشة قاتلة إلى شاهد صامت على حياة عشناها كاملة، وعلى حب لم يكن عابرا. وحين تعود بي الذاكرة إليه، فإني لا أستحضر الجدران بقدر ما استحضر الأرواح التي عمرته الأحلام التي مرت به عابرة ثم انطفأت إنه حنين لا يطلب العودة بقدر ما يؤسف على فقدان اللحظات التي التقت فيها الأسرة والرفقة والنضال في بيت واحد … قبل أن يحكم الفقد والفراغ بإغلاق بوابته. وفي هذا الشاهد يكمن عزاء خفي يؤكد على أن من رحلوا، وان غابوا عن الأعين، فقد استوطنوا المكان الأعمق … حيث لا أبواب تغلق، ولا بيوت تُقْفَر.
