من مدرسة الدار البيضاء إلى ثانوية ليوطي أول مؤسسة تعليمية فرنسية مع الحماية بالدار البيضاء
علال بنور
لا شك أن تاريخ المؤسسات التعليمة في عهد الحماية بالمغرب، يعد جزءا من تاريخ البلاد، الحافل بالعديد من الأحداث. إن البحث في ذاكرة المؤسسات التعليمية، قد ينبش في المتخيل الجماعي والفردي، وبالتالي استحضار الماضي بما فيه من أحداث قد يكون لبعضها تشكيل شخصية الفرد والجماعة. لذلك، ألَا تستحق المؤسسات التعليمية كتابة تاريخها؟
مع تنصيب الجنرال ليوطي مقيما عاما على الدار البيضاء، آتيا إليها من الرباط سنة 1913. كمسؤول أول على المدينة، شرع في تهيئتها على مستوى العمران والبنية التحية، ومن مشاريعه، خصص هيئة من المهندسين المعماريين على رأسها (المهندس هنري بروست) للتخطيط للمدينة الأوربية، متكاملة المرافق والتجهيزات الخدماتية والجمالية من حدائق وساحات وواجهات معمارية شميسة.

منذ تحمله مسؤولية المدينة، عرفت حركة سريعة من التحولات العمرانية ومرافقها، من شوارع وادارات وساحات عمومية وأسواق ومستشفيات صغيرة ووحدات صناعية لخدمة حاجيات الجالية الأوربية، كصناعة الخشب والأبواب الحديدية، ومصانع لصناعة الثلج من أجل معامل ومخازن التصبير، والمطاحن والمواد الغذائية والميكانيك خدمة للمعمرين وباقي الجاليات الأوربية. في ظل هذه التحولات، اهتم ليوطي ببناء المؤسسات التعليمية، بنوعيها التعليم العام والتعليم التقني المهني. هذا الأخير، كان الهدف منه، توفير الأطر التقنية الصغيرة والمتوسطة خدمة للصناعات الأوربية بالدار البيضاء وغيرها من مدن الحماية.
كانت أول مؤسسة تعليمية أنشئت لأبناء الجاليات الأوربية، خاصة الفرنسيين، عُرفت باسم (ثانوية الدار البيضاء) للتعليم العام، تضم جميع المستويات التعليمية بمناهج ومقررات فرنسية، عُرفت عند العامة بثانوية (الألواح الخشبية) نظرا لبنائها بالخشب، تُدرس فيها المواد العلمية والأدبية والاقتصادية على شاكلة التعليم بفرنسا، كما تضم جميع المستويات التعليمية من الابتدائي إلى مستوى الباكالوريا. شكلت النواة الأولى للتعليم العصري بالدار البيضاء خلال الحماية الفرنسية، كان يلج إليها أبناء المعمرين وأبناء النخب من المغاربة. انطلق التدريس بها منذ 1913، باعتبارها مدرسة عمومية فرنسية رسمية، تتكون من داخلية سكنية لأبناء المعمرين في القطاع الفلاحي من خارج الدار البيضاء، وقاعات التدريس بمساحات شاسعة بنيت من الخشب، كانت هذه البناية الخشبية في الأصل مخيما عسكريا، موقعها الأصلي بشارع الجنرال (دماد D amad) (حاليا شارع الحسن الثاني، بالضبط في موقع بين زاوية شارع الحسن الثاني وشارع باريس حيث يوجد حاليا بنك المغرب). عند افتتاحها في الموسم الدراسي 1913 / 1914 سجلت 446 تلميذا. كان من أهدافها تكوين أطر متوسطة للعمل في الوظائف الإدارية والعسكرية خدمة للحماية بالمدن المغربية، ومع تطور التهيئة الحضرية للمدينة، ستُنقل ثانوية الدار البيضاء إلى بناية جديدة، بناؤها بالإسمنت والحديد بطريقة عصرية ، تحتوي على داخلية سكنية للتلاميذ لإيواء أبناء المعمرين الفلاحيين، ستأخذ اسمها الرسمي ثانوية ليوطي، التي هي حاليا (ثانوية محمد الخامس بشارع 2 مارس)، ومع التحولات العمرانية المتسارعة لمدينة الدار البيضاء، ستُنقل ثانوية ليوطي إلى مقرها الجديد بشارع الزراوي حاليا، محافظة على نفس الاسم ونفس البرنامج التعليمي العام وكذلك نفس نوعية التلاميذ من أبناء المعمرين وأبناء النخب المغربية، فتحت أبوابها في الموسم الدراسي 1921 / 1922.
توالى بناء مؤسسات تعليمية تقنية، يلجها أبناء المعمرين وأبناء المغاربة، يفيدون إليها من الدار البيضاء وخارجها. ومن بين المؤسسات التقنية المدرسة الصناعية والتجارية تأسست منذ 1917، (التي تعرف اليوم بثانوية الخوارزمي)، ثم المدرسة العصرية التقنية تأسست منذ 1952، (تعرف اليوم بثانوية جابر بن حيان)، أما (ثانوية مولاي عبد الله)، تأسست هي الأخرى في عهد الحماية، (لا نتوافر على سنة التأسيس ولا الاسم الأول في عهد الحماية) تجمع بين التدريس التقني والتدريس العام، تستقبل التلاميذ من الدار البيضاء وخارجها، كما تتوافر على داخلية لإيواء التلاميذ من خارج المدينة. ومن مرافقها الأساسية، إضافة إلى الملاعب لكل أنواع الرياضات، مكتبة مساحتها أكثر من هكتار تحتوي رفوفها على 35.000 كتاب ومخطوط نادر. اختفت تلك المكتبة بالكامل. كما اختفت كتب ومخطوطات الخزانة البلدية التي كانت مفتوحة للعموم بشارع الجيش الملكي بالقرب من محطة حافلات CTM بالدار البيضاء.
ومن المؤسسات التعليمية بالدار البيضاء زمن الحماية الفرنسية، نذكر الثانوية الصغيرة Petit Lycée، تأسست 1929 لاستقبال أبناء المعمرين وأبناء النخبة البيضاوية، (تعرف اليوم بثانوية ابن تومرت)، كما تأسست ثانوية شوقي 1924 التي عُرفت باسم (Lycée Jeunes filles). واعدادية ابن طفيل التي طالها الهدم، اليوم أرضها في نزاع بين الورثة ومجلس المدينة، ثم ثانوية الخنساء. تلك بعض أسماء المؤسسات التي شيدت في عهد الحماية الفرنسية بالدار البيضاء.
