الانتخابات التشريعية المقبلة: رهان الجبهة الداخلية من أجل مغرب في مصاف الدول الصاعدة.

الانتخابات التشريعية المقبلة: رهان الجبهة الداخلية من أجل مغرب في مصاف الدول الصاعدة.
شارك

بقلم، محمد خوخشاني.

لم تعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة في المغرب مجرد محطة دورية لتجديد النخب أو إعادة ترتيب الخريطة الحزبية، بل أضحت رهانًا وطنيًا استراتيجيًا، يتجاوز الحسابات الانتخابوية الضيقة، ليُلامس مباشرة قدرة البلاد على إنجاح مشاريعها الكبرى، على جميع المستويات، بكل ما تحمله من تحديات سياسية، اجتماعية، ومؤسساتية.

  1. من ديمقراطية الشكل إلى ديمقراطية النتائج.

كما سبقت الإشارة إليه في احدى مقالاتي، فإن النقاش السياسي المغربي ظل طويلًا «أسير ثنائية مضلِّلة: هل الحل في تغيير الأشخاص أم في تغيير السياسات؟»، في حين أثبتت التجربة أن جوهر الإشكال يكمن في جودة السياسات العمومية وربطها بالمسؤولية والمحاسبة.

فالمغرب، وهو يدخل مرحلة دقيقة من تاريخه، لم يعد في حاجة إلى خطابات مطمئنة أو شعارات جوفاء الهدف منها تعبوي محض، بل إلى سياسة قائمة على النتائج، قادرة على ترجمة الطموحات الكبرى إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.

إن تنظيم كأس العالم لا يُقاس فقط بجاهزية الملاعب والبنيات التحتية، بل أساسًا بمدى تماسك الجبهة الداخلية، وثقة المواطن في مؤسساته، وإحساسه بأن الدولة لا تستثمر في الصورة الخارجية على حساب الكرامة الاجتماعية في الداخل.

  1. الانتخابات كعقد سياسي لا كمجرد إجراء.

في نفس المقال نشر سابقا، أضفت أن «الانتخابات يجب أن تُعتبر عقدًا سياسيًا بين المرشح والناخب، قائمًا على التزامات مكتوبة وعلنية، قابلة للتتبع والمحاسبة».

وهذا الطرح يكتسي اليوم أهمية مضاعفة، لأن المغرب مقبل على مرحلة تتطلب حكومات قوية سياسيًا، ذات شرعية شعبية حقيقية، وقادرة على اتخاذ قرارات صعبة دون أن تفقد السند الاجتماعي.

فلا يمكن تصور إنجاح مونديال 2030 في بلد يعاني من هشاشة اجتماعية متفاقمة، أو من فجوة ثقة بين المواطن والفاعل السياسي. الاستثمار في الديمقراطية هو استثمار في الاستقرار، وهو شرط غير معلن لكنه حاسم في إنجاح أي مشروع وطني كبير.

  1. الحاجة إلى نفس ديمقراطي جديد.

من جهة أخرى، يؤكد عبد السلام الصديقي، الأستاذ الجامعي الخبير في الإقتصاد، أن المغرب «بحاجة إلى نفس ديمقراطي جديد لإعادة الزخم الحقيقي للحياة السياسية والخروج من منطق البريكولاج».

هذا النفس الجديد لا يمكن أن يتحقق في ظل مشهد سياسي جامد، أو هيمنة منطق المال والنفوذ، أو استمرار الإفلات من المحاسبة الذي يُفرغ الدستور من روحه.

إن دستور 2011، كما يذكر الوزير السابق للتشغيل والشؤون الاجتماعية، يضع كل اللبنات الضرورية لبناء دولة حديثة:

«نظام ملكية دستورية، ديمقراطية، برلمانية واجتماعية… وربط المسؤولية بالمحاسبة».

لكن التحدي لم يكن يومًا في النصوص، بل في الإرادة السياسية لتفعيلها.

  1. تأهيل السياسة شرط لإنجاح رهانات التنمية الحقة.

يبرز عبد السلام الصديقي وجود اختلال بنيوي بين البنية الاقتصادية والبنية السياسية، حيث قد تتحول هذه الأخيرة إلى عامل عرقلة بدل أن تكون رافعة للتنمية.

وهو اختلال يزداد خطورة عندما تُدار السياسة بمنطق نفعي ضيق، «سياسة في خدمة رأس المال وليس المواطن»، كما ورد في النص المنشور في الموقع الإلكتروني « أنفاس بريس ».

إن التحضير لكأس العالم لا يجب أن يكون مشروعًا تقنيًا أو استثماريًا فقط، بل مشروعًا مجتمعيًا شاملًا، يواكبه:

  • تقليص الفوارق الاجتماعية
  • تحسين الخدمات العمومية (الصحة، التعليم، النقل)
  • إدماج الشباب في القرار العمومي
  • حماية الفئات الاجتماعية المقهورة من منطق الإقصاء

وهي كلها مطالب لا يمكن تلبيتها دون اختيارات سياسية جريئة، ذات نفس اجتماعي واضح.

  1. الكفاءة بدل الإقصاء: شرط الجبهة الداخلية القوية.

يعالج مقال محمد خوخشاني المنشور في « لوكوليماتور » إشكالية الأمية والتمثيلية السياسية بمنطق متوازن، حين يؤكد أن الديمقراطية لا تعني الإقصاء، ولكنها أيضًا «لا تعني غياب الصرامة».

فالمطلوب ليس منع الترشح، بل فرض الكفاءة عبر البرنامج والالتزام والمسؤولية، بما يجعل من السياسة مجالًا للخدمة العمومية لا للارتزاق.

جبهة داخلية قوية لا تُبنى بالشعارات الوطنية وحدها، بل بإحساس المواطن بأن صوته يُحدث فرقًا، وأن من انتخبهم يمتلكون القدرة الأخلاقية والفكرية على تدبير الشأن العام.

  1. أي أفق سياسي للمرحلة المقبلة؟

يلتقي المحللان السياسيان في نقطة جوهرية: لا تنمية مستدامة، ولا نجاح لمشاريع كبرى، دون تأهيل حقيقي للحياة السياسية.

سواء عبر:

  • إعادة الاعتبار للتناوب الديمقراطي الحقيقي
  • تخليق العملية الانتخابية
  • تجديد النخب على أساس الكفاءة لا الولاءات
  • أو تعزيز مشاركة المواطنين، خاصة الشباب

لذا فإن الانتخابات التشريعية المقبلة يجب أن تكون لحظة تأسيسية، لا مجرد استمرار لما قبلها.

وفي الختام، إن مغرب الغد لا يُبنى فقط بالإسمنت والملاعب والطرق السريعة، بل يُبنى قبل ذلك بالسياسة الجيدة، والديمقراطية الفاعلة، والعدالة الاجتماعية.

والانتخابات المقبلة تشكل اختبارًا حاسمًا:

  • إما أن تكون مدخلًا لتقوية الجبهة الداخلية، والاحتفاظ على المكاسب، وتلبية مطالب الفئات المقهورة،
  • وإما أن تتحول إلى فرصة ضائعة تُثقل كاهل مشروع وطني يفترض أن يكون جامعًا.

كما جاء في تصور محمد خوخشاني:

«المغرب لا يحتاج إلى ديمقراطية شكلية إضافية، بل إلى ديمقراطية قائمة على النتائج».

وهو بالضبط الشرط السياسي غير القابل للتأجيل لإنجاح رهانات التنمية المتوخاة ليصبح المغرب فعلا من الدول الصاعدة.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *