تنحي أخنوش.. البدايات والنهايات في السياسة..
قيلش عبد اللطيف.. دكتور في القانون العام والعلوم السياسية
أثار قرار تنحي عزيز أخنوش من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار المفاجئ العديد من الأسئلة، والعديد من التأويلات..
مفاجأة القرار تتمثل في عدم انسجامه مع الدينامية التي دشنها الحزب، لتقديم الإنجازات واستمرارية المسار من جهة، ومن جهة ثانية قرار المجلس الوطني القاضي بتجديد الثقة في الأجهزة لتستمر في مهامها، وفي التحضير لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة..
تتمثل المفاجأة من جهة أخرى، في سرعة قرار الإعلان عن عقد مؤتمر استثنائي بتاريخ 7 فبراير 2026 بالجديدة، لانتخاب قيادة جديدة ورئيس جديد؛ في ظاهر الأحداث يبدو الأمر عاديا، ويندرج في نطاق أجندة الحزب وتقديراته، وفي الحق الشخصي المكفول لعزيز أخنوش في مغادرة الحزب، والحياة السياسية متى شاء؛ بيد أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه دستوريا (الفصل 1 من الدستور)، والقواعد الديموقراطية التي تلزم من يدبر الشأن العام، ومن يتحمل مسؤولية عمومية في مؤسسة دستورية، أو هيئة سياسية، أو نقابية.. بتقديم الحصيلة للرأي العام، ولكل الجهات المعنية بذلك ؛تقديم الحصيلة لفتح المجال لمناقشتها ونقدها ومساءلتها، ومحاسبة الطرف والأطراف المسؤولة عنها..
ويمثل الزمن الانتخابي، زمن المحاسبة والمساءلة بامتياز. فهو زمن يمنح المساحة للنقاش والجدال من الناحية النظرية، على اعتبار أن هذه المساحة تضيق في التجربة المغربية، لكون العملية الانتخابية أفرغت من مضمون النقاش السياسي، ونقاش الأفكار والبرامج؛ فقد هيمن على العملية الانتخابية المال، وظاهرة الأعيان التي تكاد تخترق معظم الأحزاب..
عزيز أخنوش الذي ارتبط الحزب به، واختزل في شخصه، سيفوت فرصة مناقشة القضايا التي تابعها الرأي العام، من قبيل تضارب المصالح، وزواج السلطة والمال، والفساد واحتكار الصفقات – (تحلية الماء وغيرها…)، وما اصطلح عليه بالفراقشية؛ يعيد هذا القرار النقاش حول واقع الديموقراطية التمثيلية وقواعدها وأعرافها التي فقدت معناها ومبناها، ووصلت إلى مأزقها في الغرب؛ يشعر المواطن اليوم كناخب أن لا صلة بين صناديق الاقتراع، والقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. باتت صناعة القرار خارج المؤسسات المنتخبة، وخارج المؤسسات الدستورية؛ كما يعيد هذا النقاش حالة الأحزاب، ومدى استقلاليتها في قراراتها، وفي اختياراتها، في سياق فقدت الأحزاب جاذبيتها..
إن الأحزاب المسماة إدارية، والتجمع الوطني للأحرار ضمنها، لم تكن ولادتها طبيعية، حتى تكون نهايتها طبيعية، وزعماؤها جيئ بهم لتأدية الأدوار المطلوبة؛ إن قرارات ومهام تحت الطلب، تنتهي أدوارها، حين يفرض منطق الجهات التي قررت الولادة. ظاهرة حزب الدولة، انطلقت مع (FDIC) جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، مرورا بالتجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الدستوري، والأصالة والمعاصرة؛ أضحت ثنائية الدولة وحزبها، ثنائية تتسم بالتلازم في التاريخ السياسي المغربي، مع كل استحقاق انتخابي؛ وعلى ضوء ذلك، فإن هناك ترتيبات جارية للانتخابات المقبلة، وأن الحقل الحزبي يرتب ضمن منظور لا تعلمه إلا هذه الجهات.. المساحة الكبيرة في السياسة غير مرئية حتى في الزمن الرقمي، حيث كل التفاصيل باتت متاحة ومباحة..
اختيار الرئيس المقبل للأحرار جزء من هذه الترتيبات، ومؤشر على الموقع الذي سيحتله هذا الحزب في المشهد السياسي والحزبي المقبل، والأدوار المطلوبة منه..
