متلازمة الصحافة والخبر، أو مرض العصر
بقلم حسن برني زعيم
لم تعد العولمة مجرد منظومة اقتصادية عابرة للحدود، بل تحولت إلى آلة كبرى تعيد تشكيل الوعي الجمعي لشعوب العالم، وتصهر المجتمعات في قوالب متشابهة: قوافل، قطعان، واجهات استهلاكية، وعلب سوداء رقمية. والمفارقة أن هذه الجماعات تعتقد أنها تتنافس أو تتصارع أو تختار مصائرها بحرية، بينما الواقع أن أدوات العولمة المالية والاقتصادية والإيديولوجية نجحت في توجيه الحكومات والشعوب نحو مسار واحد، لا قرار لهم فيه، سوى تنفيذ توصيات البنوك والمؤسسات العابرة للقارات، تحت شعارات براقة مثل “التنمية” و“اللحاق بركب الدول المتقدمة” و »حماية البيئة « و »حقوق الإنسان » و « حرية المرأة » و « المساواة بين الجنسين »
وفي الوقت ذاته، تُشعل هذه المنظومة نزاعات مفتعلة بدوافع واهية: حدود، ثروات، سباق على زعامة إقليم أو قيادة قارة، أو صراع حول نموذج اقتصادي. كلها واجهات لصراع أعمق، تتحكم فيه الرساميل المتدفقة ومراكز القرار العالمية، فيما تستنزف الشعوب في معارك جانبية لا تغير من المعادلة شيئا.
وسط هذا المشهد، فقد الإعلام ١ملامحه الإخبارية الأصيلة. لم يعد ناقلا للوقائع ولا وسيطا بين الحدث والرأي العام، بل أصبح جزءا من الفوضى العامة. اختلط الخبر بالموقف، والاصطفاف بالحياد، والإشهار بالمعلومة، والمقايضة بالتحليل، والتشويه بحرية التعبير. ورغم تعدد القنوات والمنصات، فإن معظمها خاضع للسقف نفسه الذي رسمته العولمة، سواء عبر التمويل أو الإعلانات أو الخوارزميات أو خطوط التحرير غير المعلنة.
صار “الخبر” ـ كيفما كان محتواه ـ سلعة أساسية، بل أحيانا أهم من الغذاء واللباس ومقومات الحياة الأخرى. تستهلك العناوين بسرعة، وتستبدل الحقائق بالإثارة، ويقاس النجاح بعدد المشاهدات لا بعمق المضمون. وفي هذا السياق، تحولت منصات مثل تيك توك وإنستغرام وفيسبوك إلى فضاءات للفوضى المعرفية، حيث تختلط الأكاذيب بالادعاءات، ويسوق الوهم في صورة نصيحة، ويمارس الطب والهندسة والدين والفلسفة بلا علم ولا مسؤولية.
الأخطر من ذلك أن هذه المنصات لم تكتف بنشر الرداءة، بل صنعت “قطعانا رقمية” همها الوحيد جني المال أو حصد الإعجابات، ولو على حساب الحقيقة والكرامة الإنسانية. مؤثرون بلا تكوين، وخبراء بلا اختصاص، ووعاظ بلا علم، وفن بلا رسالة. كل شيء قابل للبيع، وكل قيمة قابلة للمساومة.
هنا تتجلى “متلازمة الصحافة والخبر” بوصفها عرضا من أعراض مرض العصر: حين يفقد الخبر وظيفته التنويرية، ويتحول الإعلام من سلطة رقابية إلى أداة ترويض، ومن فضاء للنقاش العمومي إلى سوق للمضاربة العاطفية. لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل: ماذا يراد لنا أن نصدق؟
إن استعادة المعنى الحقيقي للصحافة لم تعد ترفا مهنيا، بل ضرورة حضارية. فالإعلام، حين ينفصل عن الأخلاق والمعرفة والمسؤولية، يصبح شريكا في صناعة الوعي الزائف، وفي تعميق هشاشة المجتمعات. وحدها صحافة مستقلة، ناقدة، ومؤسسة على القيم الإنسانية، قادرة على مقاومة هذا الانحدار، وإعادة الاعتبار للخبر باعتباره حقا عاما لا سلعة عابرة.
فهل من بوادر لهذا التحول الإيجابي…؟
