من مأزق الرغبة إلى أخلاقيات الهشاشة: دراسة فلسفية للطفولة والسلطة في الغرب بين سبعينيات القرن العشرين والتسعينيات
محمد السميري
ملخص
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل التحولات الفكرية والقانونية والفلسفية المتعلقة بالطفولة والسلطة في الثقافة الغربية بين سبعينيات القرن العشرين والتسعينيات، مع تقديم قراءة مقارنة لإطارها في الثقافة العربية والإسلامية. تنطلق الإشكالية من التناقض الظاهر بين ما قد يُنظر إليه في العالم العربي على أنه “انحلال أخلاقي” أو تفسخ اجتماعي، وبين الواقع التاريخي والفلسفي الذي شكل مقاربات المفكرين الغربيين مثل ميشيل فوكو، وجان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وجيل دولوز، وجاك دريدا، ورولان بارت، تجاه مفهوم الرضا، الحرية، والسلطة عند الأطفال.
تعالج الدراسة هذه الإشكالية من خلال استعراض المواقف الفلسفية والقانونية التي أدت إلى ظهور خطاب ليبرتاري في سبعينيات القرن العشرين، بما في ذلك العريضة الفرنسية عام 1977، ثم متابعة انهيار هذا الخطاب في الثمانينيات والتسعينيات نتيجة إدراك الاختلال البنيوي في السلطة والهشاشة الأخلاقية للأطفال، وتبلور أخلاقيات جديدة تعتمد على حماية الطفل مع احترام حرية الفرد.
ويبرز البحث التحول الأنثروبولوجي في مفهوم الطفولة، من رؤية تقليدية للطفل ككائن ناقص، إلى فهمه كذات مستقلة ذات هشاشة بنيوية، تحتاج إلى حماية قانونية واجتماعية، مع الاعتراف بأن مقاربات الغرب التاريخية والفلسفية لا يمكن نقلها مباشرة إلى الثقافة العربية والإسلامية، لكنها توفر إطارًا تحليليًا لفهم الاختلافات الحضارية والثقافية.
الملخص يختتم بالتأكيد على أن البحث لا يهدف إلى تبرير المواقف الغربية، بل إلى فهم التحولات الفكرية والاجتماعية التي شكلت هذا السياق، وكشف الفوارق بين النظرة السطحية للفضائح والأبعاد البنيوية والفلسفية العميقة لهذه القضايا.
______________
مقدمة
تواجه الثقافة العربية أحيانًا صعوبة في استيعاب التحولات التي شهدتها الثقافة الغربية منذ منتصف القرن العشرين، خاصة فيما يتعلق بالطفولة والجنس والسلطة والحرية الفردية. فقد يبدو للمتلقي العربي أن الغرب تميز بالانحلال أو التفسخ الأخلاقي، لا سيما عند متابعة الفضائح الإعلامية، أو قراءة مواقف بعض المفكرين الغربيين حول الحرية الجنسية والطفولة.
من الطبيعي أن يثير القارئ العربي سؤالًا جوهريًا: لماذا يناقش الغرب بعض القضايا الأخلاقية والاجتماعية والجنسية بهذه الجرأة الزائدة؟ لماذا يبدو له أن الغرب لا يهاب مناقشة كل شيء ووضع كل قضية على الطاولة للنقد الذاتي، بينما ما زالت المجتمعات العربية والإسلامية تحفظ لنفسها حدودًا صارمة للتطرق إلى هذه المواضيع؟ الجواب يكمن في التاريخ الثقافي والفكري الأوروبي نفسه. فهذه الجرأة الفكرية لم تخرج من فراغ، بل هي نتيجة تراكم طويل من الثورات الفكرية والتاريخية، التي مهدت الطريق للتحولات الاجتماعية والفلسفية في سبعينيات القرن العشرين.
الغرب لم يكن دائمًا على هذه الدرجة من الانفتاح. فمناقشة مسائل مثل السلطة، الجنس، والطفولة كانت ممنوعة أو خاضعة لمقدسات صارمة في الفترات التاريخية السابقة. لقد تطلب الوصول إلى هذا المستوى من الصراحة والجرأة الفكرية معارك فكرية طويلة، بدءًا من عصر التنوير، مرورًا بالثورات العلمية والسياسية، وصولًا إلى حركة ما بعد مايو 1968، حيث بدأت الأسئلة التقليدية عن الحرية، الرغبة، والسلطة تُطرح دون خوف أو استحياء.
لذلك، فإن ما يراه الإنسان العربي المسلم أحيانًا مجرد “انحلال أو تفسخ” في الثقافة الغربية، هو في الحقيقة قراءة مستمرة لتاريخ الغرب، وتحليل ذاتي لما أنتجه مفكروه عبر قرون من النقد الذاتي. الغرب وضع قضاياه على الطاولة ليتم تحليلها، ومساءلة النتائج، دون خوف من مواجهة الذات أو التاريخ، بينما لا تزال المجتمعات العربية، بسبب انحباسها الحضاري، تميل إلى تفسير هذه الظواهر السطحية على أنها مؤشرات انحلال، دون إدراك عمق السياق التاريخي والفكري الذي أنتجها.
إن قضية الطفل والرضا والعلاقات غير المتكافئة لم تكن في الغرب مسألة مفاجئة أو معزولة، بل مرت عبر مراحل تاريخية متراكمة، شارك فيها كبار المفكرين والفلاسفة، من ميشيل فوكو، وجان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، إلى جيل دولوز، وجاك دريدا، ورولان بارت. هؤلاء المفكرون لم يناقشوا الطفولة بمعزل عن البنى القانونية والاجتماعية، بل حاولوا مساءلة الافتراضات التقليدية حول السلطة والحرية والرغبة، ضمن سياق نقدي شامل للسلطة السياسية والأخلاقية والاجتماعية، وما تبعه من نقاشات حول مفهوم الرضا، والعلاقات الطوعية، والاختلاف بين الهشاشة البنيوية والاستقلالية. وقد أعطت هذه المناقشات لهذه القضايا بعدًا فلسفيًا وأنثروبولوجيًا، لم يكن ظاهرًا للمتلقي العام، مما سهل تفسيرها بشكل سطحي كفوضى أخلاقية أو تفسخ اجتماعي.
في المقابل، تتسم الثقافة العربية والإسلامية ببنى اجتماعية وقيمية مختلفة، حيث ترتبط الطفولة بالدين، والأسرة، والتعليم، والمعايير الأخلاقية التقليدية، وهو ما يجعل أي مقارنة مباشرة بين التجربتين الغربية والعربية صعبة، بل ومضللة إذا لم تؤطر سياقيًا وتاريخيًا. لذا، يهدف هذا البحث إلى تقديم قراءة نقدية ومقارنة، تُظهر أن ما يُنظر إليه أحيانًا كفضائح أخلاقية أو مظاهر انحلال في الغرب، هو في الواقع نتاج تحولات فلسفية وقانونية واجتماعية متراكمة، لها جذورها في تطور الفكر حول الحرية والرغبة والسلطة والحقوق، خصوصًا فيما يتعلق بالطفولة.
______________
عرض البحث
في عام 1977، وقع كبار المفكرين الغربيين على عريضة طالبت بمراجعة القانون الجنائي الفرنسي فيما يخص سن الرضا والعلاقات الجنسية مع القاصرين، ليس بهدف تبرير أي ممارسات مع أطفال صغار، بل مساءلة الافتراضات القانونية التي تعتبر القاصر غير قادر مطلقًا على التعبير عن إرادته، خصوصًا في ظل التمييز ضد المثليين. وقد جاءت هذه العريضة في سياق فلسفي يرى في الرغبة وسيلة لتحرر الذات من السلطة، حيث أعاد ميشيل فوكو تعريف السلطة باعتبارها شبكة معقدة، منتشرة وغير مركزية، لا تقتصر على الدولة، وإنما تشمل كل العلاقات الاجتماعية، ورأى أن القانون الذي يحدد سن الرضا بشكل صارم قد يكون أداة لضبط الخطاب والمعرفة أكثر منه حماية حقيقية للفئات الضعيفة.
جان بول سارتر اعتبر الحرية جوهر الإنسان، وأن أي افتراض لعجز القاصر يتعارض مع فلسفته الوجودية التي تركز على المسؤولية الفردية والقدرة على الاختيار. أما سيمون دي بوفوار، فركزت على تفكيك البنية الذكورية للأخلاق الجنسية والنظام الاجتماعي الذي يخدم مصالحه أكثر مما يحمي الأفراد. وجيل دولوز، مع فيليكس غاتاري في أنتي-أوديب، نظر إلى الرغبة بوصفها قوة إنتاجية لا ينبغي اختزالها في أنماط معيارية، وسعى لتحريرها من أي قيود تقليدية. بينما دافع جاك دريدا عن التفكيك بوصفه وسيلة لمساءلة المفاهيم الثابتة مثل البراءة والطبيعة، لكنه أشار إلى ضرورة الحذر عند تطبيق هذا المنهج على فئات هشة مثل الأطفال.
غير أن هذه المقاربات، على عمقها الفلسفي، وقعت في مأزق نظري حين حاولت تعميم نموذج الحرية والرغبة على العلاقة بين البالغ والقاصر. فقد قلّلت هذه الرؤى من شأن الاختلال البنيوي في القوة والفارق النفسي والمعرفي بين الطرفين، ما جعل أي “رضا” للقاصر محل تساؤل أخلاقي اليوم. من هذا المنطلق، يظهر الفرق بين فلسفة التحرر وفلسفة الكرامة: إيمانويل كانط أكّد أن الكرامة تتطلب استقلالًا عقليًا كاملاً، وهو شرط لا يتحقق لدى الأطفال، مما يجعل الرضا وحده غير كافٍ لأخلاقية العلاقة. يورغن هابرماس أشار إلى أن الشرعية الأخلاقية تتطلب فعلًا تواصليًا متكافئًا، حيث يكون الطرفان قادرين على الإدراك والاعتراض والمراجعة، وهو ما يستحيل بين بالغ وقاصر. أما جوديث بتلر، من خلال مفهوم الهشاشة، فقد أوضحت أن الأطفال أكثر عرضة للهيمنة ويحتاجون إلى شروط حماية خاصة، إذ إن الضعف البنيوي جزء من تكوين الذات الإنسانية.
مع الثمانينيات والتسعينيات، بدأت هذه التحولات الفكرية تنعكس عمليًا في التشريعات والسياسات والمناهج الأكاديمية. شكلت اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل سنة 1989 نقطة تحول، حيث أصبح الطفل كيانًا قانونيًا مستقلاً له حقوق محددة تستدعي الحماية. كما ركزت الموجة النسوية الراديكالية على تحليل عدم التكافؤ البنيوي في العلاقات، وأكدت أن الرضا وحده لا يكفي كمعيار للعدالة. وبرزت أيضًا الدراسات الأنثروبولوجية والنسوية التي سلطت الضوء على العنف الرمزي، كما بلوره بيير بورديو، الذي أظهر أن العلاقات التي تبدو طوعية قد تحمل هياكل قوة خفية تجعل الحرية الظاهرة غير متكافئة.
يمكن اعتبار هذا التحول كتحول إبستمولوجي وأنثروبولوجي في فهم الإنسان والطفولة والسلطة. فقد انتقل مركز الثقل من تمجيد الحرية المطلقة والرغبة كمؤشر للعدالة، إلى فهم أن الحرية لا تتحقق دون الاعتراف بالهشاشة البنيوية والحماية القانونية والاجتماعية. أصبح الطفل ليس مجرد ذات ناقصة تحتاج إشراف الكبار، بل ذاتًا مستقلة في طور تكوينها، تحتاج إلى شروط خاصة لضمان حرية حقيقية ومستقبلية. بهذا المعنى، يمكن قراءة انهيار الخطاب الليبرتاري الجنسي للسبعينيات ليس كخطأ شخصي، بل كنتيجة طبيعية لتغير الحساسية الأخلاقية والمقاربة الأنثروبولوجية في التعامل مع العلاقات غير المتكافئة.
______________
الخاتمة
يقدم البحث درسًا فلسفيًا وأخلاقيًا مهمًا: أي مشروع فكري أو تشريعي يتناول الطفولة والعلاقات غير المتكافئة يجب أن يوازن بين إدراك الهشاشة البنيوية للفئات الضعيفة، وضمان شروط النضج والوعي الكافية لممارسة الحرية بشكل أخلاقي، وبناء آليات حماية قانونية ومجتمعية تحترم الذاتية وتمنع الاستغلال.
كما يوضح البحث أن فهم الثقافة الغربية في هذا السياق لا يعني تبرير المواقف التاريخية أو الفضائح، بل يتيح قراءة معمقة للتحولات الفكرية والقانونية والاجتماعية التي شكلت الخطاب الغربي حول الطفولة والسلطة، ويساعد القارئ العربي على إدراك الفوارق الحضارية والثقافية، وتجنب الأحكام السطحية التي تصف الغرب بالانحلال دون فهم التاريخ البنيوي للفكر الغربي.
______________
المراجع
- ميشيل فوكو (Michel Foucault / ميشيل فوكو)، تاريخ الجنسانية، الجزء الأول والثاني، باريس، 1976–1984.
- جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre / جان بول سارتر)، الوجود والعدم، باريس، 1943.
- سيمون دي بوفوار (Simone de Beauvoir / سيمون دي بوفوار)، الجنس الآخر، باريس، 1949؛ أخلاقيات الغموض، باريس، 1948.
- جيل دولوز (Gilles Deleuze / جيل دولوز) وفيلكس غاتاري (Félix Guattari / فيليكس غاتاري)، أنتي-أوديب، باريس، 1972.
- جاك دريدا (Jacques Derrida / جاك دريدا)، الكتابة والاختلاف، باريس، 1967.
- رولان بارت (Roland Barthes / رولان بارت)، متعة النص، باريس، 1973.
- إيمانويل كانط (Immanuel Kant / إيمانويل كانط)، نقد العقل العملي، برلين، 1788.
- يورغن هابرماس (Jürgen Habermas / يورغن هابرماس)، نظرية الفعل التواصلي، فرانكفورت، 1981.
- جوديث بتلر (Judith Butler / جوديث بتلر)، الهشاشة والجنس، نيويورك، 2004.
- بيير بورديو (Pierre Bourdieu / بيير بورديو)، العنف الرمزي، باريس، 1977.
- اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، 1989.
