حقيقة عقاب المجاهرة بإفطار رمضان..
محمد الشمسي:
مع كل شهر رمضان، يطفو على السطح ذات النقاش ذات السجال بين فريقين، فريق يتدثر بغطاء الحرية كما يراها هو داعيا إلى الإفطار العلني في رمضان بدون حساب، برهانه أن الصيام شعيرة تهم علاقة الفرد بربه، بل إن الدين كله في نظر هؤلاء هو شأن من الشؤون الخصوصية، وفريق آخر يرد بشدة يتجاوز فيها سماحة الدين نفسه، مؤكدا أن الصيام أكبر من ركن ديني بل هو أمر إجباري على جميع المسلمين يتبادل الفريقان السباب حد اللعنة، ما بين الحكم بالتكفير يواجهه حكم بالاستبداد والقهر..
حاصل الأمر أن تفريد عقاب للإفطار العلني لا صلة له بالدين أصلا، فالجريمة هنا لا تتجلى في فعل إفطار رمضان، بل في المجاهرة والعلنية في ذلك، المشرع هنا يتدخل بتفريد جزاء حماية للمفطر نفسه من انتقام الجماعة التي ترى في تعمده إشهار إفطاره لرمضان اعتداء شنيعا وقبيحا على معتقدهم، الإفطار العلني في رمضان مثله مثل السكر العلني ومثلهما مثل الإخلال العلني، كلها جرائم تتحقق وجودا وعدما من العلنية وليس من الفعل نفسه، لأنه لولا تعمد الفاعل نقل فعله إلى الجمهور ليكون معلوما بينا ما أدرك أحد قيام ذلك الفعل من عدمه، وما مس صاحبه عقاب، لذلك ليس في عقاب الإفطار العلني وصاية على الناس بل فيه حماية للناس من أناس اختاروا المجاهرة بجرائمهم التي وضع لها قانون صادقت عليه الأمة بواسطة ممثليها في السلطة التشريعية ليصير نافذا، فلا يغير هذا القانون إلا بقانون يعدله وينسخه، وليس في القضية دخل للدين او وصاية على الناس أو إلزام المواطنين بالصوم كرها، فإن كان المواطن يرى أنه حر في الصوم من عدمه فذلك تفسيره الضيق للأشياء، أما الجماعة التي يعيش فيها ذلك الفرد فقد أجمعت على تجريم إظهار الإفطار للجمهور والخروج عليهم به، لأننا ها هنا لن نبقى أمام حرية بل أمام شطط في استعمال الحرية وهو الشطط الذي يرقى إلى جريمة أوردتها الجماعة في قانونها، وأذكر فيما أذكر عندما سافرت إلى إسبانيا وزرت قصر الحمراء بغرناطة حيث توجد داخله كنيسة، فببابها أزلت قبعتي وقبل دخولها وهي عادة متعارف عندهم بها، ويستجيب لها كل زائر للكنيسة، ولم أحتج لأقول لهم أنا حر في ذلك، وأنني كمسلم ألج المساجد بقبعتي، فذاك قانون الجماعة التي ارتضته لنفسها ومن لم يرقه الأمر فذلك شأن يعنيه وحده، فلا قانون يسمو فوق قانون الجماعة.
