رواية يوبا أعراب: هُوية الجغرافيا أم هُوية التاريخ؟
علال بنور
لا شك أن الرواية التاريخية بعيدة عن الرقابة الأكاديمية والسياسية والدينية، هي الجنس الأكثر حرية في التعامل مع المادة التاريخية (عن الروائي واسيني الأعرج). فإذا كان المؤرخ يبحث عن الحقيقة فإن الروائي يبحث عن تمثلات المعارف. وعندما يتناول الروائي شخصيات وأحداث تاريخية لتوظيفها في عمله الأدبي، ألا يسقط في حقل غير حقله أمام مادة بعيدة عن التخييل من الصعب تجاوزها؟ لكن ما يميز رواية يوبا أعراب أنها تعيد للأحداث حياتها أكثر مما يقوم به المؤرخ. فهي ليست برواية تاريخية بقدر ما هي صور إبداعية في حضور التاريخ.

/ هندسة رواية يوبا أعراب
صدر للأكاديمي السيميائي والناقد والروائي الأستاذ جمال بندحمان عن دار إفريقيا الشرق 2025، رواية يوبا أعراب في طبعة أولى أنيقة تتصدرها لوحة تتضمن علامات ورموز سيميائية بتعبير تاريخي. تجعل الرواية، القارئ يعيش محطات جغرافية/ تاريخية بين البادية والمدينة ومنهما إلى الصحراء والأندلس وشرق المغرب ثم إلى المشرق العربي، يبحث فيها الراوي عن حقيقة أصول قبيلة أجداده، حيث يوحي عنوان الرواية » يوبا أعراب » بانصهار الهوية الأمازيغية والعربية في هوية واحدة، وهي الأطروحة التي دافع عنها النص، معتبرا أن المغاربة لا يتشابهون لكنهم يتكاملون… « يوبا » يعني جوبا أحد ملوك الأمازيغ، الذي دخل في حروب مع الرومان في شمال إفريقيا، كما اهتم بالعلوم مشجعا على إنشاء مكتبات ورحلات استكشافية أما «أعراب » فهي كلمة أمازيغية تعني » عروبي » أي عربي.
2/ اضاءات حول الرواية في جانبها التاريخي.
سوف لن اتجاوز حدود النبش فيما ورد من تصورات تاريخية في الرواية، بصفتي مهتما وباحثا في التاريخ، ولن أخرج عن تخصصي. تتناول رواية « يوبا أعراب » محكيات الأصول والهويات باحثة في الشاهدة التاريخية من معثورات مادية ورمزية وشفاهية بأسلوب أدبي قريب من الأسلوب التاريخي، ففي هذه الرواية يتقاطع الروائي مع المؤرخ للبحث عن الحقيقة، بالاعتماد على التنوع في الشاهدة من الرواية الشفاهية إلى أشكال الوثيقة. حيث نجد الروائي يحاكي بين المغربي العربي / الأمازيغي والمشرق العربي والأندلس، لذلك تضعنا الرواية أمام هويات: العربية والأمازيغية والصحراوية والأندلسية والمشرقية.
تطرح الرواية منذ البداية، الناصرية كقضية سياسية، عاشها المغاربة عبر تعليق صورة جمال عبد الناصر في البيت والاستماع إلى إذاعة القاهرة، فالراوي يفصل بين ناصر كقيمة سياسية وجمال كزعيم سياسي، صيته تعدى حدود مصر إلى مدن وقبائل المغرب. فقد كانت أخباره، يتتبعها أهل قرية الراوي عبر مذياع من إذاعة القاهرة » لم نكن ناصريين لكننا أحببنا جمال » هكذا ورد في (ص:7). كما ورد مصطلح المشيخة أي العون المخزني في القبيلة الذي يجسد السلطة، هو الذي كان من حقه تتبع الأخبار ولم تكن في متناول كل الناس إلا المقربين من المخزن. الشيء الذي يفسر حضور أعيان القبيلة بمكانتهم المادية والرمزية.
تتمتع أسرة شيخ القبيلة بالتميز في تمثيلها السلطة المخزنية، ولها قوة رمزية ومادية، بامتلاكها السيارة التي لا يمتلكها أهل القبيلة، كما لها وضعية متميزة في فهمها للأخبار السياسية، وقدرة التنقل للبحث عن الخبر اليقين حول الإخوان المسلمين من « إذاعة القاهرة » إلى « إذاعة هنا لندن » التي شكلت نقيض إذاعة القاهرة .وفي إطار تقسيم العمل الذي عُرفت به البوادي المغربية بين أفراد الأسرة، سيقوم الشيخ بتكليف فرد من أسرته للسفر إلى المدينة للبحث عن حقيقة ناصر وجمال – باعتبار أن المدينة هي مصدر السلطة المعرفية والثقافية – التي ُتروّج لها إذاعتان مختلفتان في الموقف الأيديولوجي .فالحكاية تختلف بين ثلاث جغرافيات :القاهرة ولندن والدار البيضاء.
لم يكن لسكان القبيلة أجوبة عن اختلاف الرأي حول ناصر بين القاهرة ولندن، لذلك كان سفر ابن القبيلة إلى الدار البيضاء للبحث عن الحقيقة ولتوضيح الفكرة، خصوصا وأن العديد من الأسر المغربية كانت تعلق في بهو بيوتها صورة جمال عبد الناصر. فهل هي علامة تعاطف مع الزعيم المصري، أم هي انتماء للنظام الناصري الذي كان له وقع في ثقافة المغاربة؟
يختلف جواب المدينة في فهمها عن فهم ومعرفة القبيلة، فالمدينة تعتبر ناصر ضد الحرية، أعدم وسجن كل من يخالفه في الرأي من مسلمين وشيوعيين. أما القبيلة فقد تعاملت مع ناصر بالفطرة، ومن هنا يظهر الموقفان المتعارضان، موقف القبيلة وموقف المدينة حول الناصرية، ذلك التعارض بين فهم المتعلم الذي يصدر الحكم على القضايا التاريخية بالبحث والدراسة، وفهم البادية التي تقيم القضايا بالعاطفة والانتماء. ومع ذلك لن تتخلف البادية عن دورها في المقاومة ضد المعمر، وبالتالي لم تخرج عن قاعدة المقاومة في المدن، بل ساهمت إلى جانبها في ردع ومحاولة طرد المحتل. وهكذا، ركزت الرواية على حضور الذاكرة الجماعية التي تستمد شرعيتها ومشروعيتها من الماضي، ساعية إلى ترسيخ الهوية التي تجمع بين ثقافتين الأمازيغية والعربية، يوحدهما الدين الإسلامي.
الرحلة إلى عمق الصحراء بحثا عن الأصل
سيشد الصحافي الرحال من مدينة الدار البيضاء نحو شيوخ قبائل الصحراء بأمر من شيخ قبيلته، مستحضرا الذاكرة الجماعية كمنطلق لبحثة مع سيرة بني هلال، الذين وصل فرع منهم يدعى بني احسين في اندماجهم مع قبائل الصحراء، حيث سيلتقي اللسان العربي باللسان الصحراوي مؤسسان الشعر الحساني، معتقدا أنه سيجد الدلائل من الشاهدة عن قبيلته بما فيها المدون والشفاهي، وهي من أساسيات الكتابة التاريخية، إضافة إلى الأمثال والشعر. لكن الراوي ينبهنا إلى الحذر من الرواية الشفاهية، التي تشوبها شوائب، عندما نجد الحكواتي يخلط بين الأسطورة والتاريخ، لإثبات هوية النسب بالعودة إلى الأنبياء، وربط احتفالات مواسم الأولياء في امتداد سلالتهم بالرسول محمد « ص ». لذلك يؤكد أن للذاكرة أهمية في حفظ الأخبار، خاصة عندما تنتقل من جيل إلى جيل، الشيء الذي يكمل أو يعوض الشاهدة المادية، وهكذا، جاء الاهتمام بالموروث الثقافي المتوافر في الرواية الشفاهية عند الشيوخ والزوايا، ولمعرفة ذلك، فُرض على الصحافي تحديد مكانها في الصحراء، خاصة أن بعض فروع القبائل الهلالية العربية، ذهبت إلى تخوم الصحراء فاندمجت مع سكانها في ثقافتين الحسانية والعربية، فأعطت هوية ثقافية موحدة.
عند وصول الصحافي في رحلته إلى الصحراء، حضر التحليل السوسيولوجي والانثروبولوجي لتفسير العلاقات الاجتماعية، ومن هنا، تحضرنا مدرسة الحوليات الفرنسية التي اعتمد روادها الجمع بين التاريخ وباقي العلوم الإنسانية. وقد جعل الصحافي من قبيلته وأسرته منطلقا للعودة إلى أصولها الصحراوية، أو هكذا بدا له، وفي هذا الإطار يظهر دور الشيخ وأهميته في حفظ الذاكرة، سواء شيخ قبيلة السهل أو شيخ قبيلة الصحراء. ومن المشترك الثقافي بين المجالين حضور الشاي وتهيئ قاعة خاصة لاستقبال الضيوف. كما يحضر التفاوت في التراتبية الاجتماعية والقيادية بين المدينة التي انشاها الاستعمار بدون نسب ولا انتماء، والنظام التراتبي بقبائل الصحراء التي تعتمد في تنظيمها على الشيخ الضابط للعلاقات القبلية. ورد في ص: 46 – 47 « نحن أهل البادية نشبهكم في الاقتناع، بأن الانتماء أساس الوجود، لذلك نحرص على الارتباط بأرضنا وأهلنا وأصولنا، ونرفض أن نكون لقطاء نقتات على تواريخ غيرنا ومنجزاتهم » ذلك موقف سكان البادية من المدينة، التي ذابت في قيم الغرب، فاختفت هويتها. ومن هنا، لا تحدد الهوية فقط في الانتماء التاريخي والجغرافي والعرقي واللغوي، بل تشمل العادات والتقاليد والكرامة وعزة النفس. لذلك فإن امتداد الهوية، يجمع بين الأمازيغية والعربية والصحراوية والأندلسية والمشرقية، وهي الاطروحة الرئيسية التي دافع عنها الأستاذ جمال بندحمان في روايته. إذ يجمع النص بين الإبداع والتاريخ في ارتباطه بالمنهج السوسيولوجي والانثروبولوجي، حينما يتحدث عن الشيخ الأول والثاني والثالث في عادات السهل والصحراء والمغرب الشرقي. مما يجعلنا أمام نص غني بالإشارات والدلالات في البحث عن الهوية. ومن القضايا التي تؤشر عليها الرواية، هو الرد على دعاة التفرقة بين الأمازيغ والعرب في سياق ما جاء في (ص :47) «افشال مشروع التشتيت والالهاء والتفرقة » تستحضر الرواية تاريخ برغواطة التي هي امتداد لإمبراطورية جوبا الأول والثاني. لكن لماذا الكاتب اعتبر الصحراء تحافظ على وثائق الانتماء؟ جوابا على ذلك، نعتبر النص دعوة للتفكير في علاقة البادية بالمدينة وعلاقة السهل بالصحراء، فرحلة الصحافي إلى الصحراء ليست نزهة سياحية، بل هي بحث وتنقيب في تاريخ الأجداد. نقرأ في (ص:66) « فاحرص جزاك الله على ما سترى كما تراه لا كما يريدونه » خطاب الشيخ هذا يحمل رسالة التخوف من تحريف التاريخ، فهو موجه لصحافي بمثابة مؤرخ، باعتباره القناة الوحيدة لتمرير المادة التاريخية من الأرشيف إلى السياسي الذي يمكن أن يعبث بالتاريخ بشكل من أشكال الأدلجة.
المنهج الذي سلكه الصحافي في تعامله مع الشاهدة، هو نفس المنهج الذي يعمل به المؤرخ، خاصة في طرح السؤال والفرضية والمقارنة بين الوثائق للوصول إلى نسب « يوبا أعراب ». ومن هنا نجد تقاطع الصحافي مع المؤرخ في إصدار الرأي، الذي لن يأخذ مصداقيته إلا من الشاهدة للإثبات. يسافر بنا النص إلى أربعة أمكنة من الشام إلى المغرب الأقصى إلى الأندلس إلى الصحراء لينهي الرحلة بالمشرق العربي عند مصر. في هذه المجالات، يحضر التحليل السيوسيولوجي بجانب التاريخ الاجتماعي. كما نجد في الرواية إشارات الترميز، وهي متعددة، مثلا: عند الحديث عن جمالية الزربية وهي من الأفرشة المفضلة عند القبائل فبتعدد ألوانها تتعدد الإحالات. ورد في (ص 88) »وصلت إلى أنهم كانوا يؤمنون أن قوتهم وجماليتهم في تعددهم، فهم ليسوا واحدا، لكنهم واحد في تعددهم ».
تطرح الرواية قضية التداخل الثقافي القائم على التسامح مع تداخل الأصول، وعند عودتنا إلى شيخ الصحراء في نصيحته للصحافي، تُطرح مخاطر التاريخ عندما يتحول إلى أيديولوجيا لخدمة طبقة واحدة، كما تغيب فيه الموضوعية، فأكثر جوانب الكتابة التاريخية انحرافا عن الموضوعية، هو التاريخ السياسي والدبلوماسي والعسكري والحدثي حيث » الخونة قد يتحولون أبطالا، والأبطال قد يصبحون بلا مجد » (ص:99).
يفرض شيخ الصحراء على الصحافي، ألا يدون بل عليه قراءة المكتوب والمدون على الألواح والجلود فقط. لكن لماذا كان شيخ الصحراء كثير التحفظ والحماية للوثائق؟ لماذا أخفى الشيخ مهمة الصحافي والغرض من مجيئه إلى الصحراء على أصحابه من التجار والحرفيين، مكتفيا بتقديمه كصحافي؟
في الأندلس: تَطرح الرواية مسألة الهجرة من الشام إلى الأندلس، والتي حملت معها الدين الإسلامي وتعليم اللغة العربية للسكان، وتُوجت بالزواج والمخالطة، مما نتج عنه تجانس ثقافي، فوظف الراوي مفهوم البلد الجديد في الثقافة، ومن تم حضرت لغة الدين في النقش على الأغطية والأفرشة والجدران، فاعتبرت الشام نقّالة للحضارة الرمزية والمادية إلى الأندلس، ففيه ستبدأ حكاية البحث عن الأصول التي تمزج بين الشام والأندلس كما حصل سابقا في البحث عن الأصول في الصحراء مع « يوبا أعراب ». بالرغم من الحدود الفاصلة جغرافيا حصل الانصهار الثقافي. ورد ت في (ص:129) عبارات لها دلالة تاريخية (ايزابيلا الأولى وفيرناند الثاني وصولجان بني الأحمر) مما يحيل إلى التحالف المقدس بين إمارة قشتالة وإمارة أرغون حيث مثّل زواجهما توحيد اسبانيا مع طرد بني الأحمر من غرناطة إلى المغرب، وهي آخر إمارة أندلسية. فأقدم المسيحيون على حرق الكتب العربية باستثناء الكتب العلمية. فكانت المحرقة مجزرة ثقافية في حق الإنسانية. بل ساهم الفقهاء المتزمتون في تحريض ملوك الطوائف قبل محاكم التفتيش والطرد على حرق كتب الفلاسفة العرب. وهكذا، نجد الرواية، تجمع بطريقة احترافية ومهارة أدبية بين حرق الكتب في الأندلس من طرف المسيحيين لطمس الهوية العربية، بدافع ديني وعرقي، وما مارسه ملوك الطوائف من حرق لكتب العلماء والفلاسفة والأدباء المسلمين بتشجيع من الفقهاء المتزمتين الحاقدين، بل طال حرق الكتب في كل من المغرب الأقصى والمشرق العربي، باستثناء شيوخ الصحراء الذين حافظوا على ذخائرهم من الشر.
على طول فصول الرواية يحضر الحنين إلى الماضي، بمعنى أنه وارد في الحاضر من الابن إلى الأب إلى الجد بطريقة معكوسة، مع استمرار حضور » يوبا أعراب » الذي ُوجد اسمه منقوشا في مخازن الصحراء مع الشيخ الثالث. ورد في الصفحتين (84 و85) » ورغم أنها معلومات مهمة، تجعلني أفهم كيف كان يعيش أسلافي، إلا أنني أصبحت مسكونا بحكاية « يوبا أعراب » التي رأيت فيها كل تاريخنا »
الرحلة إلى شرق المغرب الأقصى
ما ميّز تاريخ المغرب مع الهجرات العربية، كان أول استقرارهم بالبوادي، التي شكلت ملتقى الشعوب الوافدة من المشرق والجنوب، كما هي مصدر تعمير المدن، بمعنى أن الأصل هو البادية، التي مع الأسف لم تحظ باهتمام المؤرخين والأدباء، فحصروا دورها في إنتاج الغذاء تحت مراقبة السلطة، كما بقي دورها معقلا للمتمردين على السلطة وموطنا للأغاني الشعبية ومقرا للزوايا والاضرحة، ومصدرا لترييف المدن.
لم تكن رحلة الصحافي إلى المغرب الشرقي إلا بتوجيه من الشيوخ، بحثا عن الوثائق التاريخية لإثبات هوية قبيلته. مسلحا بالمنهج المقارن في السوسيولوجيا بين ثلاثة أمكنة: قريته في السهل والصحراء والمغرب الشرقي. فرصد العلاقات الاجتماعية في بعض جوانبها، كالشدة والبأس والجدية والسحنات المختلطة، ووقار النساء في لباسهن وعدم الاقتراب من الغرباء، كما وصف شكل المنازل التي تشبه منازل الأندلس، ليجد القارئ، أنه أمام تحليل سوسيولوجي للظاهرة الاجتماعية. فخلص إلى أن مجتمع الشرق، يتميز بخصائص تفصله عن باقي المناطق الجغرافية المغربية، لكن مظهر التقارب بينه وثقافة الأندلس تبدوا بارزة في الموسيقى والمعمار. وبذلك يكون الصحافي وفر مادة للباحث التاريخي الاجتماعي.
لعب ثلاثة شيوخ (القبيلة والصحراء والمغرب الشرقي) دورا مهما في توجيه الصحافي في البحث عن أصوله، ومن هنا، ترتبط الرواية الشفاهية بالشاهدة المادية في البحث عن الحقيقة التاريخية. فطقوس الزيارة للمخازن متشابهة في تحفظها، ترتبط بحكمة الصمت وزمن صلاة العصر مع انعدام مظاهر الحياة، مع الاستثناء بالمغرب الشرقي، إذ توجد الخزائن في مكان يعج بالحياة حيث الماء والحديقة التي تشبه الأندلس بدون أن يفصح لنا الراوي عن تلك المحاكاة. وفي مستوى آخر نجد الشيخ يقر منذ البداية في (ص125) أن «خزائن الرملة لا تجيب عن أسئلة قبيلة، بل تجيب عن أسئلة أمة، لذلك، فإن عليك أن تفهم أن القبيلة تقتل، وأن حديث الأعراق تطرف، وأن ما دمرنا هو الطوائف والفرق والمذاهب ». فيفهم من حكمة الشيخ أن المجتمع يتجاوز كل القيم الذاتية إلى القيم المشتركة، حيث يذوب الانتماء القبلي والعرقي والطائفي في الأمة كوحدة اجتماعية. ومن هنا يحضر النموذج الإدريسي الذي انتهى بسبب حروب ملوك الطوائف.
يرفض الراوي الدخول في غمار نقاش الممالك الأمازيغية بالمغرب، كما دعا لعدم الحديث عن الأدارسة الذين احتضنتهم قبيلة مغربية أمازيغية، فتحولوا من دعاة إلى سلطة تحكم، ومن القبيلة كونوا جيشا. ويطرح الراوي أسئلة عميقة حول إمارة الأدارسة، وهي أسئلة تستمد مشروعيتها من المنطق التاريخي. ورد في(ص:134) » ما الذي جعل الرجل الفار من مجزرة، هُلك فيها أهله في بلاد المشرق، يتوجه إلى منطقة معزولة في غرب بعيد؟ لماذا هذه المنطقة بالضبط؟ ». تلك الإمارة، ُطرحت حول نشأتها عدة أسئلة، بعضها حُسم فيه وبعضها بقي بدون جواب. إذ كيف يعقل أن قبيلة أمازيغية لا تعرف لسان العرب، استقبلت شيخا داعية واتباعه ليؤم بهم؟ يبقى السر غامضا في انطلاق الإمارة، عند حكمها لأجزاء من المغرب. ويبقى السؤال: هل هي إمارة عربية أم أمازيغية؟ وهكذا نجد الرواية تشعل فينا حرقة الأسئلة والفرضيات. ثم يعود بنا الراوي للحديث عن حرق الكتب ولكأنه يؤكد لنا أن تاريخ القبيلة شمله الحرق غير أن خزائن الصحراء لم يشملها ذلك الحرق، كما عرفته الأندلس. جاء في (ص: 136) « فهمت أن الحارقين لم يكونوا من سلالة إيزابيلا فقط، بل كانوا من سلالة المحروقين أيضا » يقصد أن الحارق عربي أحرق كتب العربي. وقد اقتنع الراوي بقول شيخ الشرق، أن البحث عن الوثائق عبث، عندما وجد الخزائن طالها الحرق. بمعنى أن تاريخ الأمازيغ والعرب والأندلس تم تدميره بالحرق وما بقي منه لا يفي بالغرض. لذلك تراجع الصحافي عن فكرة النبش في تاريخ القبيلة بعد أن أقنعه شيخ المغرب الشرقي، بألا فائدة من البحث عن تاريخ قبيلته، بل الواجب يفرض عليه البحث في تاريخ المغرب. ورد في (ص: 139) » أننا لسنا عرقا أو قبيلة مغلقة وأن أجدادنا متعددون وأن تاريخنا واحد ».
الرحلة إلى المشرق العربي
حمل الصحافي، هم الذهاب إلى المشرق العربي، حيث كان يرى فيه مصدر العلم والمعرفة مما رواه له جده وما تعلمه من مهنته كصحافي، وما سمعه من إذاعة القاهرة، ومع هذه الرحلة طرح سؤالا: إلى أي شرق سيتجه؟ إنه شرق مزقه الاستعمار بحدود قابلة للانفجار. لذلك عزم على السفر إلى أرض إذاعة القاهرة التي كانت منطلق الهجرات العربية إلى شمال إفريقيا، بل إلى الأندلس كذلك. وعند رحلته طرح سؤالا: ما هو الدافع الذي جعل سكان المغرب يركبون المشاق الى المشرق؟ هل الدافع للبحث عن أصولهم؟
وجد الصحافي في استقباله كتبيا عوض شيوخ الصحراء والمغرب الشرقي، فهل معنى ذلك أن المشرق بلد الحضارة المكتوبة وبلد الشيوخ مجتمعه ما زالوا يعتمدون الرواية الشفاهية بدون تدوين؟ ولماذا لم يتم الحديث عن حرق الكتب في القاهرة كما حصل مع الأندلس؟ أمدّ الكتبي الصحافي بمؤلفات للمغاربة ومجلدات عن تاريخ مصر من عادات وتقاليد وهندسة المنازل، كما وجد في المجلدات هجرة الفقهاء المغاربة الذين أتوا إلى المشرق لأخد شرعية الحكم على الأقل في المغرب الأقصى. ومن هنا، يحضرنا فقهاء المرابطين والموحدين الذين اسسوا دولا أمازيغية، حكمت المغرب والأندلس. وشكل المشرق مصدرا لهم في نشر العلوم والآداب، ومع التحولات التي عرفها كل من المغرب والأندلس، أصبحا مُصدرين للعلوم نحو المشرق. لكن الصحافي لم يجد تاريخ قبيلته الذي جاء من أجله.
نجد في حكي المشرق إشارات قوية، يؤكدها الكتبي عن المؤرخين، فقد كانوا غير منصفين في علاقة المشرق بالمغرب. لذلك تعرضت كتبهم للحرق، لكنه لم يحدد مكان الحرق، هل في المشرق أم في المغرب؟ ومن الخلاصات التي يمكن أن نتيرها مع الصحافي بعد الانصات للكتبي وقراءة المجلدات : حضور التقاطع بين المشرق والمغرب ، لكن لم يُتر موضوع جمال عبد الناصر الذي يعتبر الموضوع الثاني بعد موضوع البحث عن أصل قبيلته ،غير أننا نجد إلحاح الماضي على الحاضر في الاستمرارية في البحث عن الأصول .ورد في( ص: 170) » عندما استيقظت أوّلت حلمي بأن جدي يدعوني إلى متابعة بحثي في أعماق الجنوب » غير أن الصحافي لم يفش هذا الحلم لأحد خوفا من أن يكلفه شيخ القبيلة بالاستمرار في البحث ، وبالتالي سيدخل في متاهات الجهات الأربع من جغرافية العالم. بينما ترسخ لديه بعد تلك الرحلة ألا فائدة من البحث. ورد في (ص: 171) » ارتحت لقراري، لأنني أصبحت مقتنعا بأن البحث في شجرة الأنساب سيفتح علي غابات لا نهاية لها ».
انطلقت الرواية في النبش من زمن جمال عبد الناصر إلى الماضي، في ذخائر الصحراء والمغرب الشرقي والاندلس ثم إلى المشرق عند مصر، لتعود بنا الرواية بمهارة عالية إلى بداية البدايات، مع مرحلة جمال عبد الناصر، حيث دار الحديث هذه المرة، ليس مع الشيوخ وانما بين الصحافيين في المقهى، فأصبح الحديث حول القومية العربية، وطرح السؤال، ما الذي يجمعنا ويشتتنا؟ هل اللغة والدين والمصير المشترك أم شيء آخر؟ كما دار الحديث حول طبيعة السلطة والحكم، فوجد الصحافي تشابها بين المشرف والمغرب في المعتقد الأسطوري، ففي المشرق يتبركون بقبور الأنبياء وفي المغرب يتبركون بقبور الصلحاء. ومن الخلاصات الأساسية التي انتهى إليها الصحافي، أن هناك مفترقا بين ماضي الشيخ وحاضر الصحافي، الذي اقتنع بلا جدوى النبش في الأموات، أن الانتماء إلى الجغرافية أصح من التعلق بالتاريخ.
من خلال تتبعنا بعين الراصد تبين أن رواية » يوبا أعراب » نص مكتنز بمعطيات تاريخية وسوسيولوجية، رواية تجمع بين ثلاثة مواقع جغرافية قد تصل إلى حد التلاقي في بعض جوانبها. فالرواية تتحدث عن أربع هويات: أمازيغية وعربية وصحراوية وأندلسية في اندماج وتكامل، لتعطي هوية واحدة. فهل نقل الأستاذ جمال بندحمان روايته من قلم المبدع إلى قلم المؤرخ والسوسيولوجي الذي يبحث في الظواهر الآنية المعيشية والشاهدة التاريخية؟ وهل في عمله هذا دعوة إلى المبدعين كي ينشغلوا بالأسئلة الحارقة التي تواجه مجتمعهم و وجودهم؟.
