من ثنائيات العالم إلى شروخ المهنة: كيف نحمي وحدة المحامين في زمن الاستقطاب؟

من ثنائيات العالم إلى شروخ المهنة: كيف نحمي وحدة المحامين في زمن الاستقطاب؟
شارك

مصطفى المنوزي

من يملك حدًّا أدنى من أدوات المنطق يدرك أن كثيرًا من الاستقطابات المعاصرة لا تقوم فقط على تضارب المصالح، بل على اختلال في بناء القضية ذاتها. فحين يُختزل العالم في ثنائية حدّية من قبيل: إما مع إيران أو مع أمريكا، فإننا نكون إزاء مغالطة “الثنائية الزائفة” التي تحوّل تعدد الإمكانات السياسية إلى خيارين متناقضين، وكأن المجال الدولي لا يعرف سوى الأبيض أو الأسود، ويزداد الخلط حين يُعاد تعريف التضاد السياسي بوصفه تناقضًا وجوديًا. فالتناقض في المنطق يعني استحالة اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما معًا، بينما الصراع الدولي—مهما اشتد—يبقى في كثير من الأحيان تضادًا في المصالح لا تناقضًا في الوجود. غير أن الخطاب التعبوي يصرّ على تحويل كل اختلاف إلى صراع هوياتي مغلق، ثم يبني عليه تصنيفات أخلاقية جاهزة: محور خير ومحور شر، خندق مقاومة وخندق تبعية.

هذه البنية المنطقية المختلة لا تبقى حبيسة المجال الجيوسياسي؛ فهي سرعان ما تُستورد إلى الفضاءات الوطنية، فتُعاد صياغة النقاشات الداخلية على إيقاع صراعات خارجية، ويُستبدل سؤال المصلحة العمومية بسؤال الولاء الرمزي. وهنا ينتقل الخلل من مستوى التحليل إلى مستوى البنية الاجتماعية نفسها.

وهنا للأسف، لم يسلم الجسم المهني للمحامين من هذا الانزلاق. فقد تحوّل خلاف دولي (على صفحات التواصل المهني البينية) إلى معيار للتخوين داخل المهنة: من يدين إيران يُنعت بالصهيوني، ومن يتضامن معها يُوصم بالانفصالي الخائن للقضية الوطنية. هكذا يُختزل المحامي في موقف خارجي، ويُعاد تعريف انتمائه المهني على أساس اصطفاف جيوسياسي، لا على أساس التزامه بقيم الدفاع واستقلاليته.

إن هذا التحول ينطوي على ثلاث مفارقات خطيرة:

أولًا، الانتقال من الاختلاف إلى نزع الشرعية. فبدل مناقشة الفكرة، يتم القدح في الشخص، في صورة واضحة من مغالطة “الطعن في القائل”. وهذا يضرب في العمق تقاليد الجدل القانوني الذي يفترض الاحتكام إلى الحجة لا إلى الوصم.

ثانيًا، استيراد ثنائية هوية إلى فضاء وظيفي. فالمحاماة ليست حزبًا سياسيًا ولا جبهة إيديولوجية، بل مرفقًا من مرافق العدالة، ووظيفتها الدفاع عن الحقوق والحريات بصرف النظر عن الاصطفافات الدولية. تحويلها إلى ساحة تجاذب خارجي يفقدها طبيعتها الجامعة.

ثالثًا، إزاحة الأولوية المهنية في لحظة حرجة. ففي وقت تحتاج فيه المهنة إلى توحيد الجهود وتنسيق الإمكانيات لمواجهة نزعات تضييق أو تعسف في ما يمكن تسميته “العقل التشريعي الأمني”، يتم استنزاف الطاقة الجماعية في صراع رمزي لا يخدم استقلال الدفاع ولا يعزز ضمانات المحاكمة العادلة.

إن وحدة المحامين لا تقوم على تطابق مواقفهم من قضايا العالم، بل على اشتراكهم في أرضية مهنية صلبة: استقلالية الدفاع، سيادة القانون، حماية الحريات، وصون كرامة المحامي. وما عدا ذلك يظل مجالًا مشروعًا للاجتهاد الفردي، لا معيارًا للانتماء ولا أداة للإقصاء.

لذلك، فإن المطلوب ليس قمع الاختلاف، بل إعادة تأطيره. من حق المحامي أن يدين أو يتضامن وفق قناعته، لكن ليس من حقه أن يحوّل موقفه إلى صكّ توزيع للشرعية داخل الهيئة. كما أن من واجب المؤسسات المهنية أن تؤكد بوضوح أن الانتماء يُقاس بالالتزام بأخلاقيات المهنة، لا بالاصطفاف في نزاع دولي.

في زمن الاستقطاب، يصبح التحدي مضاعفًا: كيف نحمي المهنة من أن تتحول إلى امتداد لصراعات لا تتحكم في مساراتها؟ وكيف نمنع الثنائيات المستوردة من تفكيك جبهة يفترض أن تكون موحّدة في الدفاع عن شروط اشتغالها؟

ربما تكمن البداية في استعادة بساطة المنطق وصرامة المبدأ:

الاختلاف السياسي لا يساوي الخيانة، والتضامن لا يساوي الانفصال، والانتماء المهني لا يُختزل في موقف خارجي.

وإذا كان العالم يميل إلى الانقسام، فإن مسؤولية النخب المهنية—وفي مقدمتها المحامون—أن تُبقي فضاءها محكومًا بالعقل والحجة، لا بالتخندق والوصم. فالمعركة الحقيقية ليست حول من نقف معه خارج الحدود، بل حول كيف نحمي داخلها شروط العدالة واستقلال الدفاع.

ولذلك فخارج فضاء المهنة، يظل من حق المحامي كمواطن —فردًا كان أو مندرجًا ضمن إطار جماعي—أن يؤسس موقفه كما يشاء، وأن يعلنه أو يحتفظ به، وفق تقديره السياسي أو الفكري أو الاجتماعي. فالموقف في المجال العام فعل حر، يُبنى على تحليل دقيق لعلاقة المعنيّ بوطنه، أو بدولته، أو بنظامه السياسي، في سياق التنسيب وعقلنة الترتيب؛ وعلى ما يراه منسجمًا مع قناعاته ومصالحه ورؤيته للعالم ؛ غير أن هذا الحق، في بعده المدني، لا ينبغي أن يتحول داخل الفضاء المهني إلى معيار للفرز أو أداة لإعادة تعريف الانتماء. فالمهنة ليست امتدادًا للاصطفافات الدولية، ولا ساحة لتصفية حسابات رمزية، بل إطارٌ وظيفي تحكمه قواعد الاستقلالية والتضامن وأخلاقيات الدفاع. ومن ثمّ، فإن صون وحدة المحامين يقتضي التمييز الواعي بين حرية الموقف كمواطن، والالتزام الجامع كمحامٍ.

بهذا التمييز فقط يمكن حماية حق الاختلاف دون السماح له بأن يتحول إلى شرخ، وصون التعدد دون أن ينقلب إلى انقسام.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *